بمشاعر الفخر الممزوجة بألم الفقد ، يروي السيد حافظ والد الشهيد الملازم أول "أحمد حافظ شوشة" تفاصيل حياة ابنه، ذلك الشاب الذي اختار طريق التضحية منذ نعومة أظفاره، ليختم حياته القصيرة بملحمة بطولية في صحراء الواحات تصدى فيها و 16 شهيد من أبطال الشرطة لهجوم تنظيم داعش الإرهابي حتى أخر نفس ، تاركاً خلفه سيرة عطرة تتناقلها الأجيال ...
ولد الشهيد يقول بقلب يقطر دما على نجله الوحيد : أحمد ولِدَ في الخامس من سبتمبر 1995، وكأي شاب مصري، كان يحمل في قلبه حلم الانضمام إلى صفوف حماة الوطن تحققت الخطوة الأولى بقبوله في كل من الكلية الحربية وكلية الشرطة في آن واحد، لكنه اختار الشرطة عن قناعة تامة، مبرراً ذلك برغبته في خدمة الناس من "داخل قلب مصر"، مفضلاً التواجد وسط المواطنين على الخدمة الحدودية ... تابع :تميز أحمد خلال دراسته، وتخرج متفوقاً ليلتحق بقطاع الأمن المركزي، ونظراً للياقته البدنية العالية ومهاراته القتالية، تم اختياره للانضمام إلى العمليات الخاصة ، خضع لتدريبات شاقة، منها دورة "الصاعقة" التي حصل فيها على المركز الأول متفوقاً على 300 ضابط من زملائه ، خلف البدلة الميري ، كان هناك قلب ينبض بالخير ، يروي والده أن أحمد كان محبوباً من الجميع، لا يتعامل بصلف وظيفته، بل بتواضع جعل حراس العقارات والمارة يعرفونه بالاسم والمفاجأة التي اكتشفها الأب بعد استشهاده هي أن أحمد الذي لم يتجاوز عمره الثالثة والعشرين كان يخصص نصف راتبه لكفالة الأيتام ، تخرج أحمد في 20 يوليو 2016، واستشهد في 20 أكتوبر 2017، أي أن مسيرته المهنية لم تتجاوز عاماً وثلاثة أشهر وقبل استشهاده بفترة وجيزة، حصل على إجازة لمدة عشرة أيام، استغلها لزيارة كل أفراد العائلة، من أعمام وأخوال، وكأنه يودعهم الوداع الأخير قال لشقيقته الكبرى حين كان يتناول في بيتها الفطار في شهر رمضان وهي تطلب منه أن يأخذ باله من نفسه ، قال لها إدعي لي أموت شهيد أصل مش أي حد ينول الشهادة .... استكمل والد الشهيد : في معركة الواحات البحرية، كما روت العساكر الناجية تجلت شجاعة أحمد شوشة بأبهى صورها استشهد 16 ضابطاً، وتبقى أحمد وزميله الضابط عمرو صلاح يقاتلان الإرهابيين حتى الرمق الأخير ، بعد استشهاد عمرو صلاح، ظل أحمد يقاتل بمفرده حتى نفذت ذخيرته تماماً ، وعندما عثروا على جثمانه، كان المشهد مهيباً ومؤثراً؛ وجدوه يرتدي ملابسه الداخلية فقط من الجزء العلوي. والسبب في ذلك أنه قام بتمزيق زيه الميري واستخدمه كضمادات لربط جراح جنوده المصابين في المعركة ، رفض أحمد الانسحاب أو ترك جنوده ينزفون، وآثر البقاء معهم مدافعاً ومطبباً لجراحهم حتى نال الشهادة، وعندما استفزه الإرهابيون قبل قتله واصفين الضباط بـ "الجبناء" فرد عليهم بشجاعة الأسود مؤكداً أنهم هم الجبناء ، في حفل تكريم الشهداء، وقف والد أحمد أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي بموقف الثابت المحتسب قال للرئيس: "أنا أعرف ما فعله أحمد، وأعرف ما لا تعرفه أنت عنه في المعركة " وأكد الأب للرئيس وللجميع أنه لو كان لديه عشرة أبناء، لكان مستعداً للتضحية بهم جميعاً فداءً لتراب مصر ، يختتم الأب حديثه برسالة شوق لابنه قائلاً: "وحشتني يا أحمد"، مؤكداً أن عزاءه الوحيد هو يقينه بأن ابنه حي عند ربه يرزق، وأنه دفع حياته ثمناً لأمن هذا البلد، متمنياً أن يحافظ الجميع على مصر التي رويت بدماء هؤلاء الأبطال.
واحدة من أكثر قصص التضحية والبطولة إيلاماً وفخراً في سجلات الشرطة المصرية لم يكن مجرد ضابط يؤدي عمله، بل كان ابناً باراً دعا ربه بالشهادة أمام الكعبة ونالها صامداً في وجه قذائف الأربيجيه . .. في يوم 14 أغسطس 2013، بالتزامن مع أحداث فض اعتصامي "رابعة والعدوية والنهضة" شنت مجموعات إرهابية مسلحة بالألي والأربيجه هجوماً غادراً على مركز شرطة كرداسة للانتقام من رجال الشرطة ... كان النقيب هشام شتا، الملقب بـ "زينة الشباب"، في نوبة عمله (نبطجية) داخل القسم ومع بدء عملية الفض، تجمعت العناصر الإرهابية حول مركز الشرطة مستخدمين أسلحة ثقيلة وقذائف "آر بي جي" حاصروا مركز الشرطة وبداخله رجال أبوا أن يتركوه إلا على جثثهم وثبتوا كالأسود للدفاع عنه حتى النهاية ، رفض النقيب هشام وزملاؤه الاستسلام أو ترك مواقعهم يروي والده بحسرة وفخر أن ابنه وقف صامداً وقال عبارته الشهيرة: "على جثتي أن يدخلوا القسم" ، ومع شدة الهجوم الغادر واجه الضباط وابلاً من الرصاص والقذائف وبعد نفاد الذخيرة واقتحام المركز، تعرض هشام ورفاقه لعمليات تنكيل وحشية جسدت خسة المعتدين، حتى ارتقى شهيداً مدافعاً عن هيبة طنه... جلست والدة الشهيد، السيدة "إكرام"،تروي مشاعر مختلطة بين الفقد والرضا، كاشفة عن تفاصيل الساعات الأخيرة فقالت عن الاتصال الأخير: في تمام الساعة الخامسة فجراً يوم الواقعة، اتصل هشام بوالده قائلاً: "ادعي لنا يا بابا.. الفض النهاردة" ظللنا على تواصل معه طوال اليوم وهو يطمئنا رغم أصوات الرصاص المحيطة به، حتى انقطع الاتصال وظهرت صورته على شاشات التلفزيون معلنةً الرحيل.... وعن أمنية الشهادة تروي الأم أن هشام وقف يوماً أمام الكعبة المشرفة وتضرع إلى الله بدعوة محددة: "يا رب احفظ مصر.. يا رب أموت شهيد". وتقول: "ربنا استجاب لدعوته واختاره، وحفظ مصر بالرئيس السيسي الذي لا ينسانا أبداً" ... وأما عن وجع الفقد فقالت : "بعد هشام حياتي أنا ووالده انتهت.. كان نفسي أفرح بيه وأجوزه وأشيل عياله"، هكذا تصف الأم مرارة الحرمان من ابنها الذي كان يمثل لها الدنيا وما فيها. .. رحل النقيب هشام شتا تاركاً خلفه سيرة عطرة ودرساً في الصمود ورغم محاولات الإرهاب كسر هيبة الدولة، إلا أن دماء هشام ورفاقه كانت الوقود الذي حفظ أمن واستقرار مصر.
في مشهد إنساني مؤثرة، استعاد" السيد " شقيق الشهيد المجند "محمد بخيت " أحد شهداءكمين بطل 14 تفاصيل مكالمتهما الأخيرة التي سبقت استشهاده في يوم "وقفة عيد الفطر 2019 " قبل موعد الإفطار ، وقال شقيق الشهيد كنت أمازح محمداً قبل استشهاده معبراً له عن خوفي عليه وقولت له نصا : "لو حصل حاجة يا محمد متبقاش في الوش"، ليرد علي بابتسامة وهدوء وكلمة واحدة هي " حاضر " في ظاهرها تليية طلبي وظاهرها استحالة أن أكون جبان .. وبعدها اتفقا على قضاء إجازة العيد معاً في مرسى مطروح، لكن القدر كان أسرع . .. الشهيد المجند" محمد بخيت " هو أصغر إخوته الستة، والذي طالته يد الإرهاب في صبيحة يوم العيد أثناء تصديه وباقي المجموعة وقائدهم النقيب الشهيد عمر القاضي لعناصر تكفيرية هاجمت الكمين بطل 14 ، بدأت حكاية البطل بحدسٍ عائلي صادق انتاب شقيقه الأكبر منذ الصباح، وهو يتابع أخبار الهجمات الإرهابية عبر القنوات الإخبارية، ليقرر قطع الشك باليقين بالاتصال هاتفياً بقائد كتيبة شقيقه وبنبرات يملؤها الحزن، أكد القائد الخبر أثناء مراجعته لكشوف الشهداء الواردة من العريش قائلاً: "البقاء لله"، و هنا يروي شقيقة " السيد " اللحظات المؤثرة التي رافقت تشييع جثمانه في صعيد مصر، حيث بدأت المراسم بجنازة عسكرية مهيبة في محافظة سوهاج ضمت ثلاثة من الشهداء معه قبل نقلهم إلى مساقط رؤوسهم حيث يرو بذهول كيف تحول الطقس بشكل مفاجئ وغير معتاد من حرارة الصيف الشديدة التي كانت تذيب الأسفلت إلى أجواء غائمة ومنعشة بمجرد تسلم الجثمان، لتنهمر أمطار غزيرة غير مسبوقة على المنطقة تزامناً مع صلاة الجنازة التي أصر الأهل على إقامتها في قريتهم تبركاً ووداعا ويختتم شهادته بالإشارة إلى "الكرامات" التي لمسها الحاضرون، حيث تزامن إنزال الجثمان إلى القبر مع لحظة رفع أذان الظهر، وسط حالة من التأثر الشديد برحمات الله التي أحاطت بالمشهد ... وتابع شقيق الشهيد الحديث عن اللحظات الأخيرة في حياة شقيقه محمد، مشيراً إلى أنه نال الشهادة في أول أيام عيد الفطر المبارك عام 2019 أثناء تصديه لهجوم إرهابي على كمين "بطل 14". وذكر أن محمد كان قد اتصل بالعائلة قبل الحادث بيوم واحد، وتحديداً في ليلة العيد، حيث كانت مكالمته مليئة بالوداع وكأنه يشعر بدنو أجله، فقد أوصى إخوته بوالديه خيراً وطلب منهم ألا يحزنوا عليه إذا نال الشهادة، مؤكداً أنه فخور بوجوده في سيناء للدفاع عن تراب الوطن ، وقال : محمد صمد مع زملائه في الكمين ورفضوا الاستسلام، اشتبكوا مع العناصر الإرهابية بكل شجاعة وأحبطوا محاولة اقتحام الكمين، وقبل استسهاد الأبطال قتلوا عددا من العناصر الإرهابية المهاجمة ، محمد كان مثالاً للالتزام والأدب منذ صغره، وكان يحلم دائماً بأن يقدم روحه فداءً لمصر، وهو ما تحقق له في أطهر بقاع الأرض وفي وقت مبارك، ليتحول الحزن عليه إلى فخر يطوق أعناق أسرتي وأهالي قريته... ومع ذلك كشف الشقيق عن غصة لا تزال تؤرق العائلة، تتمثل في تعثر تنفيذ حكم قضائي حصلوا عليه منذ عام 2024 لإطلاق اسم الشهيد على مدرسة في قريتهم، مناشداً الجهات المعنية بالتدخل لتخليد اسم شقيقه الذي لم يكمل تعليمه بعد المرحلة الإعدادية ليخدم وطنه ، مناشداً الجهات المعنية بإنصاف حق الشهيد الذي لم يكمل تعليمه ولم يتزوج، لكنه قدم روحه فداءً للوطن... ويختتم شقيق الشهيد حديثه بالتأكيد على أن دماء شقيقه وزملائه هي التي حفظت أمن واستقرار البلاد، مشيراً إلى أن الدولة لم تترك حقهم وقامت بتكريمهم وتخليد أسمائهم. وشدد على أن ذكراه ستظل حية، ليس فقط كفرد من العائلة، بل كرمز للبطولة المصرية التي لا تهاب الموت، معبراً عن اعتزازه بلقب "أخو الشهيد" ومؤكداً أن والده ووالدته رغم ألم الفراق، إلا أنهما صابران ومحتسبان ابنهما في منزلة الشهداء والصديقين...ووجه شقيق الشهيد رسالة حازمة للإرهابيين قائلاً "حسبنا الله ونعم الوكيل"، مؤكداً أن مصر ستظل آمنة بفضل تضحيات رجالها، كما دعا المصريين إلى تقدير قيمة هذه التضحيات والحفاظ على الوطن، مشدداً على أن إطلاق أسماء الشهداء على المنشآت هو تقدير معنوي يبرد نار أهلهم ويخلد ذكراهم للأجيال القادمة.
بكلمات تمتزج فيها غصة الفقد بآيات الفخر، استعادت " د . أماني " شقيقة الشهيد الرائد محمد جودة، الملقب بـ " أسد العمليات الخاصة" ذكريات اليوم الذي بدل حياة عائلتها إلى الأبد ، تقول والدموع تلمع في عينيها: "في كل عيد للشرطة، لا أجد ما أقدمه لأخي سوى أن أظل أحكي قصته، قصة البطل الذي لم يتردد لحظة في حماية الأرض وصون العرض، ليظل اسمه محفوراً في ذاكرة الوطن كأول من لبى النداء في أصعب اللحظات" ، تسترجع الشقيقة تفاصيل فجر الرابع عشر من أغسطس، عام 2013 حين وقع اختيار القادة على محمد ليكون في طليعة القوات الموكلة بفض اعتصام رابعة العدوية ، تصف المشهد قائلة: "دخل أخي بقلب أسد، لم يبالِ بالموت وهو يقود أول مدرعة تقتحم ساحة سكنتها الغدر ، إخوان الشيطان لادين لهم ولا عهد ولا ملة ، كان " محمد " يتقدم القوات بروح الضابط الإنسان، وبدلاً من أن يفكر في نفسه، كان ينادي على النساء والأطفال القابعين داخل الاعتصام ، يرشدهم إلى الممرات الآمنة للخروج ويطمئنهم بأنهم ليس مستهدفين ، آمراً جنوده بحمايتهم وتأمين خروجهم، لكن رصاص الغدر كان أسرع من نبل أخلاقه، فسقط شهيداً وكان أول شهداء فض رابعة "، وعن مكالمة الوداع تروي : "لا يمكنني نسيان صوته في تلك المكالمة الأخيرة"، تواصل محمد معنا في الرابعة والنصف فجراً ليطمئن على والدته وكأن قلبه كان يشعر بالوداع ، وتتابع بأسى: "لكن استيقظنا في الثامنة صباحاً على خبر استشهاده يملأ القنوات الفضائية ، لقد ذهب محمد وذهبت معه الفرحة والحنان، ذهب ضي العين الذي لم يغب عن بالنا ساعة واحدة لا تزال النار مشتعلة في صدورنا، لكن عزاءنا الوحيد أنه قدم روحه هدية لمصر، وأن سيرته ستظل مضيئة تشهد على رجولته" ... تسترسل شقيقة الشهيد في حديثها، واصفة اللحظات التي سبقت رصاصة الغدر: "لم يكن محمد مجرد ضابط يؤدي واجباً، بل كان يحمل عقيدة "الحق" في قلبه في ذلك اليوم، 14 أغسطس 2013، كان هو نقطة الانطلاق في تمام الساعة السادسة والنصف صباحاً، ومع أولى خطوات فض الاعتصام، تقدم محمد القوات، ليس ليروع أحداً، بل ليفتح 'ممرات الأمان' كان يقف بطوله الفارع فوق المدرعة، وبصوت جهوري يملؤه الثبات، ينادي عبر مكبرات الصوت: "يا جماعة، اخرجوا بسلام، الممر آمن.. مفيش حد هيلمسكم" ، تضيف الشقيقة بمرارة: "بينما كان يوجه النساء والأطفال وكبار السن نحو طريق النجاة، ويشدد على جنوده بضبط النفس التام وعدم إطلاق النار إلا في حالات الدفاع القصوى، كان هناك غدر يتربص به فوق أسطح العمارات المحيطة بمدخل ميدان رابعة (طريق النصر) وفي تمام الساعة السابعة إلا الثلث صباحاً، وبينما كان يهم بالنزول من مدرعته لاستكمال تأمين الخارجين، استهدفته رصاصة قناص غادرة أصابته في الرأس مباشرة، لتسيل دماؤه الطاهرة فوق تراب الميدان، ويكون أول شهيد من رجال الشرطة في ملحمة الفض".
تختتم شقيقة الشهيد حديثها بوعد لا ينقطع، مؤكدة أن مثل "محمد" لا تليق بهم إلا الشهادة. وتقول: "في عيد الشرطة، سأظل أحكي للعالم كيف جعل أخي من جسده درعاً لتكون مصر درة الأوطان لقد فضل موته لنحيا نحن، وأنا اليوم أراه في مقامه الرفيع عند ربه، يبتسم لنا وينتظرنا لنلتقي في جنة الخلد، حيث لا غدر ولا فراق" .. وطلبت أن تنعيه يكلمات : "في ذمة الله يا مهجة القلب.. أنعي بطل لم ينحنِ إلا لخالقه"
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وبنفوس يملؤها الفخر الممزوج بمرارة الفقد، أنعي أخي وحبيبي وسندي، الشهيد البطل الرائد محمد جودة، الذي انتقل إلى جوار ربه في يوم لن ينساه التاريخ، الرابع عشر من أغسطس ، نفسي فداؤك يا أخي.. رحلتَ جسداً وبقيتَ فينا روحاً لا تغيب ننعى فيك الرجولة التي تجلت وأنت تتقدم الصفوف، ننعى فيك "الضابط الإنسان" الذي كانت آخر كلماته نداءً بالأمان لمن غدروه ، لم تكن مجرد ضابط يؤدي واجبك، بل كنت ابناً باراً بمصر، وأخاً لا يعوض، وصاحب قلبٍ لم يعرف الخوف يوماً... ننعيك والدمع يسبق الكلم، لكننا لا نقول إلا ما يرضي ربنا: "إنا لله وإنا إليه راجعون"لقد تركت لنا إرثاً من الكرامة لا ينضب، وسيرةً عطرة تفوح في كل مأمورية وفي كل ميدان ... عزاءنا أنك حيّ.. ننعيك بدموعٍ حارقة، ولكن بيقينٍ في قول الله تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ". اذهب يا محمد إلى ربك راضياً مرضياً، فلقد حفظت الأمانة، وصنت الأرض، ونلت الشهادة التي تمنيتها دوماً .
في قلب سيناء الحبيبة ويوم 23 مارس 2017 سُطرت قصة بطولة أخرى لضابط من قوات مديرية أمن شمال سيناء ترك طواعية خدمته في محافظةالبحيرة وطلب نقله إلى الأرض المقدسة ، فكان موعده مع الشهادة ، إنه الرائد معتز مصطفى عبدالعزيز ، الذى استشهد إثر إصابته في مواجهة شرسة مع عناصر تكفيرية بالعريش، فبعد أن تلقى بلاغ بوجود عبوة ناسفة عند مدخل مدينة العريش، توجه مع القوة المرافقة له "مدرعة وجنديين" لإبطال مفعولها ، فور وصولهم، تعرضوا لإطلاق نار كثيف، وعلى الرغم من أنه كان يُفترض ألا يغادر المدرعة، إلا أنه نزل منها للتعامل مع الإرهابيين ، حتى حاصره الإرهابيون في بيت مهجور بلا سقف، واستمروا في إطلاق النار ، حتى أصيب برصاصة الغدر واستُشهد وهو ينطق الشهادة أثناء محاولة إسعافه. .... السيدة "دعاء " شقيقة الشهيد الرائد معتز مصطفى ، تروي وعيناها تفيض بالدمع : رفض معتز الاحتماء بداخل مدرعته بينما جنوده في الخارج، وقرر الترجل لمواجهة العناصر الإرهابية وجهاً لوجه، وفي بيت مهجور بلا سقف، دارت معركة غير متكافئة؛ حاصره الرصاص من كل جانب، وبينما كان زميله يصرخ محذراً من كثافة النيران، كانت رصاصة القدر أسرع، لتستقر في كتفه الأيمن ، رحل معتز وهو ينطق الشهادة، تاركاً وراءه سيرة بطل نطقت بشجاعتة أرض سيناء ..... تابعت شقيقة الشهيد وهي تُحدث روحه : هل كنت تعلم وأنت تترجل من مدرعتك أنك تترجل من الدنيا لتصعد إلى السماء؟. يقولون أن طلقات النيران كانت تنهال عليك من كل جانب، لكنك لم تنسحب، ناداك زميلك: "الضرب عليك يا معتز"، فكان ردك هو الثبات حتى اخترقت الرصاصة كتفك الأيمن، وصعدت روحك مع كلمات الشهادة. .. يا "معتز "في كل عيد للشرطة، يسألونني عن "البطل"، فأغمض عيني وأرى "الطفل" الذي ربيته على يدي أكتب إليك والدمع يسبق الكلمة، ليس لأنك غبت، بل لأنك كنت أكبر من كل التوقعات ، فبينما كان بإمكانك البقاء في أمان الخدمة بعيداً عن الرصاص، اخترت بقلبٍ جسور أن تذهب إلى سيناء، وكأنك كنت تسير نحو موعدٍ مع الله .... وتواصل شقيقة الشهيد : كانت حياته في شهوره الأخيرة سلسلة من الوداع؛ فقد رحلت والدته قبل استشهاده بـ 45 يوماً فقط، وكأن قلبها لم يحتمل فراقاً وشيكاً استُشهد معتز تاركاً خلفه طفلين في عمر الزهور: مالك ومليكة، ليكونوا شهوداً على بطولات والدهم التي ستُحكى للأجيال، وفي أغسطس الماضي رحل والدي بعد سنوات من الصبر والاحتساب على فراق ابنه البطل
رحل الشهيد الرائد معتز مصطفى، لكن قصة بطولته تظل شاهدة على بسالة وتضحيات ضباط الشرطة، قصة بدأت بطلب "نقل للميدان " وانتهت بـ "ترقية للسماء"، تاركةً خلفها دروساً في الشجاعة، ودموعاً لا تجف في عيون شقيقة كانت له أماً ثانية.
زوجة الشهيد محمود أبو اليزيد شهيد تفجير الدرب الأحمر :
" كان ملاك نازلي من السما ، عمره مازعلني ، لو ربنا أمر بالسجود لغيره كنت سجدت له ، كنت بحسد نفسي عليه قالي ادعيلي أنول الشهادة وربنا نولهاله "
... بكلمات تعتصر قلبها ألما ، روت السيدة شيماء ، أرملة الشهيد محمود أبو اليزيد ، شهيد التفجير الإرهابي بالدرب الأحمر ، الذي هز القاهرة يوم 19 فبراير 2019 داخل حارة الكحكيين ، روت قصة البطل الشهيد محمود أبو اليزيد أمين شرطة قسم شرطة الدرب الأحمر ، فقالت : محمود هو كل الدنيا ، كان الهواء اللي بتنفسه أنا وولاده "هاجر ، أحمد ، محمد " ، من بعده ما فيش حياة والدنيا ضلمت ، عمري ما فكرت ازاي اعيش من غيره ، كان ملاك نازلي من السماء ، كان الزوج والأب والأخ الصاحب ، نساني أهلي وخواتي ، ما كنش يعرف ينام واحنا بعيد عنه ، شفت معاه أحلى أيامي ، عز أولاده ودلعهم، أنا كنت أشد عليهم وهو الحنين والايد اللي تطبطب ، مهما قولت عنه ، كل كلام الدنيا الحلو عنه مايكفيش .
... لازال الحماس الممزوج بالوجع يسيطر على السيدة " شيماء" أرملة الشهيد محمود أبو اليزيد وهي تروي بكل الحب مواقف لا تنسى فقالت : قبل الواقعة بيوم كان في خدمة ، ولأنه كان دائم الاتصال للاطمئنان علينا طيلة فترة بقاءه خارج المنزل ، فوجدته في ذلك اليوم مشغول جدا ، فأنهى المكالمة وقالي وهابعت لك فيديو ، وكانت رسالة بيقولي فيها انتي ست جدعة وانتي اللي هتربي العيال خلي بالك منهم وادعيلي أنول الشهادة " ... و وقع حادث تفجير الدرب الأحمر ، وشهد الجميع على شجاعته وهو يلقي بنفسه على الإرهابي حتى يأخذ في جسده كل الموجة التفجيرية ويحمي أهالي المنطقة ، ولكن الله قدر له الشهادة هو والضابط رامي هلال وأمين الشرطة محمد خالد ، رحم الله الشهداء وحفظ بلادنا من الخونة أعداء الدين والوطن ... وتابعت أرملة الشهيد : كان قلبه حاسس وموصيني ، قالي لو مت يا شيماء ما تصوتيش ، عارفك جدعة وخلي بالك من العيال ، جهز ورق العمرة حضر لبس ، الإحرام له ولوالدته ، قالي في حاجة بتقولي روح اعمل عمرة ، واتحدد موعدها يوم 27 وعلى وجه السرعة ، واستعد ولكن مالحقش ، " محمود" كان ملاك ، في جنازته وقف نعشه تحت شباك البيت ابنه " أحمد" كان واقف فيه ، 10 دقائق والنعش مش عايز يتحرك و" أحمد" كان بيرقص وكأنه شايفه ، كنت بقوله أنا عملت ايه في حياتي حلو قوي عشان ربنا يكرمني بيك يا محمود ، رغم حبي لأهلي نساني أهلي ... ودايما يقولي أنا ماشي بين أهالي الدرب الأحمر بالحب ، أنا عايز أمشي وأنا سايب صورة وذكرى حلوة بينهم ، وفعلا مشي وساب صورة حلوة بينهم علقوها الأهالي في كل شوارع الدرب الأحمر حبا فيه ، في يوم عيد الشرطة ، بدعي ربنا يحفظ رجالها ويحمي بلدنا وينصر مصر على أعدائها وأمنيتي مقابلة الريس عبد الفتاح السيسي ، وتكريم ولادي وإطلاق أسم الشهيد محمود أبو اليزيد على أحد الشوارع أو المدراس تخليدا لبطولته ، وأما أبناؤه أحمد ، محمد ، هاجر فأجمعوا : وحشنا وكان نفسنا يكون معانا وفخورين بأننا أولاد البطل .
اترك تعليق