مع الإعلان عن التشكيل الحكومي الجديد في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة، تبدو فى الأفق المهام الكبرى والحيوية للمجموعة الوزارية الاقتصادية بالحكومة الجديدة، والتى ربما تحمل آمال المصريين، إلى تغيير ونقلة فى حياة المواطنين البسطاء الذين طحنتهم القرارات الحكومية السابقة ولم تراع أحوالهم أو حتى تنظر إلى معاناتهم، ولذلك فإن الجميع سواء مواطنون أو خبراء يحدوهم الأمل فى مجموعة وزارية اقتصادية تعمل لصالح المواطن وتضعه فى مقدمة الاهتمامات.
من جانبهم طالب خبراء الاقتصاد من الحكومة الجديدة، التركيز على تحسين المناخ الاستثماري، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز الشفافية، والاهتمام بالحماية الاجتماعية بشكل أوسع وأشمل، خاصة فى ظل تأكل الطبقة الوسطى والتى كانت هى العمود الفقري للاقتصاد ودوران حركة السوق.
كما طالب الخبراء بتعزيز الاستثمارات في القطاعات الحيوية، وتحفيز المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين السياسات الضريبية لتكون أكثر عدالة، وأيضاً تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد. كل هذه المطالب تهدف إلى تعديل المسار الاقتصادي وتحقيق نمو مستدام.
حياة المواطن البسيط
يقول د. رشدي فتحي استاذ ورئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة جامعة دمياط أنه بالرغم من ان مؤشرات نمو الاقتصاد المصري الحالية إيجابية، متمثلة في ارتفاع معدل النمو السنوي للاقتصاد المصري للعام المالي 2024/2025 ليسجل نحو 4.4%، مما يعكس صلابة الاقتصاد المصري في مواجهة الصدمات الخارجية، مدعومة بالسياسات الداعمة لاستقرار الاقتصاد الكلي، وحوكمة الاستثمارات العامة، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وتنوع مصادر النمو الاقتصادي بما يتماشى مع توجه الدولة لتنويع هيكل الاقتصاد.
تابع: ولكي تنعكس هذه الأوضاع الاقتصادية الإيجابية علي حياة المواطن البسيط ويشعر بتحسن في حياة اليومية لابد من القيام بإجراءات صارمة لضبط الأسواق وتطبيق قانون منع الاحتكار وحماية المنافسة ،وإجراء تعديلات تشريعية وضريبية داعمة ومحفزة للاستثمار المحلي والاجنبي، وتحقيق قدر من المرونة في سعر الصرف والفائدة بما يسهم في مكافحة الضغوط التضخمية في الاقتصاد وتسريع برنامج الطروحات الحكومية والمسند الي وكالة التمويل الدولية وتعزيز مساندة القطاع الخاص والإسراع في عملية مبادلة الديون باستثمارات إنتاجية صناعية وزراعية وليست ريعية او عقارية.
ولكي تؤتي هذه الإجراءات ثمارها - حسب د. رشدى - لابد من توافر الإرادة السياسية الداعمة لها وهذا مرهون بتوفر المؤسسات القوية الداعمة للإصلاح الاقتصادي والمتمثلة في مجلس النواب الجديد والحكومة الجديدة التي تقوم علي الكفاءات وبالتحديد في المجموعة الاقتصادية.
رقابة موحدة
يؤكد د. أدهم البرماوي استاذ الاقتصاد المساعد بمعهد كفر الشيخ للإدارة ان الأنظار تتجه الان نحو المجموعة الاقتصادية في التشكيل الوزاري الجديد كحاملة لراية الإنقاذ الوطني، وهو ما يفرض عليها تبني استراتيجية "الإصلاح المالي والمؤسسي الجذري" التي تبدأ بالاعتراف بأن الخروج من عنق الزجاجة يتطلب تنفيذاً فورياً وحازماً لمبدأ وحدة وشمولية الموازنة العامة للدولة، بحيث تخضع كافة التدفقات المالية للهيئات الاقتصادية والخدمية والصناديق والحسابات الخاصة لرقابة برلمانية ومؤسسية موحدة، بما ينهي حالة الازدواجية المالية ويسمح للدولة بحشد مواردها بكفاءة لتمويل الأولويات القومية.
قال أن هذا المسار التقني هو الضمانة الوحيدة للقدرة على السيطرة على الدين العام وكبح جماح نموه عبر وضع سقف ملزم للاقتراض بآليات قانونية لا يمكن تجاوزها، والعمل على خفض تكلفة خدمة الدين من خلال تحويل الالتزامات قصيرة الأجل إلى طويلة الأجل وتحسين الجدارة الائتمانية التي تجذب الاستثمار الأجنبي المباشر كبديل مستدام للقروض
وطالب د. البرماوي ان يرتكز دور المجموعة الاقتصادية على التنسيق الكامل مع السياسة النقدية لـ محاصرة معدلات التضخم التي تأكل ثمار التنمية، وذلك عبر أدوات نقدية مبتكرة تضمن استقرار القوة الشرائية للجنيه وتجفيف منابع السيولة غير الإنتاجية، مع ضرورة إطلاق يد القطاع الخاص عبر حوافز ضريبية وجمركية مرتبطة حصرياً بـ "القيمة المضافة" والتصدير، لضمان تحول الهيكل الاقتصادي من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي متنوع
وأوضح إن تلاحم هذه المسارات من حوكمة موازنة موحدة ودين مُسيطر عليه وتضخم منخفض، هو الذي سيخلق المساحة المالية الكافية لتعزيز الإنفاق على التعليم والصحة، وتطوير برامج حماية اجتماعية تعوض المواطن البسيط عن أعباء المرحلة، لينتقل أثر الإصلاح من شاشات المؤشرات الدولية إلى واقع ملموس في حياة المواطن اليومية، متمثلاً في أسعار مستقرة، وفرص عمل لائقة، وبيئة اقتصادية تنبؤية تحفز النمو وتدفع بالدولة نحو آفاق الريادة الإقليمية والدولية.
حماية القدرة الشرائية
يقول د. وليد الجبلى استاذ المحاسبة المساعد بكلية البنات القبطية بالعباسية أنه مع بدء فصل جديد تحت قيادة حكومية جديدة، فإن التحدي الذي يواجه الحكومة الجديدة هائل، أهمها إنقاذ اقتصاد يكافح تحت وطأة تضخم سنوي يقارب 36%، ونسبة دين خارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي تتجاوز 45%، وتضاؤل الاحتياطيات الأجنبية مع بقاء التضخم الأساسي مرتفعاً بشكل عنيد، مؤكدا ان العالم يراقب، هل ستنجح هذه الوزارة في تحقيق المعادلة المستحيلة بين إصلاحات صندوق النقد الدولي الصارمة وحماية القدرة الشرائية للمواطنين؟
طالب د. الجبلى بإصلاح ذا بعد إنساني، ويتفق المحللون الدوليون على ضرورة اتخاذ إجراءات جريئة لكن متدرجة، ويجب أن تكون الأولوية الأولى هي خفض التضخم إلى خانة واحدة، وهو ما يتطلب التزاماً قوياً بسياسة نقدية متشددة من البنك المركزي، والتركيز الثاني يجب أن ينصب على تحرير النمو الحقيقي من خلال تعزيز بيئة الأعمال لجذب استثمارات أجنبية مباشرة تتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً، بعيداً عن المزيد من الديون، النجاح مرهون بتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي باستهداف دقيق، ورفع كفاءة الإنفاق على الصحة والتعليم، التي تستحوذ على جزء كبير من الموازنة.
طالب د. الجبلى الحكومة بتجنب الإصلاحات المفاجئة والمؤلمة، مثل تحرير كامل وسريع لسعر الصرف أو إلغاء كل أشكال الدعم دفعة واحدة، والتي من شأنها أن تزيد من حدة الفقر الذي يؤثر بالفعل على حوالي 30% من السكان. بدلاً من ذلك، يجب أن يكون المسار تدريجياً وشفافاً، مع الحفاظ على ثقة الأسواق العالمية.
أضاف أن الاختبار الحقيقي لهذه الحكومة لن يكون في أرقام الموازنة فحسب، بل في مدى قدرتها على جعل المصري العادي يشعر بالتحسن في حياته اليومية، مؤكدا أن مستقبل الاستقرار الإقليمي قد يتوقف على هذه النتيجة.
إنقاذ الاقتصاد
يقول د. وليد عيد مدرس الاقتصاد بكلية التجارة جامعة أسيوط أنه مع إعلان تشكيل الحكومة الجديدة، يلح على ذهن المواطن سؤالًا جوهريًا، هل سيشهد الاقتصاد المصري تحولًا ملموسًا في دخله ومستوى معيشته، أم أننا سنظل نؤجل المشكلات الاقتصادية تحت شعارات الإصلاح؟
أضاف ان الواقع الاقتصادي يستدعي سياسات واضحة، قائمة على أولويات إنتاجية حقيقية، وتكامل بين الأدوات النقدية والمالية، لضمان استقرار الأسعار، القضاء على التضخم، وتعزيز النمو المستدام.
أوضح أن الأولوية القصوى هي إعادة توجيه هيكل الاقتصاد نحو القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة "الصناعة، الزراعة، والخدمات التصديرية" مع تمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة عبر التمويل الميسر وتبسيط الإجراءات. كما يتعين توجيه الإنفاق العام نحو التعليم، الصحة، والبنية التحتية الإنتاجية، لضمان استدامة النمو ورفع كفاءة رأس المال البشري، وخلق فرص عمل حقيقية للقضاء على البطالة.
لفت د. عيد إلى أن جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية يتطلب بيئة أعمال مستقرة، إطارًا تشريعيًا واضحًا، تكافؤ الفرص، وتقليل التدخل المباشر للدولة في الأنشطة التي يمكن للقطاع الخاص إدارتها بكفاءة.
حذر د. عيد من الاعتماد المفرط على الاقتراض أو تحميل المواطن أعباء الإصلاح دون شبكة حماية اجتماعية فعالة، مؤكدا ان الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يُقاس بقدرته على خلق فرص عمل، استقرار الأسعار، وضمان تحسن ملموس في مستوى المعيشة، ليشعر كل مواطن بتأثير السياسات الاقتصادية على حياته اليومية.
ضرورة مُلحة
طالب د. محمود الفرجانى مدرس الاقتصاد بمعهد المدينة العالى للادارة بتبني سياسات مالية ونقدية تكون صديقة للمواطن وليست صديقة للاقتصاد فقط، وبات الامر ضرورة مُلحة في ظل أوضاع معيشية صعبة يعيشها المواطن العادي من تدني مستويات الدخل بالتزامن مع معدلات تضخم مرتفعة إلي جانب استمرار زيادة معدلات البطالة و الفقر وزيادة اعباء الدين العام من الموازنة بما يحد من قدرة الحكومة علي تمويل برامج الانفاق الاجتماعي علي الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية مما يؤثر سلبيا علي شعور المواطن بأي نتائج ملموسة لتحسن المؤشرات الاقتصادية التدريجي الذي نجحت الحكومة الحالية في تحقيقها.
قال، ليس هناك ادني شك في أن رضا المواطن وتحقيق متطلباته الحياتية يمثل أولوية تفوق مؤشرات الأداء الاقتصادي فالمواطن لن يأكل مؤشرات علي حد تعبير الخبير الاقتصادي د.محمود محي الدين، والمطلوب من الحكومة القادمة التركيز على عدة محاور رئيسية لتحقيق ذلك.
أولها تعزيز الاستثمار المحلي والأجنبي من خلال تهيئة بيئة أعمال جاذبة وتقديم حوافز للمستثمرين، كما ستعمل الحكومة على تحسين كفاءة الإنفاق الحكومي وتوجيه الموارد المالية لدعم القطاعات الإنتاجية وخلق وظائف بمستويات اجور لائقة
ومن المحاور الأخرى، تحسين مستوى الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم والنقل، مما سيساهم في رفع مستوى جودة الحياة للمواطنين. كما ستعمل الحكومة على دعم الفئات الأكثر احتياجا من خلال برامج الحماية الاجتماعية.
توقع د. الفرجانى ان تسهم الإصلاحات الاقتصادية في جذب الاستثمارات وتحفيز النمو الاقتصادي، مما سينعكس إيجابا على مستوى معيشة المواطن المصري. وستعمل الحكومة على تنفيذ رؤية شاملة لتحقيق التنمية المستدامة وتحسين مستوى المعيشة للجميع.
تصحيح المسار
يقول الباحث الاقتصادى أحمد السيد حسن اننا نترقب ان يقود الفريق الوزاري الاقتصادي مرحلة اصلاح حقيقية تصحح مسار الاقتصاد المصري وتنعكس نتائجها مباشرة على حياة المواطنين.
أضاف أن مؤشرات الاقتصاد تشير إلى تحسن معقول، حيث وصل معدل النمو الى نحو 4.7 % وانخفض التضخم الى مستويات تخفف العبء اليومي على الاسر، ومع ذلك يبقى التحدي في تحويل هذه المؤشرات الى شعور ملموس بالتحسن، ما يستلزم افكارا مبتكرة.
طالب د. حسن بربط الدعم المالي بمشاريع تنموية محلية تمول برامج انتاجية صغيرة تزيد دخل الاسر مباشرة، وعلاوة على ذلك، طرح سندات استثمار صغيرة تمكن المواطنين من المشاركة في مشاريع الدولة لتشعر كل أسرة بانها جزء من النمو.
كما يمكن انشاء منصات تفاعلية لتنبيه المواطنين فوريا بأسعار السلع الاساسية مع مقارنات بين الاسواق لمكافحة الغلاء، وتشجيع شراكات القطاع الخاص لتمويل التعليم والصحة، واستثمار الطاقة الشمسية لتخفيض فواتير المدارس والمستشفيات واعادة الفائض للاستثمار المحلي، وبذلك يتحول الاصلاح الاقتصادي من ارقام على الورق الى واقع ملموس يشعر به المواطن يوميا في جيبه ومنزله ومستقبله.
اترك تعليق