في تحول لافت بمفهوم الأمن السيبراني، لم تعد الهجمات الرقمية تقتصر على استهداف الأنظمة والبنية التحتية، بل باتت تركز بشكل متزايد على الإنسان نفسه بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر قابلية للتأثير. وتشير دراسة تحليلية للباحثة أسماء عبد الجواد، استاذ بكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي بجامعة مدينة السادات، إلى أن طبيعة التهديدات السيبرانية تشهد انتقالًا من استغلال الثغرات البرمجية إلى استهداف ما تصفه بـ"الثغرات الإدراكية".
ويستند هذا التحول إلى فلسفة أبوالعلا عطيفي حسنين ضمن إطار النيروجيكو، التي ترى أن الوعي الإنساني أصبح ساحة رئيسية للصراع الرقمي، حيث يسعى المهاجمون إلى توجيه الانتباه والتلاعب بالإدراك بدلًا من اختراق الأجهزة. وبهذا المعنى، يتحول الأمن من منظومة دفاع تقني إلى منظومة أوسع تهدف إلى حماية آليات التفكير واتخاذ القرار.
وتعتمد الهجمات الحديثة على أدوات نفسية معقدة، تشمل الخداع المعرفي، والإغراق المعلوماتي، والتلاعب العاطفي، إلى جانب استخدام محفزات دقيقة تدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات خاطئة دون إدراك مباشر. وتبرز هذه الممارسات في انتشار الأخبار المضللة والمحتوى السريع المصمم لإضعاف التفكير النقدي، حيث يلعب التكرار والإلحاح الزمني دورًا في ترسيخ أفكار قد تفتقر إلى الدقة.
ومع توسع المنصات الرقمية، يواجه المستخدمون بيئات معلوماتية مخصصة تُبنى عبر خوارزميات تتبع السلوك والتفضيلات، ما يؤدي إلى تكوين ما يُعرف بـ"الفقاعات الإدراكية"، حيث يتعرض الفرد لمحتوى يعزز قناعاته القائمة ويحد من قدرته على رؤية وجهات نظر مختلفة.
تخلص الدراسة إلى أن مواجهة هذا النمط من الهجمات تتطلب بناء "مناعة معرفية" لدى الأفراد، تقوم على الوعي بآليات التأثير الخفي وتطوير مهارات التفكير النقدي، بما يسمح برصد محاولات التلاعب قبل أن تتحول إلى قرارات أو قناعات راسخة.
اترك تعليق