"قبلة الرئيس السيسي على جبين والدي اعترافا وتقديرا لما قدمه من تضحيات في أصعب الفترات التي مرت بها مصر وهي وساما على صدري أعتز به ودائما أمشي مرفوع الرأس " هذه كلمات "ياسين " نجل الشهيد البطل العميد ساطع نعماني والذي رقي شرفيا إلى رتبة لواء بعد استشهاده بسبب قنصه بالرصاص المحرم دوليا من قبل عناصر الإخوان في محيط منطقة بين السريات بعد خطاب الرئيس المعزول عام 2013 .. فلا تزال جرائم الجماعة الإرهابية شاهدة على وحشيتهم ، فواحدة منها قنص العميد ساطع النعماني نائب مأمور قسم شرطة بولاق الدكرور برصاص محرم دوليا في عينيه يوم خطاب المعزول ،
الدكتورة شرين العزازى رفيقة الدرب لزوجها الشهيد جلست تحكى بكل الفخر والحب فقالت : " ساطع " هو الانسان الطيب الخلوق ، العاشق لوطنه ، كنت زوجة مدللة، وأشعر بأني أبنته من فرط حنانه وخوفه علي ، نعم كان راجل شرقى لكن عاطفته الجياشة تكفي الكون كله ، رُزقنا بـ" ياسين" بعد خمس سنين من الصبر، كنت في أشد الأستغراب من ملامح " ساطع" لما عرف أن الله سيهب لنا طفلا بعد كل هذه السنوات ، ولما ولد " يـاسين " كان يشعر أن روحه تسير على الأرض ، فـ" ياسين" بالنسبة لـ"ساطع" ، فعلا قرة عين وفلذة كبد، لما قلت لـ" ياسين" ربنا اختار إنه يخلى بابى يرتاح، قالى أنا خلاص الفرح راح من حياتى " ... وتابعت أرملة الشهيد: "ساطع " كان مؤمن إن اللى ربنا عايزه هيكون، بعد الخطاب الشهير للمعزول مرسى، جاءت الأوامر بالتحرك ومن غير أى دعم للأسف، ناس كتير رفضت تتحرك من غير الدعم ده، لكن ساطع حس أنه لازم يحمى الناس دى بأى طريقة رغم إنهم ماكانوش فى دايرته اتحرك وجرى بملابسه الميري، وابتدى يبعد المدنيين عن مكان الضرب هو والمجند اللى معاه ويبعدهم عن مرمى الرصاص ويرجع الأطفال، وفجأة حس إن فى طوبة خبطت وشه، ومعرفش إنها رصاصة غادرة محرمة دوليًاأفقدته حبيبتيه، قلبت حياته رأسا على عقب فدخل فى غيبوبة لمدة شهرين، أجهزة الجسم توقفت عن العمل نتيجة النزيف الشديد، رحلة طويلة وصعبة عشناها سوا مع ابننا ياسين فى العلاج وساطع لم يفقد ثقته بالله أو ببلده، ولمارجع شغله وحظى بتكريمات كثيرة من وزارته اللى اعتبرها بيته الثانى ومن السيد الرئيس اللى اعتبره الأب، وكمل "ساطع " الصامد المؤمن الحامد مسيرته بكل إصرار رغم آلامه، كان هو مصدر القوة لأهالى ومصابى الشرطة فى مكان عمله الجديد، مش عارفين نكون عيلة من غيره واحشنا قوي ، والدنيا وحشة من غيره... ووصلت د . شرين : لم يعلم كم يعاني أفراد وضباط الشرطة إلا من عاش معهم وعانى معهم ، وأرجو أن يكون المصريين قد علموا كم بذل رجال الشرطة من تضحيات ودماء من أجل الأمن والأمان بعد ما عشناه جميعا من أيام عجاف في أعقاب 2011 ، وكل بيت في مصر داخله بطل ومصاب وشهيد تعب وعانى لأجل نحيا هذه اللحظات الأن ، وكم عرفنا قيمة الشرطة المصرية وقت كان يهب المواطنون لحماية ذويهم وأسرهم في اللجان الشعبية وقت ساد الخوف والرعب من الأحداث أنذاك ، والأن نحيا في طمأنينة تامة وبينما نسافر وننتنقل في أيامنا العادية وفي أعيادنا والمناسبات يلهو أطفالنا في أمان واستقرار، ندرك أن هذا المشهد لم يكن ليتحقق لولا تلك الجهود والتضحيات التي بذلت وأرواح أبطالنا التي دفعوها ثمنا بعد أن تجرع هؤلاء الأبطال مرارة التعب وعانوا من قسوة التحديات، في سبيل أن تنعم البلاد بالأمن والاستقرار، ولنحيا نحن جميعاً في طمأنينةٍ وأمان
أشارت : في يوم تخرج دفعة الشرطة 2015 ألقى"ساطع " كلمة أمام الرئيس السيسي ، وأهداه القلادة التي كانت تحمل دماء إصابته ، قائلاً له : 'هذه من مواطن يحب مصر، إلى رئيس يعشق تراب مصر'.".... وفي رسالة مؤثرة لـ ياسين نجل الشهيد ساطع نعماني لروح والده ، فقد وجه له رسالة شكر وعرفان مؤكداً أنه لولا بطولته وتضحياته هو ورفاقه في حماية مصر، لما استطاع هو وأبناء جيله العيش في هذا الأمان ، واعتبر "ياسين" أن والده لم يحمِ أسرته فحسب، بل كان درعاً لمصر وأهلها واعتبر قبلة الرئيس السيسي على جبين والده اعترافا وتقدير ببطولته ولما قدمه من تضحيات في أصعب الفترات التي مرت بها مصر وهي وساما يعتز به ودائما يمشي مرفوع الرأس حاملا على صدره سيرة عطرة لوالده البطل الذي كان نموذجا مشرفا للضابط المصري الذي حمى الأرض ودافع عن أروح المواطنين من غدر وهجمات الجماعة الإرهابية وفداهم بروحه وتلقى عنهم الرصاص المحرم دوليا وكان سببا في أن يرتقي في النهاية شهيدا إلى جوار ربه .
بين جدران منزل تفوح منه رائحة البطولة والفخر ، وتزينه صور لبطل لم يغب طالما ظلت ذكراه حية، تجلس السيدة "هند زردق"؛ ليست مجرد أرملة، بل حارسة لعهدٍ كتبه زوجها العقيد محمد عيد عبد السلام بدمائه منذ استشهاده في 22 فبراير 2014 على يد ملثمين إرهابيين أسفل منزله ، و حين تتحدث عنه لا يغالبها الدمع بقدر ما يغلبها الشموخ، فلقب "صائد الجماعات الإرهابية" ليس مجرد صفة وظيفية، بل هو وسام شرف تعلقه على صدر تاريخ عائلتها. ... قالت :كان محمد يرى الوطن ليس مجرد أرض، بل نبض يسري في عروقه "نموت نموت وتحيا مصر الأبية".. لم تكن هذه الكلمات شعاراً يردده في المحافل، بل كانت صلاته اليومية ويقينه الذي زرعه في قلوب أبنائنا وتكرر : "لولا صدق نواياهم، ما اختارهم الله لهذه المنزلة، فالشهادة كرامة لا ينالها إلا المخلصون" ..و تابعت : رحل البطل، لكن مشواره لم يتوقف؛ فابنه "عيد" لم يرتدِ بدلة الشرطة صدفة، بل دخل الكلية ليحمل لواء والده، ليكون الامتداد الحي لرسالة "الأمن الوطني"، وإلى جانبه إخوته "فرح" الصيدلانية، و"نور" و"أحمد"، الذين ينمون في ظلال سيرة والدهم العطرة. .... تروي السيدة" هند" ملامح البطولة التي جعلت من زوجها "كابوساً" للإرهاب في ذروة الأحداث وتحديداً في محافظة الشرقية، كان العقيد محمد هو العين الساهرة التي لا تنام هو من تتبع خيوط الظلام وأسقط رؤوس الإرهاب واحداً تلو الآخر؛ من "عادل حبارة" إلى "محمد هارون"، ومن ملاحقة قيادات مكتب الإرشاد الهاربين إلى تفكيك "كتائب الفرقان" و"أنصار بيت المقدس" ، كان يدرك أن خطواته مرصودة، وأن الخلايا الإلكترونية تنشر صورته كهدف، لكنه كان يمضي قدماً بقلب لا يعرف الخوف، مجهضاً مخططات التخريب التي كانت تستهدف تمزيق جسد الوطن بعد ثورة 30 يونيو ، تتذكر السيدة "هند" يوم 22 فبراير 2014 وكأنه بالأمس: عاد محمد من عمله بملامح غريبة، وجهه يفيض بنورٍ غير معتاد وسعادة غامرة لم تجد لها تفسيراً، سألته بفضول الزوجة: "هل هناك أخبار سعيدة؟"، فأجابها بابتسامة غامضة: "أنا سعيد ومبسوط وقلبي فرحان قوي من غير أسباب.. نموت نموت وتحيا مصر"... لم يمضِ وقت طويل حتى استعد للخروج مرة أخرى، وما هي إلا لحظات، حتى دوت صرخات الرصاص تحت نافذتها هرعت إلى الشرفة لتجد الفزع في عيون المارة، والصدمة التي جمدت الدماء في العروق؛ لقد طالته يد الغدر برصاصات ملثمين أمام منزله، لتستقر في صدره الذي لم يحمل إلا حب مصر ، اليوم وفي ذكرى عيد الشرطة، لا تجد رفيقة دربه كلمات أبلغ من تلك التي علّمها إياهم: "نموت نموت وتحيا مصر". رحل "صائد الإرهاب" جسداً، وبقي عقيدةً تتوارثها الأجيال، ودرساً في الانتماء يقول إن الأوطان لا تُبنى إلا بدم الصادقين.
في سجلات بطولات شهداء الشرطة ، قصص لا تُمحى بمرور الزمن، وحكايات لأبطال لم يكتفوا بالذود عن تراب الوطن بدمائهم، بل سطروا بمداد من نور معاني الإنسانية قبل رحيلهم من بين هؤلاء، الرائد الشهيد أحمد حجازي، "أيقونة الشيخ زويد" وشهيد تفجير رفح، الذي تحولت وصيته إلى دستور للعطاء، وكلمات والدته إلى وسام على صدر كل مصري في عيد الشرطة "لولاك ما عشنا مطمئنين"...فخلف جدران منزلٍ هادئ، يسكنه صمتٌ مهيب منذ أكثر من 12عاما، تجلس أمٌّ يكسو الحزن ملامحها وتكسو العزةُ كلماتها ورغم مرور الأعوام لا تزال السيدة "حبيبة أحمد"، والدة الشهيد، تعيش تفاصيل يوم 2 سبتمبر 2014 وكأنه الأمس ، لم تكن كل هذه السنوات كافية لإطفاء لهيب الشوق لنجلها البكري، وفلذة كبدها الذي رحل في ريعان شبابه ، في ذكرى عيد الشرطة، التي تتجدد فيها أحزان وأفراح أسر الشهداء، وجهت الأم الصابرة رسالة تقطر حنيناً وفخراً لروح نجلها، قائلة بكلمات تهتز لها القلوب:"في عيد الشرطة نحتفل بالأبطال وأنت منهم بطل.. لولاك ما عشنا مطمئنين ولا ارتفعت راية الوطن.. لولاك ما دُحر الإرهاب وأصبحت مصر مقبرته ودُفن". .. وتضيف الأم، واصفة مرارة الفقد التي لا تبرد: "اشتقت إليك يا قطعة من القلب ويا حبة العين.. الوقت يمر والأعوام تنقضي وحنيني إليك يؤلمني.... لم يكن الرائد أحمد حجازي مجرد ضابط يؤدي واجبه نحو الوطن في أصعب فتراته فقط ، بل كان إنساناً بلغ من الشفافية الروحية ما جعله يكتب وصيته وهو يستشعر قرب اللقاء بالله عُثر في طيات أوراقه على وصية نادرة، كشفت عن معدن هذا البطل، حيث وزع تركه الدنيوية على أعمال الخير. .. جاء في نص وصيته المؤثرة التي يقرؤها الجميع بدموع الفخر: "يا أهل بيتي الأعزاء، اصبروا فإني أحب لقاء الله وأحسن الظن به، ولقنوني كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) برفق وهدوء حتى تكون آخر كلمة ألقى بها ربي". .. ولم يكتفِ بالجانب الروحي، بل حدد مصارف تركته بدقة متناهية، قائلاً "أوصي بثلث تركتي لمستشفى سرطان الأطفال 57357".. "أوصي بالتبرع بأي عضو من أعضاء جسدي لأي مريض أو محتاج"."أوصي بتوزيع ملابسي وأدواتي على المحتاجين"."أوصي بتخصيص جزء من مالي لعمل سبيل كصدقة جارية على روحي".واختتم وصيته بطلب بسيط وعظيم في آن واحد: "أوصي كل من يعرفني أن يدعو لي بالرحمة".
يوم استشهاد البطل كان يوم الثاني من سبتمبر عام 2014 موعداً مع القدر في شمال سيناء، حيث طالت يد الغدر الإرهابية موكب الأبطال بعبوة ناسفة في منطقة رفح والشيخ زويد ، ارتقت روح الشهيد أحمد حجازي إلى بارئها، تاركاً خلفه إرثاً من الشجاعة، ووصية تُدرس في مدارس الإنسانية ، فقصة بطولته ليست مجرد نعي لضابط شرطة، بل هي وثيقة تاريخية تؤكد أن هؤلاء الأبطال كانوا يحملون الخير لمصر في قلوبهم قبل أن يحملوه في سلاحهم، وأن دماءهم هي التي روت شجرة الأمن التي يستظل بها المصريون اليوم فسلامٌ على روح الشهيد أحمد حجازي، وسلامٌ على قلب أمه الصابر، وسلامٌ على كل شهيد مهد بدمه طريق الأمان لهذا الوطن.
"طارق عاش بطلاً ومات بطلاً .. كنت أظن أنني سأكسر بعده ... لكن عندما رأيت جنازته والناس تهتف باسمه شعرت أن طارق لم يمت ... بل ولد من جديد في قلب كل مصري " بهذه الكلمات بدأ اللواء جميل محروس يحكي لـ "المساء "قصة بطولة الشهيد الرائد طارق جميل محروس ضابط قوات مكافحة الإرهاب والمهام الخاصة والذي لقى ربه في مأمورية لمداهمة وكر 6 من أخطر العناصر الإجرامية بمحافظة أسيوط عام 2023 .
اليوم، يجلس اللواء جميل يحمل نجل الشهيد" سيف" الذي لم يتم سوى الأربعة شهور وقت استشهاد والده يحمله بين يديه ، و هو يقلب صور الشهيد ، يلمس أوسمته وملابسه، ويقول للحفيد ولكل من يواسيه: "الشهادة ليست موتاً، بل هي حياة أبدية طارق لم يغب، هو موجود في كل ذرة تراب دافع عنها، وفي كل صلاة نرفعها له أنا لست حزيناً، أنا أبو الشهيد، وهذا شرف ألقى به الله ، طارق لم مجرد اسم في شهادة ميلاد، بل كان "فرحة العمر" التي جاءت لتمسح تعب السنين منذ نعومة أظفاره فكان الابن الوجيد على اختين ، كان طارق طفلاً مختلفاً؛ لم تستهوه الألعاب بقدر ما استهواه مرافقتي في كل شيء ودأب على مراقبة الرجال وهم يتحدثون، فحمل المسؤولية قبل أوانه ...وعن حلم الطفولة يقول كان طارق يقف أمام المرآة وهو طفل صغيراً، يقلد تحية العلم، وعيناه تلمعان ببريق خاص وعندما كبر ودخل الخدمة، كان يعود في إجازاته ليحكي لوالده عن "رفاق السلاح" وعن الأمانة التي يحملونها على أكتافهم. ... وبقلب أب صابر، اختلطت داخله لوعة الفراق وفخر الانتماء قال :في فجر يوم سفره الأخير، استيقظ طارق وجلس بجواري وشربنا القهوة معاً في صمت ، وقلت له "خلي بالك من نفسك يا بني" رد طارق وهو يحتضني بقوة غير معتادة : "ادعي لي بالشهادة يا بابا ، مفيش أغلى منها". ...وتابع : طارق كان "سند الدار" وابتسامته كانت النور فيه ، ملامحه كانت هادئة والشهامة سبقت سنه بسنوات؛ فمنذ صغره، كان يحمل قلباً لا يعرف الخوف، ويداً تمتد دائماً لمساعدة كل محتاج ، فضل كلية الشرطة على الهندسة ، التحق بالقوات الخاصة لمكافحة الإرهاب في أسيوط " مكنتش أعرف انه قوات خاصة مكافحة إرهاب غير بعد استشهاده" فرحل من حضن الأب إلى ذمة الوطن ونال من الله ما تمنى . ... واستكمل والدموع لازالت تفيض على وجهه : طارق مواليد 13 أغسطس 1996، تزوج قبل استشهاده بشهور وأراد الله أن يخلد ذكراه بولد تركه في عمر أيام .. طارق ظل يجتهد حتى بعد التخرج من كلية الشرطة وحصل على دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص ودبلوم الدراسات العليا في القانون العام من جامعة أسيوط بتاريخ نوفمبر 2020... واستحضر الأب مشهد الوداع الأخير بدموع يحاول حبسها خلف كبرياء الصبر ليقول "كان يودعني وكأنه يعلم أن اللقاء القادم لن يكون في الدنيا عانقني طويلاً، وقبل يدي، وقال لي بصوته الهادئ: (ادعي لي يا بويا، مصر غالية علينا)." ... لم تكن الكلمات مجرد عبارة عابرة، بل كانت عهداً قطعه طارق على نفسه غادر البيت بزيه الميري الذي كان يراه تاجاً فوق رأسه، تاركاً خلفه أماً تدعو له في كل صلاة، وأباً يراقب الطريق بانتظار عودته ورضيعا صغيرا عمره بضعة شهور ...وجاء اليوم الذي توقف فيه الزمن و نال طارق ما تمنى؛ استشهد وهو يلاحق أخطر العناصر الإجرامية مقبلاً غير مدبر ، و حين وصل الخبر للأب، لم تكن الصرخة هي الرد، بل كانت سجدة شكر ودمعة حارة .. ليختم بقول : رحل الشهيد الرائد طارق جميل محروس جسداً، وبقي قصة تُحكى للأجيال معنى التضحية، وعن أب علّم ابنه أن الوطن أغلى من الروح، فاستحق كلاهما أن يُخلدا في ذاكرة القلوب.
في ١٦ سبتمبر، كانت تدق أجراس الفرح في منزل ضابط الشرطة "عماد الركايبي"، التاريخ الذي شهد خطبته عام 2002 وزفافه عام 2004 ، ولم يكن يعلم هذا الضابط الشاب أن القدر يخبئ له موعداً آخر مع الخلود في جنات عرضها السموات والأرض ، قصة حب بدأت على مقاعد التخرج إلى ملحمة صمود ترويها زوجة صابرة لأبناءٍ لم يشبعوا من حنان أبيهم.
تروي رفيقة دربه السيدة " مشيرة داوود" اللحظات القاسية التي لا تغادر مخيلتها : " حين أتحدث عن" عماد "الزوج والسند، لم أتخيل أبداً أنني كنت سأتحدث عنه بصيغة الغائب، وأنه سيكون "شهيداً" يوم استسهادة كان يحدثني عبر الهاتف، صوته كان هادئاً كعادته، وفجأة.. دوي صوت انفجار، وانقطع الاتصال"، ساد صمتٌ قاتل خلف سماعة الهاتف، صمتٌ قطعته شاشات التلفزيون لاحقاً بخبرٍ زلزل الأركان؛ لقد ترجل الفارس وأصابته انفجارات العبوات الناسفة وسط الكنيسة التي وقف على بوابتها لحماية المحتفلين بعيدهم ... كان الرائد عماد الركايبي يقف حائلاً بين الموت والأبرياء، مؤمناً كنيسة المرقسية بالإسكندرية في ذلك اليوم المشهود من عام 2017 لم يكن مجرد ضابط يؤدي واجباً، بل كان "عاشقاً لعمله" كما تصفه زوجته، يقضي الليالي في تأمين الموانئ والمواقع الحيوية، ساعياً لتطوير نفسه ومجتمعه، حتى صار صدره درعاً حامياً لبلاده ... رحل الضابط البطل "عماد الركايبي" وترك خلفه ثلاثة زهور: ملك، ويوسف، وياسين رحل قبل أن يرى أحلامهم تكبر، لكنه ظل حاضراً في تفاصيلهم تقول الزوجة بلهجة يملؤها الإيمان: "سبحان الله، أرى حركاته وتفاصيله في ابني ياسين، وكأن الله أراد أن يترك لي منه قبساً لا ينطفئ"...انتظر كل مناسبة من أجل الحديث عن بطولته أحمد الله أننا على الدرب ونسير على نهجه وكلما اقترب" يوسف" الابن الأكبر من مرحلة التقدم لاختبارات أكاديمية الشرطة لتحقيق حلمه وإكمال مسيرة وولده أشعر بالسعادة لاختياره نفس الدرب ، وكما جمع الرئيس السيسي بقلب الأب أبناء الشهيد وهم صغار أتمنى أن يراهم ويسعد بهم وهم كبار .
ورغم مرارة الفقد التي وصفتها بقولها "توقفت حياتنا وانتهت"، إلا أن معدن المرأة المصرية الأصيلة ظهر في الشدائد لم تستسلم للانكسار، بل قررت أن تستكمل الرحلة برأس مرفوعة، قائلةً: "نحن صامدون، ومستمرون، ولن نضعف أبناؤك اليوم كبروا، ولم يعد هناك خوفٌ عليهم، فقد زرعت فيهم بطولتك قبل رحيلك" .. وتختتم الزوجة رسالتها التي تقطر وفاءً: "سأظل أحكي لهم عن بطولاتك، وعن حبك لعملك، وسيكونون بإذن الله من أفضل الناس كما تمنيت" هي ليست مجرد قصة رحيل، بل هي ترنيمة حب وطنية بدأت بـ "دبلة خطوبة" وانتهت بـ "وسام شهادة"، وبين السطرين حياةٌ من الشرف لا يمحوها الزمن .
نجا قبلها بأشهر من محاولة قتل .. و لم يتراجع أو يطلب نقلاً لمكان آمن
في بيوت الأبطال، لا تقاس الأعمار بالسنين، بل بلحظات الثبات وفي منزل الدكتور محمود سيف الدين بمحافظة بورسعيد ، توقف عقرب الساعة منذ إثنى عشرا عاما عند الثالثة وخمس دقائق عصراً، اللحظة التي تحول فيها الرائد "فادي"، الابن الوحيد ، من ضابط شرطة يحمي الأرض ويصون العرض إلى روحا ترفرف في السماء لتحيا عند ربها مع الشهداء ... في يوم استشهاده 11فبراير 2014 لم يكن مقدراً للرائد فادي سيف الدين أن يكون في الشارع ذلك اليوم، لكنها "الشهامة" التي كانت تجري في دمه ، هاتفٌ من زميل يمر بظرف إنساني كان كافياً ليترك فادي راحته وينزل الميدان بدلاً منه، فصلى العصر وفي قلبه طمأنينة المودع، هاتف والدته السيدة "ثريا": "يا أمي.. أنا نزلت الشغل". .. تقول الأم والدموع تسبق كلماتها: "كانت الساعة الثالثة تماماً.. لم أكن أعلم أنها مكالمة الوداع خمس دقائق فقط كانت تفصل بين صوته في أذني، وبين رصاصات الغدر التي سكنت قلبه في قلب شارع محمد علي برصاص ملثمين اغتالت روحه الطاهره في لحظات ، خمسة دقائق حولت فرحتي الوحيدة إلى وجع لا ينتهي" ، تروي الأم كيف أن "فادي" كان مشروع شهيد منذ زمن؛ فقد نجا قبلها بأشهر من محاولة اغتيال آثمة، لكنه لم يتراجع أو يطلب نقلاً لمكان آمن ، كان يلقب بـ "أسد الميدان"، ليس فقط لشجاعته كمدير لمكتب حكمدار بورسعيد أو ضابط بمرورها، بل لأنه كان "ملاكاً" يقضي حوائج الناس، لا يغلق بابه في وجه صاحب حاجة، حتى باتت سيرته تتردد في كل أزقة المدينة الباسلة. .. خلف رحيل فادي مشهد تدمى له القلوب؛ أبٌ هوى مغشياً عليه لم ينطق بكلمة من هول صدمة فقدان "سنده الوحيد"، وزوجة وجدت نفسها أمام مسؤولية طفلين: "نورهان" التي كانت في الخامسة، و"أحمد" الذي لم يتجاوز العام الواحد.. أطفالٌ كبروا وهم يقبلون صورة أبيهم في "برواز"، ويفخرون بأنه بطل لم يترك سلاحه حتى النفس الأخير. .. رغم تكريم المحافظ السابق وإطلاق اسمه على شارع المرور، إلا أن غصة في قلب الأم لا تزال قائمة تناشد السيدة ثريا، بلسان كل أم شهيد، السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في يوم عيد الشرطة:
"فادي كان وحيدي، وقرة عيني، واحتسبته عند الله فداءً للوطن أمنيتي الوحيدة أن يخلد اسمه على ميدان رئيسي في بورسعيد، كما وعدوني، وكما يليق بضابط قدم روحه بدلاً من زميله ليحمي بلده أريد أن يرى أحفادي اسم والدهم عالياً في الميادين، ليعرفوا أن تضحية والدهم لم تُنسَ" ستبقى قصة الرائد فادي سيف الدين تذكيراً دائماً بأن ثمن الأمن الذي نعيشه دُفع من دماء شباب كانوا "الفرحة الوحيدة" لأمهاتهم، لكنهم أصروا أن يكونوا "الفخر الدائم" لوطنهم.
اترك تعليق