في ظل تحديات مائية متزايدة وضغوط سكانية وتنموية متسارعة، لم تعد تحلية مياه البحر في مصر مجرد خيار تقني، بل تحولت إلى ضرورة استراتيجية تفرضها معادلة الموارد المحدودة والاحتياجات المتنامية، فالدولة تمضي في خطة طموحة تمتد حتى عام 2050، تستهدف سد فجوة مائية آخذة في الاتساع، ودعم خطط التنمية في المحافظات الساحلية، عبر التوسع في إنشاء المحطات وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص.
لكن هذا المسار، رغم ما يحمله من فرص واعدة للتحول الأخضر وتوطين التكنولوجيا، يواجه تحديات معقدة تتعلق بارتفاع التكلفة التشغيلية، والاعتماد على المكونات المستوردة، وضغوط التمويل، فضلًا عن الأبعاد البيئية، وبين الحتمية الاقتصادية ومتطلبات الاستدامة، يبقى السؤال المطروح: هل تنجح التحلية في التحول من عبء مالي إلى ركيزة دائمة للأمن المائي المصري؟
دكتور عمرو يوسف:
التحلية والتحول الأخضر..
فرص ذهبية رغم تحديات التمويل
قال د. عمرو يوسف أستاذ الاقتصاد والتشريعات المالية والضريبية المساعد باكاديمية الاسكندرية للإدارة والمحاسبة، أن قضية تحلية مياه البحر في مصر "ليس خياراً ذو طبيعة عادية بل خيارا استراتيجياً.. فقد اصبح حتمياً وليس مجرد رفاهية، وذلك لمواجهة الفقر المائي، ولذلك تتبنى الدولة خطة طموحة تمتد حتى عام 2050، تهدف من خلالها إلى سد العجز المائي المتزايد فضلا عن تنمية المحافظات الساحلية، ويبرز دور القطاع الخاص فى الاستثمار فى هذا المجال والعمل بنظام الشراكة طويلة المدى مما يضمن للمستثمر عائداً مستقراً، وتمتلك مصر من المقومات ومنها طرح محطات في مناطق حيوية مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، السويس، مطروح، والبحر الأحمر، فضلا عن وجود فرصة كبيرة نحو التحول للأخضر فهناك فرص ذهبية للاستثمار في محطات التحلية التي تعمل بـ الطاقة المتجددة (شمسية ورياح)، لخفض تكلفة التشغيل وتقليل الانبعاثات الكربونية.
أضاف رغم الفرص الكبيرة فى المجال الا ان الامر يحتوى على الكثير من الصعوبات ومنها التكلفة التشغيلية العالية: استهلاك الطاقة يمثل من 40% إلى 50% من تكلفة إنتاج المتر المكعب الواحد، مما يجعل سعر المياه المحلاة مرتفعاً مقارنة بالمياه النيلية، فضلا عن أمر الاعتماد على الاستيراد فلا تزال المكونات الحرجة (مثل الأغشية والمضخات عالية الضغط) تُستورد من الخارج بالعملة الصعبة، إضافة الى الأثر البيئي فالتخلص من "المياه شديدة الملوحة" الناتجة عن عملية التحلية يتطلب تقنيات متطورة لحماية الحياة البحرية، وتأتى مسألة التمويل كأحد أهم المعوقات فالمشروعات الخاصة بتحلية المياة ضخمة وتتطلب استثمارات بمليارات الدولارات، مما يضع ضغطاً على الموازنة العامة أو يتطلب شروطاً تمويلية ميسرة من المؤسسات الدولية.
أوضح أن هناك بريق أمل نحو توطين التكنولوجيا وتقليل فجوة الاستيراد والتى تعد من أهم الصعوبات نحو تحلية مياه البحر وذلك عبر محاور عدة ومنها تصنيع أغشية التحلية حيث تعتبر الأغشية هي "قلب" محطة التحلية، اضافة الى الاعتماد على المصانع المحلية فى صنع المكونات الميكانيكية والكهربائية، مع ضرورة العمل على خلق بيئة للبحث العلمي والتطوير بدعم مراكز البحوث لابتكار مواد كيميائية محلية لغسيل الأغشية ومنع التكلس، بدلاً من استيرادها، فضلا عن ضرورة تقديم إعفاءات ضريبية وتسهيلات في الأراضي الصناعية للشركات التي تلتزم بنسبة "مكون محلي" عالية في بناء المحطات.
أفاد د. أحمد سمير خلاف عضو المجلس المصرى للشئون الخارجية، لم تعد تحلية مياه البحر في مصر مجرد خيار تقني يُستدعى عند الضرورة بل تحوّلت إلى استجابة حتمية لواقع مائي يتسم بالندرة البنيوية لا الطارئة فالمعادلة التي تحكم المشهد لم تعد تقبل التأجيل: موارد شبه ثابتة في مقابل طلب يتسارع بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني وتغير أنماط الاستهلاك وفي هذا السياق، تبرز التحلية كأحد الأدوات القليلة القادرة على إضافة مورد مائي جديد، لا إعادة توزيع مورد قائم، وهو فارق جوهري من منظور علمي واستراتيجي.
أضاف أن التعامل مع التحلية بوصفها حلًا مباشرًا يخفي قدرًا من التبسيط فهذه التكنولوجيا رغم نضجها النسبي عالميًا و تظل في جوهرها معادلة معقدة بين الفيزياء والكيمياء والاقتصاد إذ تقوم تقنيات مثل التناضح العكسي على فصل الأملاح عبر أغشية دقيقة تحت ضغوط عالية، وهو ما يعني استهلاكًا كثيفًا للطاقة، واعتمادًا على مكونات ذات مواصفات هندسية متقدمة، لا تزال في معظمها خارج نطاق التصنيع المحلي ومن هنا، فإن كل متر مكعب من المياه المُحلّاة لا يُقاس فقط بتكلفة إنتاجه المباشر، بل بما يحمله من أعباء رأسمالية وتشغيلية ممتدة، تشمل استهلاك الطاقة، وصيانة المعدات، وإحلال المكونات الحيوية، فضلًا عن تكلفة المعرفة ذاتها.
أفاد تتعمق الإشكالية حين ينظر إلى التحلية في سياقها الاقتصادي الكلي فالدولة تتوسع في إنشاء المحطات، لا تموّل مشروعًا قصير الأجل بل تدخل في التزام طويل الأمد يتطلب تدفقات مالية مستمرة للحفاظ على الكفاءة التشغيلية، ومع تقلب أسعار الطاقة عالميًا، وتذبذب سلاسل الإمداد، يصبح هامش المخاطرة أكبر مما يبدو في الحسابات الأولية. ومن ثم، فإن أي تقييم موضوعي لا بد أن يتجاوز منطق “تأمين المياة بأي ثمن”، إلى سؤال أكثر دقة: ما هو الثمن الأمثل الذي يحقق الاستدامة دون أن يرهق الاقتصاد؟
أشار إلى أن الاعتماد التكنولوجي يبرز أحد أكثر جوانب الملف حساسية فالمكونات الدقيقة، وعلى رأسها أغشية التحلية، تمثل قلب المنظومة، وهي في الوقت ذاته الحلقة الأكثر تعقيدًا من حيث التصنيع مضيفا الاعتماد على الخارج في هذا المستوى لا يعني فقط ارتفاع الكلفة، بل يضع قيدًا على الاستقلالية، ويجعل استدامة التشغيل مرهونة بعوامل خارجية لا يمكن التحكم فيها بالكامل لذلك فإن الحديث عن التوسع دون مسار واضح لتوطين التكنولوجيا يظل منقوصًا، بل وربما ينطوي على مخاطرة استراتيجية إذا لم يُدار بحذر
قال د. أحمد، أن توطين هذه الصناعة، على أهميته، لا ينبغي النظر إليه بوصفه قرارًا إداريًا يمكن تنفيذه سريعًا، بل هو مسار تراكمي يتطلب بيئة بحثية متقدمة، واستثمارات طويلة الأجل، وشراكات حقيقية لنقل المعرفة، لا مجرد استيراد المعدات، التجارب الدولية تُظهر أن النجاح في هذا المجال لم يتحقق بالقفز المباشر إلى التصنيع الكامل، بل عبر مراحل تبدأ بالتجميع، ثم التصنيع الجزئي، وصولًا إلى تطوير حلول محلية، وفي هذا المسار، تصبح الجامعات ومراكز البحث جزءًا من منظومة الإنتاج، لا مجرد كيانات تعليمية منفصلة موضحا في المقابل، يفتح الربط بين التحلية والطاقة المتجددة أفقًا علميًا واعدًا، إذ يمكن أن يعيد تشكيل معادلة التكلفة بشكل جذري فإدخال الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح في تشغيل المحطات لا يخفف فقط العبء المالي، بل يحد أيضًا من الأثر البيئي، وهو عامل يزداد أهمية في ظل الالتزامات الدولية المتعلقة بالمناخ غير أن هذا الحل، رغم جاذبيته، ليس خاليًا من التحديات، إذ يطرح مسائل تتعلق باستقرار الإمداد، وكفاءة التخزين، وتكامل الأنظمة، وهي قضايا لا تقل تعقيدًا عن التحلية ذاتها مشيرا إلى أن المقاربة العلمية الرصينة تفرض إذن قدرًا من التوازن: الاعتراف بأن التحلية أصبحت ضرورة لا يمكن تجاوزها، مع إدراك أنها ليست حلًا سحريًا، بل أداة ضمن حزمة سياسات أوسع. هذه الحزمة يجب أن تشمل، بالقدر نفسه من الجدية، تحسين كفاءة استخدام المياه، وتقليل الفاقد، وإعادة الاستخدام، وتطوير البنية التحتية، لأن كل متر مكعب يتم توفيره قد يكون، من الناحية الاقتصادية، أقل كلفة بكثير من إنتاج متر مكعب جديد.
اختتم النهاية، لا تقاس جدوى التحلية بقدرتها على إنتاج المياه فقط، بل بمدى اندماجها في رؤية شاملة لإدارة الموارد، هي رهان على المستقبل، نعم، لكنها أيضًا اختبار لقدرة الدولة على إدارة هذا الرهان بعقلانية علمية، توازن بين الضرورة والإمكان، وبين الطموح وحدود الواقع. وفي هذا التوازن تحديدًا، يتحدد ما إذا كانت التحلية ستظل عبئًا تفرضه الظروف، أم تتحول إلى ركيزة استدامة تُعيد تعريف الأمن المائي على أسس أكثر صلابة
أوضح د. عباس شراقى استاذ الجيولوجيا والموارد المائية بكلية الدراسات الأفريقية، أن تحلية المياه في مصر بدأت منذ بداية القرن العشرين بهدف رئيسى هو توفير مياه الشرب فى المناطق الساحلية والنائية لموظفى شركات البترول والكهرباء فى البحر الأحمر. وتعد تحلية المياه مصدرًا مائيًا متجددًا، حيث تمتلك مصر ما يقرب من 2400 كم سواحل على البحر الأحمر والبحر المتوسط، بالإضافة إلى الخزانات الجوفية الكبيرة.
أضاف تحلية مياه البحر ضرورية لجميع المدن الساحلية القديمة والجديدة والتى لايتوفر فيها مياه جوفية أو أمطار، وهذه المدن تتزايد باستمرار مع مشروعات التنمية وإنشاء المدن الجديدة مثل الجلالة والعلمين الجديدة، والعاصمة الجديدة، وزيادة الأنشطة السياحية على جميع السواحل المصرية، وتظل مياه النيل هى الأقل تكلفة للمدن الأقرب للنهر أو شبكة ترع الرى، أو المياه الجوفية.
أفاد أن الزراعة تستهلك أكثر من 80% من الموارد المائية المصرية، وبالتالى التحديات المائية خاصة بالمجال الزراعى وليست مياه الشرب أو الصناعة. تحلية مياه البحر قاصرة على المناطق الساحلية البعيد عن نهر النيل، حدثت ثورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة فى قطاع تحلية مياه البحر أدت إلى مضاعفة كمية المياه المحلاة من البحار عدة مرات، حتى بلغ عدد محطات المياه 129 محطة فى 2026 بعد أن كانت 46 محطة عام 2015، وأن قدرة المحطات الحديثة أكبر بكثير من المحطات السابقة، بقدرة إجمالية 1.41 مليون متر مكعب يوميًا فى محافظات (شمال سيناء - جنوب سيناء - البحر الأحمر - مطروح - الإسماعيلية - السويس)، بعد أن كانت 10 آلاف متر مكعب/يوم عام 2009 وأهمها محطة تحلية العلمين، وشرق بورسعيد، ومحطة الجلالة لتحلية المياه بطاقة 150 ألف متر مكعب/يوم لكل منهم، بالإضافة إلى 19 محطة أخرى جار تنفيذها بطاقة إجمالية تبلغ 687 ألف متر مكعب/ يوم.
أشار إلى بالرغم من العدد الهائل من محطات التحلية إلا أن حجم المياه المحلاة مازال محدودًا حيث تصل كميتها إلى أقل من نصف مليار متر سنويا، وتشكل حوالى 0,5% من إجمالى المياه المستخدمة فى مصر (85 مليار متر مكعب)، ولا تستخدم المياه المحلاه فى الزراعة فى أى مكان فى العالم نظراً للتكلفة الكبيرة التى تزيد عن دولار واحد لكل متر مكعب، والتى سوف تظل عقبة عالميًا فى الاستخدامات الزراعية حتى تنخفض فى المستقبل، ولكنها اقتصادية فى جميع المجالات الأخرى. تكلفة الإنتاج تعتمد على نوعية المياه البحرية فمياه البحر الأحمر أعلى قليلا من ملوحة البحر المتوسط، وبالتالى تزيد قليلا فى التكلفة، وتشكل الطاقة نسبة كبيرة من التكاليف فتتراوح بين 50 – 60%، ارتفاع أسعار الوقود يزيد من تكلفة تحلية مياه البحر، وكلما انخفضت تكاليف إنتاج الطاقة فإن ذلك يساعد على تخفيض تكلفة التحلية.
من بين أكثر من 12500 محطة لتحلية المياه قيد التشغيل أو قيد الإنشاء في جميع أنحاء العالم، فتوجد 60% منها فى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أصبحت مصر تتساوى مع اليابان وإنجلترا وإسبانيا فى كمية المياه المحلاه.
اترك تعليق