لا ينبغي للإنسان أن يفقد الأمل أو يسيء الظن بالله سبحانه
التغافل منهج ذكي تلجأ إليه الزوجات الحكيمات حفاظًا على الأسرة
الشراكة في بناء قاعة أفراح جائزة.. بشرط
الصدقة اليومية وإن كانت قليلة تجلب لصاحبها دعاء الملكين
دفع الغرامة المالية عن المخالفات المرورية لا يسقط الإثم الشرعي.. ولكن
ترد إلى دار الإفتاء يوميا آلاف الفتاوى سواء على موقعها الإلكتروني أو بصفحتها على فيس بوك ويجيب عليها فضيلة الدكتور محمود شلبي أمين الفتوى بالدار
*هل للأم حقوق على أولادها وهي مازالت في صحتها وقوتها، وليس فقط عند الكِبر والعجز؟ وما هذه الحقوق؟ وما حقوق الأبناء على الأم التي تتكفل بالإنفاق عليهم بالكامل وتتحمل مسؤوليتهم وحدها؟
** الأم لها حقوق ثابتة على أولادها في كل مراحل العمر، سواء كانت في صحتها أو في مرضها، في شبابها أو في كبرها، فبر الوالدين من أعظم الأعمال عند الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم عدَّه من أفضل القُرُبات، كما أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر وأعظم الذنوب.
وبر الأم لا يقتصر على الإنفاق المادي فقط، وإنما يشمل حسن المعاملة، وحسن الصحبة، والرحمة، والرعاية، والاهتمام، والقيام على شؤونها، والحرص على راحتها النفسية قبل الجسدية.. وحقوق الأم لا ترتبط بكونها فقيرة أو غنية، ولا بكونها قادرة أو عاجزة، بل هي واجبة شرعًا في كل الأحوال، لأن البر عبادة مستقلة أمر الله بها، وجعلها طريقًا لرضاه، وجعل العقوق سببًا لسخطه سبحانه وتعالى.
والأم المُعيلة التي تتحمل مسؤولية أولادها بالكامل لها أجر عظيم عند الله، ولأولادها حقوق عليها من الرعاية والتربية والاحتواء والتعليم والتوجيه الحسن، فكما أن للأم حق البر والإحسان، فللأبناء حق الرعاية والاهتمام، وهي أمانة عظيمة تُسأل عنها يوم القيامة.
*أبلغ من العمر 40 سنة ولم أتزوج بعد وكلما تقدمت لأحد لا يكتمل الموضوع بالرغم من أنني مواظب على الصلاة والدعاء ولقد تعبت جدًا وأخاف أن أغضب الله فماذا أفعل؟
** ما يمر به السائل يدخل في باب الابتلاء، ولا ينبغي للإنسان أن يفقد الأمل أو يسيء الظن بالله سبحانه وتعالى.. واللجوء إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء في مثل هذه الأمور أمر مشروع ومطلوب، خاصة إذا كان الإنسان حريصا على طاعة الله والالتزام بأوامره، فالدعاء باب عظيم من أبواب القرب من الله.
والدعاء وحده لا ينفصل عن السعي، فعلى الإنسان أن يستمر في الأخذ بالأسباب، وألا يتوقف عن المحاولة أو التقدم للزواج، لأن تعطل الأمر مع بعض الأشخاص قد يكون صرفا من الله سبحانه وتعالى لعدم وجود الخير في هذا الارتباط.
وتكرار عدم اكتمال الزواج لا يعني حرمانا ولا غضبا من الله، وإنما قد يكون لحكمة يعلمها الله وحده، وعلى الإنسان في هذه الحالة أن يجمع بين الصبر وحسن الظن بالله، مع الاستمرار في العمل والسعي وعدم الاستسلام لليأس.. فالمطلوب من المسلم هو الاستمرار في الدعاء، وعدم القنوط من رحمة الله، والأخذ بالأسباب المشروعة، والله سبحانه وتعالى إذا علم صدق العبد في دعائه وسعيه، ييسر له الأمور في الوقت الذي يقدره، وأن الفرج قد يأتي من حيث لا يحتسب.
*هل يجوز للزوجة أن تتغافل عن تصرفات الزوج التي لا ترضي الله، رغبةً في استقرار البيت وحماية الأبناء من الطلاق؟
** التغافل منهج ذكي تلجأ إليه الزوجات الحكيمات حفاظًا على الأسرة.. وهناك فرق كبير بين “الغفلة” و“التغافل”، فالغفلة تعني عدم الوعي بما يحدث والتساهل في الأمور، بينما التغافل يعني أن الإنسان مدرك تمامًا لما يجري، لكنه يختار عدم إثارته أو التصعيد بشأنه، أملاً في تحسن الوضع أو تفادي المشكلات.. وهذا الأسلوب قد يكون ناجحًا في بعض المواقف التي يمكن احتواؤها، خصوصًا عندما يكون الهدف حماية البيت من الانهيار.
والتغافل لا يكون في كل شيء، بل في الأمور التي يمكن تجاوزها دون ضرر، مع ضرورة الجمع بين التغافل والنصيحة الرقيقة في وقت مناسب، والدعاء بالهداية والصلاح، والصبر حتى تتبدل الأحوال إلى الأفضل، فهذا النهج يساعد الزوجة في الوصول إلى الاستقرار الذي ترغب فيه ويحفظ كيان الأسرة.
*هل يجوز الدخول في شراكة لبناء قاعة أفراح؟
** عقود الشراكة من العقود الجائزة شرعًا إذا كانت في أمور مباحة، والشريك إذا كانت حصته في المكان ثم يؤجره لغيره، فإن المسؤولية عن الاستخدام تقع على المستأجر نفسه.
ومن المهم وضع ضوابط شرعية واضحة عند تأجير قاعة الأفراح، بحيث يُمنع أي نشاط يخالف الآداب العامة أو الأحكام الشرعية، مثل تقديم الخمور أو ارتكاب ما هو محرم، فالمسلم مأمور بأن يكون شريكًا في الخير لا في الإثم.. والقول بأن “نيتي خير وأنا لا علاقة لي بما يحدث بعد التأجير” غير دقيق شرعًا، لأن الشرع الحنيف ينهى عن التعاون على الإثم والعدوان، فالإنسان قد يكون شريكًا في الحرام بطريق مباشر أو غير مباشر إذا كان عمله يؤدي إلى وقوع المعصية.
والشراكة في بناء قاعة أفراح جائزة، بشرط أن تكون في إطار مباح، وألا تكون وسيلة أو طريقًا يؤدي إلى الحرام، تطبيقًا لقوله تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ».
*ما حكم إخراج صدقة يومية لأولادي، أملاً في نيل دعاء الملكين اللذين يدعوان للمنفقين كل يوم؟
** هذا التصرف جائز شرعًا، بل يرتقي من كونه مباحًا إلى كونه مستحبًا، وفي الحديث الشريف جاء: "اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا"، حيث يدعو أحد الملكين بالخير للمنفق، فيما يدعو الآخر على الممسك الذي لا يخرج من ماله شيئًا.
والصدقة اليومية حتى وإن كانت قليلة مقبولة عند الله سبحانه وتعالى، وأن النية الصادقة في الإنفاق تجلب لصاحبها دعاء الملكين وثواب الصدقة، كما أن إخراج الصدقة يمكن أن يكون في أي وقت من اليوم، صباحًا أو مساءً، بحسب الاستطاعة والقدرة.
وفكرة استغلال المسلم لمثل هذه الأبواب من الخير تُعد "استغلالًا حسنًا" يوافق مقاصد الشريعة، إذ يسعى المؤمن بذكاء للفوز بدعاء الملائكة ورضوان الله، والسلف الصالح كانوا إذا أرادوا الدعاء لأنفسهم، دعوا لغيرهم، لعلمهم أن دعاء الملك عند التأمين أرجى في القبول من دعائهم لأنفسهم.
*هل دفع مخالفة المرور يسقط الإثم الشرعي؟
** دفع الغرامة المالية نتيجة المخالفات المرورية أو غيرها من المخالفات لا يعني زوال المسئولية الشرعية عن المخالف، فهناك فرق بين الحكم الوضعي الذي يختص بالأسباب والإجراءات، وبين الحكم التكليفي الذي يتعلق بالحلال والحرام.. وأي مخالفة تضر بالآخرين، سواء في المال أو النفس، تعد حرامًا في ميزان الشرع.
ودفع الغرامة يعالج جانب التعويض المالي أو الجزاء القانوني، لكنه لا يرفع الإثم الشرعي الناتج عن المخالفة، فكما أن السارق إذا أعاد المال لصاحبه دون توبة يظل آثمًا، كذلك مرتكب المخالفات يظل عليه الوزر حتى يتوب ويستغفر.
و"الضرر لا يباع ولا يُشترى، ولا يجوز للإنسان أن يقول: معي مال فأدفع غرامة وأرتكب ما أشاء، فمقاصد الشريعة ليست للبيع أو للأهواء الشخصية، وإنما هي ضوابط تحكم التصرفات".
والقوانين المرورية والإجراءات التنظيمية ليست مجرد أعراف وضعية، بل هي جزء من الشريعة إذا كانت تحقق مقاصدها في حفظ النفس والمال، وكل ما يؤدي إلى تحقيق هذه المقاصد فهو مشروع وداخل في دائرة الشريعة الإسلامية.
اترك تعليق