حين تتحول خطوات الأطفال نحو مدارسهم إلى مغامرة غير مأمونة العواقب، وتتحول الشوارع إلى ساحة معركة وجودية بين الحيوان والبشر؛ فنحن لا نتحدث عن مشكلة بيئية، بل نتحدث عن كارثة إنسانية تضرب صميم الأمن والسلم المجتمعي؛ أنهت بالفعل عشرات الأرواح باختلاف أعمارها وفي طريقها لقتل المزيد؛ إنها «قنبلة الكلاب الضالة» بالشوارع والتي نزعت فتيلها ضغوط جمعيات ومنظمات مشبوهة عام 2018، لتنفجر اليوم في وجوهنا واقعًا دمويًا تسطره مليون و400 ألف حالة عقر لصغار فقدوا الأمان في طريقهم، لم ترحم أنياب الكلاب المفترسة أجسادهم الضعيفة، فضلًا عن ميزانيات ضخمة قدرت بمليار و700 مليون جنيه تُهدر على شراء الأمصال وحدها دون العلاج.
لم يعد ملف الكلاب الضالة في مصر مجرد ظاهرة بيئية عابرة أو رفاهية لنقاشات «الرفق بالحيوان»، بل تحول إلى ملف أمن قومي بامتياز، تتقاطع فيه صرخات الأطفال المذعورين مع أرقام رسمية مفزعة تسجل مليون و400 ألف حالة عقر سنويًا، ونفقات علاجية بالمليارات ترهق كاهل الدولة. لذلك في السطور التالية نفتح الملف الأكثر «شراسة» مع رجلٍ يمتلك «شفرة» التعامل مع هذا العالم؛ اللواء دكتور مدحت الحريشي، مساعد وزير الداخلية الأسبق والخبير الذي أدار لسنوات منظومة تدريب كلاب الأمن والحراسة بوزارة الداخلية؛ يشرح طفرات السلوك الافتراسي (Pack Attack) التي جعلت من قطعان الكلاب «قوات احتلال» للأحياء السكنية، ويفجر مفاجآت من العيار الثقيل حول «بيزنس» تصدير بلازما الكلاب للخارج، وكيف تحولت «الملاجئ غير المرخصة» إلى جيوب لا تخضع للرقابة ضمن أدوات «حروب الجيل التاسع» لإضعاف الدولة وإشغالها داخليًا.
اللواء مدحت الحريشي، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أراد أن يؤصل للظاهرة والتأكيد على عدد من النقاط قبل انطلاقنا في الحوار معه قائلاً: نستطيع القول إن «كلاب الشوارع» قنبلة انفجرت بالفعل، والبداية الحقيقية للأزمة بدأت عام 2018، عندما قررت الهيئة العامة للخدمات البيطرية التوقف عن التخلص من الكلاب بالقتل بالخرطوش أو السم، رضوخًا لضغط جماعات الرفق بالحيوان المزعومة على الرغم من عدم وجود قرارات أو أحكام تتضمن قرارًا رسميًا معلنًا بوقف قتل الكلاب الضالة بشكل كامل دون وجود رؤية إستراتيجية للتغلب على المشكلة؛ ودون وجود حل عملي ناجز بديل تضاعفت أعداد الكلاب الضالة داخل الكتلة السكانية وتضاعفت أعداد ضحايا عقر الكلاب، وبالتالي لم يعد الحديث عن الكلاب الضالة في مصر مجرد تناول لظاهرة بيئية أو مشكلة محدودة التأثير يمكن احتواؤها بإجراءات تقليدية، بل أصبحنا أمام واقع يفرض نفسه بقوة كتهديد يومي مباشر يمس سلامة المواطنين وحقهم في الحياة الآمنة؛ المشهد لم يعد مقتصرًا على مناطق عشوائية أو أطراف المدن، بل امتد إلى قلب الأحياء السكنية، المدن الجديدة، والمناطق السياحية، حيث تتحرك الكلاب في قطعان تفرض سيطرتها الفعلية على بعض الشوارع.
وإلى نص الحوار:
تشير تقارير وزارة الصحة واللجنة المركزية للطب البيطري إلى تسجيل ما يزيد عن مليون و400 ألف حالة عقر سنويًا؛ كيف تقرأون هذه الأرقام من منظور أمني بحت؟ وهل خرجت السيطرة على «الكتلة العددية» للكلاب الضالة عن النطاق المسموح به؟
- بالفعل هذه الأرقام حقيقية؛ فبتاريخ 4 يناير 2026 صرح الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة، بأن عام 2025 شهد مليونًا و400 ألف حالة عقر غالبيتها من الكلاب، وهذا الرقم تضاعف 4 مرات؛ حيث كان عدد حالات العقر عام 2016 هو 370 ألف حالة عقر وكنا ننظر لهذا الرقم بفزع، ومع الأسف نحن الآن نتمنى العودة لهذا الرقم.
كم يتكلف علاج عقر الكلاب في مصر تقريبًا؟
- تكلف علاج هذه الحالات مليارًا و700 مليون جنيه، ويقصد بالعلاج هنا تطعيم السعار فقط دون أي إجراء طبي آخر لعلاج الجروح التي وصلت للعجز والعاهات المستديمة وتطلبت إجراء عمليات جراحية، ويتم علاج حالات عقر الكلاب في المستشفيات الحكومية بشكل مجاني، لتصل تكلفة العلاج للشخص الواحد حوالي 1250 جنيهًا.
بالعودة إلى واقعة «طفل التجمع» الشهيرة أو مأساة «طفلة الواحات»؛ لاحظنا تحولاً في سلوك الكلاب إلى «الهجوم الجماعي المنظم» (Pack Attack)، فهل نحن أمام طفرات سلوكية نتيجة البيئة أم خلل في طرق المكافحة جعلها أكثر شراسة؟
- المآسي بسبب الكلاب الضالة لا تتوقف؛ ففي شهر أبريل الحالي فَقَدَ طفل في المنوفية وآخر في سوهاج عينه بالكامل، ونحن هنا نتحدث عما يتم نشره وهو قليل مقارنة بالواقع، ونستطيع القول بوضوح إن الكلاب الضالة شهدت تحولًا سلوكيًا خطيرًا من أفراد منفردة خجولة إلى قطعان منظمة تسيطر على مناطق سكنية، نتيجة توافر الغذاء والإطعام العشوائي وغياب السيطرة الفعالة. وأدى تكون قطعان الكلاب داخل الكتلة السكانية إلى انخفاض الخوف من البشر، وتصاعد سلوك الدفاع الإقليمي والعدوان الجماعي المعدي، وتطور أساليب هجوم منسقة تزيد خطورة المواجهة خاصة على الأطفال وكبار السن، بل تم رصد سلوك افتراسي تجاه الأطفال لأن الكلب يرى الطفل ككائن (صغير الحجم، سريع الحركة، عالي الصوت) كفريسة، فينقض مباشرة على المناطق الحيوية (الرقبة/الرأس).
واقعة «عروس الإسماعيلية» في أكتوبر 2023؛ التي تحولت فيها «عقرة» كلب ضال إلى مأساة اجتماعية وبتر للأذن؛ كيف ترون أثر هذه الحوادث على مفهوم «الأمان في الشارع المصري»؟
- هذه الحادثة وما شابهها من حوادث متعددة تعدت بتر الأذن إلى الوفاة في العديد من الحالات بسبب العقر المباشر أو السقوط أسفل السيارات أثناء محاولة الهرب من الكلاب، فضلًا عن الإصابة بمرض السعار المميت؛ كل هذا يعد تكديرًا للأمن والسلم العام. كما أن وجود الكلاب داخل الكتلة السكانية بأعداد كبيرة أصبح مصدر خطر غير متوقع في الشارع، يجعل الأفراد يعيشون حالة من الترقب والقلق المستمر بسبب تفاقم الظاهرة، وهو ما قد يقود إلى القلق والاكتئاب وتراجع الثقة بالمجتمع. يتناقض الوضع الحالي مع ما كفله الدستور في المادتين 59 و60 من دستور 2014، ومع المادة 3 من الإعلان العالمي حقوق الإنسان الصادر عام 1948، ويعد إخلالاً بالالتزام الدستوري بتوفير الحياة الآمنة والبيئة الصحية، الأمر الذي يستدعي تحركًا عاجلاً ومسؤولاً، فصون كرامة الإنسان وأمنه لا يحتمل التأجيل.
يتحدث البعض عن «سعار الجوع» وآخرون عن «السعار المرضي»؛ من خبرتكم الميدانية، هل سلوك الافتراس الحالي ناتج عن الجوع، أم نتيجة اختلاط الكلاب الضالة بسلالات أجنبية مهجنة تم التخلص منها في الشوارع؟
- مصطلح سعار الجوع غير دقيق؛ الكلب في الأصل حيوان بري من المفترسات، إذا لم يجد طعامه في المخلفات البشرية من قمامة وغيرها فغرائزه تقوده للصيد والفريسة؛ قد تكون قطة أو طفلاً صغيرًا. أما السعار أو ما يعرف بـ «داء الكلب» فهو مرض حاد يصيب الجهاز العصبي للحيوان والإنسان ويسبب شللاً وتقلصًا في عضلات البلع مع فقدان الوعي وتشنجات عضلية في كافة أنحاء الجسم وشللاً في الجهاز التنفسي، وتتحقق العدوى عن طريق عقر حيوان مصاب لحيوان آخر أو إنسان؛ حيث تكون الإفرازات اللعابية مليئة بفيروسات المرض الفعالة أو عن طريق سقوط هذه الفيروسات على جرح أو خدش جديد بالجسم، والسعار مرض قاتل. أما أن حالات العقر زادت نتيجة اختلاط الكلاب الضالة بسلالات أجنبية مهجنة تم التخلص منها في الشوارع فهو كلام غير علمي؛ فكل الكلاب تعقر، حتى الكلاب الصغيرة التي تسمى كلاب الزينة.
بصفتكم مديرًا سابقًا للإدارة العامة لتدريب كلاب الأمن والحراسة؛ ما هو الفرق الجوهري في «الغريزة الهجومية» بين الكلب المدرب أمنيًا والكلب الضال؟
الكلب المدرب يهاجم بأمر ويترك بأمر، ويهاجم جزءًا محددًا غير قاتل ولا يحدث عاهات مستديمة ولا يسبب عجزًا وهو الساعد، بينما الكلاب الضالة تهاجم وفق رؤيتها هي وقت الهجوم وتستهدف منطقة الوجه والرقبة لأنها غريزيًا تقتل فريستها من خلال عقر هذه المنطقة.
بحكم خبرتكم في لغة جسد الكلاب؛ ما هي الأخطاء القاتلة التي يرتكبها الضحايا أثناء الهجوم وتزيد من حدته؟
- مع الأسف؛ الصراخ والحركات المعيبة بالأيدي والأقدام والجري تزيد من حدة هجوم الكلب وتحفز غريزة الافتراس.
وكيف يمكن للمواطن التفريق بين «النباح التحذيري» و«وضعية الهجوم»؟ وهل هناك «نقطة ضعف» في جسم الكلب يمكن استهدافها للدفاع عن النفس في حالة الهجوم المباغت؟
- الكلاب التي تهاجم دفاعًا عن المنطقة تبدأ بالنباح والالتفاف حول الضحية قبل أن تبدأ عقره بطرف أسنانها في منطقة الساق، بينما الكلاب التي تهاجم للافتراس فهي تهاجم من الخلف غالبًا وبدون صوت وتستهدف منطقة الرأس والرقبة. وأضعف نقطة في جسم الكلب هي منطقة العنق ولكنها محمية بالفك القوي، ولذلك يكون من الصعب السيطرة على الكلب بهذه الطريقة، ولا أنصح بالدخول في معركة مع الكلاب، والأفضل طلب النجدة من المحيطين، وهذا ينقذ الموقف بصورة أفضل.
هل هناك قصور في الرقابة على مراكز التدريب الخاصة التي تنتشر حاليًا؟ وكيف نفرق بين «الكلب الحارس» و«الكلب القاتل»؟
- لا توجد رقابة من الأساس. وكلب الحراسة هو الكلب الذي يحرس منزلاً أو ما شابه، وهو يدافع عن هذا المكان إذا ما تم التعدي على المكان أو أهل المكان أو على الكلب نفسه، بينما الكلب القاتل هو الكلب العقور الذي يعقر أي شخص بدون سبب، وهو الذي أمر الرسول (ص) بقتله لقوله: «خمسٌ من الدواب كلهن فواسق يُقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور».
القانون رقم 29 لسنة 2023 حظر 16 سلالة خطرة؛ هل لدى وزارة الداخلية آليات لعمل «مسح شامل» للبيوت وضبط هذه السلالات قبل وقوع الكارثة؟
- لا يجوز ذلك إلا بإذن من النيابة، ويجب وجود متخصص يستطيع التمييز بين سلالات الكلاب المختلفة.
برزت ظاهرة يطلق عليها «مافيا الكلاب» لتدريب الكلاب على الشراسة لاستخدامها في أعمال البلطجة، وحتى اليوم لا تزال تتكرر تلك المشاهد.. فكيف يتم التعامل معها أمنيًا ومتى ستنتهي؟
- كما قدمنا، استخدام الكلاب في أعمال البلطجة يعد ظرفًا مشددًا كما نصت المادة 357 مكرر من قانون العقوبات، ويجب مداهمة مراكز تدريب الكلاب غير المرخصة التي تدرب الكلاب على الأعمال العدوانية، وإحكام الرقابة وتطبيق القانون على المخالفين فورًا، كما يجب على المواطنين الإبلاغ الفوري عن هذه الجرائم حتى يتسنى للشرطة اتخاذ الإجراء القانوني المناسب.
رصدت تقارير تدفق مبالغ ضخمة بالعملة الصعبة لمبادرات فردية تحت مسمى «إنقاذ كلاب الشوارع»؛ هل يمكن أن يكون هذا الملف ستارًا لتمويلات مشبوهة أو غسيلاً للأموال بعيدًا عن رقابة الدولة؟
- جانب من جمعيات الرفق بالحيوان استفادت من تفاقم الأزمة لعدم وجود أي رقابة على هذه الجمعيات سواء إدارية أو صحية أو مالية، وغير معروف مصادر التمويل الحقيقية لها ومصادر الثراء التي طرأت على المشتغلين بها منذ دخولهم هذا المجال، وبالتالي هناك مخالفات مالية صارخة حيث لا تخضع أموال التبرعات لرقابة وزارة التضامن الاجتماعي.
وما حقيقة بيع «دم الكلاب» وتصديرها للخارج؟
- عدد من جمعيات الرفق بالحيوان ومربي الكلاب والقائمين على إطعامهم في الشوارع قاموا ببيع «بلازما دم الكلاب» لبنوك الدم الأمريكية لتستخدم في علاج كلاب أمريكا! وحققوا منها أرباحًا مالية، وذلك وفقًا لتصريحات خاصة لمسؤولين بالإدارة المركزية للحجر الصحي؛ حيث بلغ عدد أكياس الدم المصدرة خلال 3 أعوام 3000 كيس، ويبلغ سعر تصدير الكيس الواحد من دم الكلاب 500 دولار، أي أن سعر تصدير دم الكلاب خلال هذه الفترة بلغ مليونا وخمسمائة ألف دولار.
هل هناك علاقة بين العمل في مجال الرفق بالحيوان في مصر والشبكات والمنظمات الدولية الكبرى، سواء المهتمة بذات الشأن أو غيرها، والتي تصنف منظمات مشبوهة معادية بالنسبة للدولة المصرية؟
- نعم، وذلك للاستفادة من برامج تدريب ودعم الكلاب، وهناك تعاون غير رسمي عبر منصات تمويل أو دعم؛ فعلى سبيل المثال، الارتباط بمنظمة (Occupy For Animals) «احتلوا من أجل الحيوانات» والعمل كمراسلين لها، ونقل جميع الأخبار المتعلقة بالشأن المصري لها مع صور اجتماعات مع جهات حكومية وصور من الداخل المصري.
نلاحظ ضغوطًا دولية لمنع «القتل الرحيم».. هل ترى أن هناك تعمدًا لترك هذه «القنبلة» تنفجر لإثارة السخط الشعبي وتعطيل حركة الاستثمار والسياحة؟
- أصحاب المصالح والمتربحون من أزمة الكلاب الضالة هم أساس هذه المشكلة، والقتل الرحيم معمول به في كافة دول العالم وفق شروط وضوابط؛ الولايات المتحدة الأمريكية تخلصت من ملايين الكلاب الضالة في العام الماضي، وحوالي 40 ألف كلب تم إعدامهم.
هل توجد فتوى دينية في أمر التخلص من كلاب الشوارع التي تهدد حياة الإنسان وقد تودي به إلى الوفاة؟
- أجازت دار الإفتاء المصرية القتل الرحيم للحيوانات الضارة في الفتوى رقم 3233 بتاريخ 7 ديسمبر 2015م، بأنه لا يجوز قتل الحيوانات الضالَّة إلَّا ما تحقق ضرره منها؛ كأن تهدِّد أمن المجتمع وسلامة المواطنين، بشرط أن يكون القتل هو الوسيلة الوحيدة لكفِّ أذاها وضررها، مع مراعاة الإحسان في قتلها؛ فلا تُقتَل بطريقة فيها تعذيب لها.
تم رصد فيديوهات «درامية» لكلاب معذبة تُنشر بالخارج لجمع تبرعات دولية؛ ألا يعد ذلك نوعًا من «الإساءة لسمعة الدولة»؟ وكيف يتم التعامل أمنيًا مع هذه الحسابات؟
- هذا واحد من نشاط الجمعيات المشبوهة وغير المرخصة التي تزعم أنها تعمل في مجال الرفق بالحيوان؛ وعلى وزارة التضامن الاجتماعي ووزارة الداخلية ممثلة في مباحث الإنترنت ومباحث الأموال العامة التحقق من نشاط هذه الجمعيات وتمويلها لمحاسبة المخالفين للقانون.
هل هناك تخوف من تحول «ملاجئ الكلاب» (Shelters) غير المرخصة والممولة من الخارج إلى «جيوب» لا تخضع للرقابة وتستخدم كغطاء لأنشطة أخرى؟
- بالفعل حدث هذا التحول الخطير، وتعد مشكلة الكلاب الضالة في مصر أحد صور حروب الجيل التاسع التي تستهدف إشغال الدولة بقضايا داخلية معقدة لإضعاف قدرتها على المبادرة واستنزافها إدراكيًا وإعلاميًا. وهذه المشكلة تحولت إلى أداة ضغط نفسي وسياسي تُغذّي الانقسام بين المجتمع والنشطاء والدولة عبر التضليل الإعلامي، فضلًا عن إنهاك الدولة ماليًا وإداريًا ومعنويًا.
هل ترى أن تكاثر الكلاب الضالة وتضاعف أعدادها في الشوارع ينذر بكارثة بيئية محتملة نظراً لما تحمله من أمراض وما طرأ من فيروسات حديثة؟
- نعم، حيث تشير الأدلة العلمية إلى أن الكلاب الضالة تمثل تهديدًا وبائيًا مباشرًا للصحة العامة، إذ تعمل كخزانات نشطة لمجموعة واسعة من مسببات الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان في البيئات الحضرية. كما تبرز مخاطر إضافية مرتبطة بدور الكلاب الضالة في دعم ظهور مقاومة المضادات الحيوية، وهو تهديد استراتيجي طويل الأمد. إن استمرار الوضع دون تدخل متكامل قد يؤدي إلى ترسيخ بؤر عدوى مزمنة يصعب احتواؤها مستقبلاً، والأخطر ما أثبتته الدراسات الحديثة من أن الكلاب تنقل فيروسين شديدي الخطورة هما:
فيروس كورونا الذي يصيب الكلاب ويمكن أن ينتقل للإنسان، وحذرت تقارير علمية من سلالة تسمى (CCoV-HuPn-2018) تم عزلها من أطفال ومسافرين مصابين بالتهاب رئوي في عدة دول، وهو فيروس «هجين» يجمع بين جينات من كورونا الكلاب والقطط، يصيب الجهاز التنفسي البشري، ويمثل «تهديداً كبيراً للصحة العامة» لأنه لا يتم اكتشافه بالفحوصات التقليدية (الدراسة الأصلية هي Proceedings of the National Academy of Sciences (2022) وعنوانها هو Isolation and characterization of a canine coronavirus from a hospitalized patient with pneumonia).
وفيروس نيباه (NiV)؛ حيث يمكن للكلاب، إلى جانب حيوانات أخرى مثل الخنازير والخيول، أن تُصاب بفيروس نيباه وتساهم في نقله إلى البشر، وهو فيروس خطر على الإنسان يمكن أن يسبب أعراضاً حادة، والتهاباً دماغياً، ومشاكل تنفسية شديدة، مع معدل وفيات مرتفع.
شهدنا تحريضاً من مجموعات ممولة ضد حملات الطب البيطري الرسمية؛ كيف ترى التوازن بين «النشاط المدني» وبين «فرض السيادة والقانون» في مواجهة هذه الجماعات؟
- لا يوجد توازن؛ إما تطبيق القانون أو الفوضى. فحماية حق المواطنين في الحياة والسلامة الجسدية من أسمى الالتزامات التي قررتها المواثيق الدولية، كما كفلها المجلس القومي لحقوق الإنسان في إطار رسالته الوطنية، فضلاً عن تأكيد الدستور المصري الصادر عام 2014م لهذا الحق الأصيل.
الملف مشتت بين الزراعة، الصحة والمحليات؛ لو طُلب منكم تأسيس «وحدة وطنية لإدارة ملف الكلاب»، ما هو الهيكل الأمني الأنسب لضمان سرعة حل المشكلة؟
- الأمر واضح وبسيط، فقط توافر إرادة التنفيذ على الأرض مثلما تم في بورسعيد؛ فالقانون رقم 29 لسنة 2023 يوزّع مسؤولية مواجهة الكلاب الضالة بين عدة جهات، الجهة الأساسية هي الهيئة العامة للخدمات البيطرية، مع تنفيذ ميداني عبر الإدارة المحلية ودعم أمني من وزارة الداخلية.
اترك تعليق