مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

حارسات العقيدة وحماة الديار.. نساء ورجال في محراب الشهادة من أجل أمان مصر

والدة الشهيدة رقيب أول أمنية : 

كانت سعيدة  تضحك وتمزح  وكأنها طير يستعد للتحليق " 

بلدنا  لا تُعوض والأمان الذي تشهده  لا مثيل له في أي مكان 

في ذكرى عيد الشرطة، نستعيد قصص البطولة والتضحية ليس لرجال الشرطة فحسب بل لنساءها أيضا فجميعم أدوا الرسالة وحفظوا الأمانة أمانة صون وحماية الوطن


الرقيب أول أمنية شهيدة تفجير كنيسة المرقسية بالأسكندرية في إبريل 2017؛ كانت مثلا أعلى وقدوة في حياتها وبعد رحيلها  ، تروي السيدة" صابرة بركات" بقلبٍ موجوع امتزج داخله الفخر بالألم ،تروي حكاية ابنتها الشهيدة" أمنية " قائلة كانت أكثر من ابنة ، كانت لي أما وصديقة ، كانت عماد البيتٍ وروح العائلة  .. " كانت كل شيء في حياتي"  نبتت في عائلة تعشق خدمةالوطن ؛ فجدها وجدها الأكبر كانا من رجال الجمارك والشرطة ،؛ هذا الإرث جعل أمنية شغوفة بالانضباط منذ صغرها، حتى إنها كانت تشجع شقيقها "أحمد" دائماً على الالتحاق بالمدارس العسكرية. ..بعد الثانوية العامة، اختارت أمنية طريق الواجب، والتحقت بمعهد أمناء الشرطة ولم يتوقف طموحها عند هذا الحد؛ فبينما كانت تؤدي عملها بجدية في سجن الحضرة بالإسكندرية بعد فترة خدمتها في دمنهور، كانت تواصل دراستها في كلية الحقوق، حالمةً بمستقبل أكبر  تخدم فيه العدالة والوطن بكل طاقتها. .. في منزلنا كانت أمنية هي "المايسترو" هي الثانية بين خمسة أشقاء (تامر، أمنية، إسلام، أحمد، والطفلة همسة)، لكنها كانت تتولى مسؤولية الجميع ، كانت تذاكر للصغير والكبير، تهتم بكل تفاصيلنا، وكانت تحب (اللمة) وتفرح برؤية إخوتها في أحسن حال". .. كانت أمنية تتسم بحنانٍ مفرط، وصوتٍ يبعث السكينة، وجلسةٍ مريحة تجعل كل من حولها يشعر بالأمان،  لم تكن تفكر في نفسها يوماً، بل كان همها الشاغل هو سعادة إخوتها وراحة والدتها، وخاصة والدها . .. تتذكر الأم تلك الأيام التي سبقت الحادث وكأنها كانت بالأمس : "كانت سعيدة جداً، تضحك وتمزح، وكأنها طير يستعد للتحليق"  في تلك الفترة، كانت أمنية تكثر من التوصية بإخوتها وبالوالدة، وكأن قلبها يشعر باقتراب الرحيل. .. خرجت أمنية لأداء واجبها أمام كنيسة الإسكندرية، حاملةً في قلبها طيبة أهل مصر، وفي عقلها طموح الفتاة التي تريد أن تترك بصمة وقع الانفجار، ورحلت أمنية لتنضم إلى قوافل الشهداء، تاركةً وراءها سيرةً عطرة تفخر بها وزارة الداخلية ويحكيها أبناء الإسكندرية ..استرجعت والدة الشهيدة "أمينة" تفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت استشهاد ابنتها في تفجير كنيسة الإسكندرية  فتروي بقلب منفطر : كانت  تشعر بدنو أجلها،  طلبت بنفسها نقل خدمتها من منطقة "سموحة" إلى موقع الكنيسة، المجاورة للبيت ليس بحثاً عن الراحة، بل خوفاً على أشقائها من مخاطر الطريق، عند توصيلها ليلا من مكان الخدمة إلى البيت .. وقبل أذان الفجر بوقت طويل، قالت : "سأصلي الآن لأني لن أستطيع صلاة الفجر في وقتها .. وإن شاء الله يتقبل الله مني" لأنها ستكون تحركت إلى خدمتها"  ، وصلت قيام الليل وفجرها، ثم انطلقت إلى خدمتها في قلب منطقة العطارين بالإسكندرية، تاركة خلفها عائلة لم تذق طعم النوم في تلك الليلة، يراقبون خطواتها بقلق لم يهدأ إلا بصوت الانفجار الذي هز جدران منزلهم ، واهتزت أركان غرفتها واهتز معها قلب الأم لتخرج إلى الشارع وتجد الدخان يغطي السماء والناس في حالة من الهستيريا لقد سقطت "أمينة" شهيدة في مكان كانت هي من اختارته ليكون قريباً من بيتها، لتوفر على إخوتها عناء الطريق،  وعن أخر مكالمة مع والدها ومن داخل الكنيسة حين هاتفها  للاطمئنان عليها قالت ببراءة الابنة وعفويتها : "يا بابا معلش أنا آسفة هقفل معاك ، مدير الأمن جاي يمر " ولم تكن تعلم أمينة وهي تضع هاتفها في جيبها أن هذا النداء سيكون الوداع الأخير، إذ لم تمر سوى دقائق معدودة حتى وقع الانفجار الغادر الذي هز أركان المكان ، .. وكشفت الوالدة عن فظاعة الحادث، واصفة كيف عثر أحد أصحاب المحال المجاورة على هاتف أمينة الذي قذفته شدة الانفجار بعيداً، بينما ذابت المعادن وانصهر الحديد من قوة القذيفة ورغم مرارة الفقد، أكدت الأم اعتزازها بلقب "أم الشهيدة"، قائلة: "الحمد لله.. ده شرف ليا إني أبقى أم شهيدة،وفي رسالة وجهتها للمصريين، قالت بنبرة تملؤها العزة  "كل ما يروح مننا واحد هيطلع مننا عشرات، وعمرنا ما هنزهق"  بلدنا  لا تُعوض والأمان الذي تشهده  لا مثيل له في أي مكان آخر ،راجية من الله أن تظل مصر في صفاء ونقاء شامخة فوق رؤوس الدنيا كلها .

والدة "الشهيد الرائد مصطفى يسري عميرة

دمه مارحش هدر 

استهدفه قناص بـ3 رصاصات قاتلة في فض رابعة 

غرس في كل مكان "سجادة صلاة ومصحف" ..  وترك في قلوبنا وطناً آمناً 

بصوتٍ يمتزج فيه الفخر بمرارة الفقد، وبكلماتٍ تخرج من قلب "أم الصابرين"،  السيدة وفاء السيد تروي حكاية نجلها البطل الرائد مصطفى يسري عميرةواقعة  إصابته  في يوم 14 أغسطس 2013، وهو اليوم الذي شهد أحداث فض اعتصام رابعة العدوية : في ذلك اليوم، تلقى  مصطفى رصاصات الغدر من قناصة أثناء تأدية واجبه الوطني، وظل بعدها يصارع الإصابة لمدة 3 سنوات في غيبوبة كاملة، حتى ارتقى شهيداً في 19 أغسطس 2016. ... ، لم يكن مجرد ضابط شرطة، بل كان "ملاكًا يمشي على الأرض"، كما تصفه ، أقسم أن يروي تراب الوطن بدمائه لتنبت لنا أمانا واستقرار  وتنمية وبناءا تظلل علينا اليوم. .. في يوم فض اعتصام رابعة العدوية  كان الرائد مصطفى يسري، ابن قطاع العمليات الخاصة (قطاع سلامة عبد الرؤوف)، في الصفوف الأمامية لم يكن يبحث عن بطولات زائفة، بل كان يؤدي واجبه لحماية الدولة من الانزلاق نحو الفوضى. .. وسط ضجيج الرصاص، استهدفه قناص غادر بثلاث رصاصات قاتلة استقرت في الرأس والقلب سقط البطل، لكن روحه تمسكت بالحياة لثلاث سنوات كاملة، دخل خلالها في غيبوبة تامة وشلل رباعي، وصفتها وزارة الداخلية آنذاك بأنها "أصعب حالة إصابة في صفوف الجهاز"  خلال تلك السنوات، لُقب بـ "الشهيد الحي"، حيث ظل جسده شاهدًا على تضحيات جيلٍ كامل، حتى فاضت روحه إلى بارئها في 19 أغسطس 2016. .. والدة الشهيد تقول : "كان سابق سنه.. وخادمًا للجميع" "والله عمره ما زعل حد ولا قصر في حق حد، كان بارًّا بي وبوالده إلى حد الذهول أتذكر أول راتب تقاضاه بعد تخرجه في عام 2010، لم يضعه في جيبه، بل وزعه بالكامل على عماته وخالاته وجداته، وكأنه كان يودعهم ببرّه." ... "قبل إصابته بشهرين فقط، كان في العمرة، وهناك أطلقوا عليه (خادم المعتمرين) كان يرفض الراحة ليخدم كبار السن ويساعد الجميع بابتسامة لا تفارق وجهه كان يترك خلفه في كل مكان يذهب إليه سجادة صلاة ومصحفًا، وكأنه يغرس أثرًا طيبًا قبل رحيله.".. ولم تكن الشهادة لمصطفى مجرد صدفة، بل كانت حلمًا راوده منذ الصغر تروي والدته: كان دايماً يقولي: يا أمي أنا هطلع ضابط وهبقى شهيد كنت أضحك وأقوله يا حبيبي لسه بدري، لكنه كان يرى ما لا نراه. لقد نال ما تمنى، والأرض خافت عليه وأخذته في بطنها لتكرمه." ... "في عيد الشرطة، أشعر أن روحه ترفرف حولنا، تشارك زملائه فرحتهم بيوم التضحية والفداء وحين أسير في الشوارع وأرى الإنجازات الضخمة والمشروعات التي يحققها الرئيس السيسي، أتنفس الصعداء وأقول في نفسي : (يا مصطفى يا ابني، دمك ماراحش هدر.. بلدنا بقت أحسن وأقوى)."..وتثمينًا لبطولته، كرمه الرئيس عبد الفتاح السيسي في احتفالات عيد الشرطة، وأُطلق اسمه على "المدرسة النموذجية بمصر الجديدة" (مدرسة الرئاسة)، ليظل اسمه محفورًا في ذاكرة الأجيال القادمة، ليس كضحية، بل كبطلٍ صمد ثلاث سنوات بين الحياة والموت ليثبت أن "الشهيد الحي" لا يموت أبدًا في قلوب الشرفاء فكان ملاكاً يسير على الأرض بقلب طفل وعزيمة مقاتل أقول له  "دمك ماراحش هدر يا مصطفى" ، ورحم الله من عاش خادماً للمعتمرين، ومات حامياً للمصريين الرائد مصطفى يسري عميرة غرس في كل مكان "سجادة صلاة ومصحف"، وترك في قلوبنا وطناً آمنا ، في عيد الشرطة روحه بتكون فرحانة، ومع كل إنجاز للرئيس بحس إن حقه رجع" ، نم قرير العين يا بطل اسمك على مدرسة الرئاسة، وبطولتك في قلب التاريخ .

والدة قائد كمين البطل 14 بالعريش : 

ملحمة النقيب عمر القاضي صرخة بطل هزت عرش الإرهاب في فجر العيد  

قولوا لأمي ابنك مات بطل.. حبوا بلدكم وخافوا عليها زي عمر

"غربل السبيل يا منزلاوي".. ملحمة النقيب عمر القاضي صرخة بطل هزت عرش الإرهاب في فجر العيد ، بشمال سيناء  لم تكن تكبيرات عيد الفطر في الخامس من يونيو 2019 مجرد إعلان عن بهجة دينية، بل كانت خلفية صوتية لواحد من أشرس المعارك البطولية في تاريخ الشرطة المصرية هناك، فوق رمال العريش، سطر النقيب عمر القاضي، قائد "كمين بطل 14"، بدمائه ملحمة "النصر أو الشهادة"، محولاً موقع الكمين المكلف بحمايته  إلى قلعة تحطمت عليها أوهام 56 عنصراً تكفيرياً حاولوا تدنيس تراب الوطن... في منزل يملؤه السكون والترقب، كانت السيدة راندا محمود، والدة عمر، تستشعر خطراً يلوح في الأفق ، لم تكن فرحة العيد قد مست قلبها، بل كان القلق هو سيد الموقف ، تروي الأم بمرارة ممزوجة بالفخر: "قلبي كان مقبوضاً منذ اللحظة التي رأيت فيها الإرهابي هشام عشماوي مكبلاً بعد ترحيله لمصر.. شعرت أن شيئاً سيحدث في موجة انتقامية" ، وحين عبرت عن مخاوفها لنجلها في مكالمتهما الأخيرة ليلة العيد، جاء صوت "عمر" هادئاً، واثقاً، وكأنه يودعها بلغة الأبطال: "خليها على الله يا أمي.. متخافيش". كان صوته متغيراً، يحمل نبرة من اختار طريقه للنهاية، رافضاً البقاء في المنزل رغم إصابة سابقة لحقت به في سيناء، قائلاً لها حينها: "عندي رسالة لازم أكملها"... ومع بزوغ ضوء الفجر، انهمر الرصاص كالمطر على الكمين 56 إرهابياً مدججين بالأسلحة الثقيلة و "الآر بي جي" في مواجهة عدد المدن من  أشجع الرجال ،  استشهد الرفاق واحداً تلو الآخر، وبقي "القاضي" وحيداً، ينزف دماً لكنه يفيض كبرياءً...عبر أجهزة اللاسلكي، سجل التاريخ صيحته التي زلزلت أركان الإرهابيين: "غربل السبيل يا منزلاوي.. دك الكمين يا سمير" لم يكن يطلب النجاة، بل كان يطلب دك الموقع بمن فيه لضمان عدم سيطرة التكفيريين عليه ، ساعتان كاملتان ظل فيها "عمر" أسداً يقاتل بسلاحه الشخصي أمام ترسانة أسلحة، حتى أنزل اليأس في قلوبهم، فقتل منهم ما قتل، حتى صعدت روحه الطاهرة مع آخر نداء للتكبيرات... يتذكر شقيقه الأكبر، "كمال" – وهو ضابط شرطة كان قدوة عمر – جوانب خفية من حياة الشهيد لم يكن عمر مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل كان "مشروع شهيد" يمشي على الأرض ورغم ميراثه الكبير عن والده، كان زاهداً، ينفق راتبه كاملاً على أوجه الخير، حتى ملابسه الجديدة كان يؤثر بها غيره ... يقول كمال: "عمر أحب الله فصدقه الله.. كان قدوة في البر بوالديه، وكان هدفه منذ البداية هو العمليات الخاصة ليواجه الإرهاب وجهاً لوجه". ..لم تكن كلمات عمر الأخيرة عبر اللاسلكي: "قولوا لأمي ابنك مات بطل" مجرد وصية، بل كانت حقيقة تدركها الأم جيداً. تخاطب السيدة راندا زملاء نجلها قائلة: "حبوا بلدكم وخافوا عليها زي عمر.. كملوا مسيرته، فتراب هذا الوطن غسله دماء أعز ما نملك" .. وهكذا ستظل قصة "كمين بطل 14" وقائده عمر القاضي درساً يدرس في الأكاديميات الشرطية ليس في مصر فقط بل بالعالم كله ليس فقط في فنون القتال، بل في عقيدة رجال لا يهابون الموت، واجهوا الغدر بصدور عارية وإرادة من حديد.

والدة الشهيد إسلام مشهور  : 

أوفى بوعده لزملائه حين قال لهم قبل المأمورية: "أنا أول واحد هتصاب وهفديكم كلكم" 

بفضل تضحياتهم تحولت مصر من ساحة للمواجهة إلى واحة للأمان والتعمير

في قلب كل بيت من بيوت أبطال الشرطة حكاية وجع لم تندمل، لكنها ممزوجة بفخر لا ينقطع، تماماً كما هي قصة النقيب إسلام مشهور، بطل حادث الواحات الإرهابي ، وأول شهيد سبق رفاقه بالمأمورية إلى رحاب ربه ،  رحل بجسده وبقيت سيرته تفوح مسكاً ،  بطلٌ لم ينطق بكلمة "آه".. . وقعت أحداث استشهاد النقيب إسلام مشهور في 20 أكتوبر 2017، خلال واحدة من أصعب المأموريات الأمنية في منطقة الكيلو 135 بطريق الواحات البحرية كان إسلام، الذي لُقب بـ "خريج المدرعة"، هو من يتولى قيادة المدرعة الأمامية في المأمورية التي استهدفت بؤرة إرهابية شديدة الخطورة  وبمجرد وصول القوات إلى منطقة "التبة"، بدأت العناصر الإرهابية بإطلاق وابل من الرصاص والقذائف وكان الشهيد إسلام أول من صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها .
 تروي والدته السيدة سوزان عبد المجيد تفاصيل اللحظات الأخيرة بمرارة لم تطفئها السنوات، فتتذكر كيف استقبل رصاصات الغدر بصدر قوي ، دون أن ينطق بكلمة "آه"، وكأن الله أراد له ميتة الصالحين التي وصفها قائده بأنها كانت "في غمضة عين"، فلم يشعر بألم الرصاصة التي اخترقت صدره وخرجت، بل اكتفى بترديد الشهادة والابتسامة تعلو وجهه، ليفي بوعده لزملائه حين قال لهم قبل المأمورية: "أنا أول واحد هتصاب وهفديكم كلكم". .. لم يكن النقيب إسلام مجرد ضابط يؤدي واجبه، بل كان ابناً باراً وإنساناً يحمل في قلبه خيراً خفياً، حيث اكتشفت أسرته بعد استشهاده أنه كان كافلاً لأيتام دون أن يخبر أحداً  تقول والدته بكلمات تملؤها الدموع إن إسلام اعتمد على نفسه في بناء اسمه داخل قطاع الأمن المركزي، ورفض أن يستغل رتبة والده اللواء بالجيش أو شقيقه الضابط، بل أثبت كفاءته بشطارته واجتهاده حتى أصبح القائد يطلبه بالاسم في كل مأمورية،  كان يستعد للزواج، يملأ البيت بهجة بضحكاته وحبه لأبناء إخوته، لكنه اختار في النهاية أن يكون "خريج مدرعة" كما كتب على صفحته، وأن يزف إلى السماء بدلاً من بيت الزوجية.
يتذكر والده اللواء مشهور بكلمات محتسبة كيف كان نجله مثالاً للأدب والالتزام، حيث يتردد صدى سيرته الطيبة في كل مكان يذهب إليه وفي الليلة الأخيرة، اتصل إسلام بوالده ليخبره بكلمات بسيطة: "أنا في مأمورية خارج القاهرة وجاي بكرة"، لكن "بكرة" أتى ولم يأتِ إسلام معه ،؛استيقظت الأم في ذلك الصباح تجهز له أصناف الطعام التي يحبها، والقلب يقبضها شعور غامض، حتى طرق الجيران بابها والدموع في أعينهم ليخبروها أن إسلام نال الشهادة،  صرخت حينها "قولوا اتصاب متقولوش استشهد"، لكن الحقيقة كانت قد سُطرت بدمائه الغالية... واليوم، ومع كل احتفال بعيد الشرطة، توجه الأم رسالة فخر لروح ابنها وزملائه، مؤكدة أن تضحياتهم لم تذهب هباءً، فبدمائهم حفظوا الأرض ووفوا بالقسم، وبفضل ثباتهم تحولت مصر من ساحة للمواجهة إلى واحة للأمان والتعمير،  تفتخر بأن الشهداء لم يفكروا في أنفسهم أو أسرهم بل كانت مصر هي همهم الأول، واليوم تجني البلاد ثمار هذا الإخلاص تحت قيادة تقدر قيمة الدماء التي سالت ليبقى الوطن .

 والدة الشهيد النقيب عمر الشافعي :

 رحل بعد ولادة توأميه بـ 13يوما 

حين يركض الصغيران نحو صورته مشيرين إليها بكلمة "بابا" ...  ينخلع قلبي ألماً وفخرا 

وهو مازال عريسا وفي  مقتبل العمر وبينما كانت زغاريد الفرح ترتفع في جنبات البيت بقدوم توأميه "خالد ومحمد" اختار الله عز وجل  للنقيب عمر خالد الشافعي، معاون مباحث قسم شرطة بدر فرحا أكبر في السماء  وتكريما يليق بمن صدق ربه ،  فبعد رؤية طفليه ثلاثة عشر يوماً فقط  ، انطلق في الثلاثين من ديسمبر  2022 لمواجهة عناصر إرهابية متورطة في حادثة "كمين الإسماعيلية ، وقف البطل ثابتاً لا يهاب الموت، رافضاً التراجع حتى نال الشهادة التي تمنّاها، ليحمله شقيقه "أحمد" من موقع الحادث ملفوفاً بعلم مصر . .. في قلب منزل غلّفه الوقار وهدوء الصابرين، تجلس والدة الشهيد البطل عمر الشافعي السيدة سهير لتروي حكاية بطل لم يكمل عامه الخامس والعشرين، لكنه سطر بدمائه قصة فداء بدأت فصولها من "كمين الإسماعيلية" في الثلاثين من ديسمبر لعام 2022 تتذكر الأم ملامح ابنها الأكبر، الذي كان يملأ البيت بهجة بمناداته الدائمة لها بلقب "سوسو"، وحرصه على مداعبة شقيقه المهندس "أحمد" وشقيقته الصغرى "ملك"، وزوجته التي لم يهنأ معها سوى بعشرة أشهر فقط قبل أن يختاره القدر ليكون في منزلة الشهداء ... تروي الأم بمرارة تفاصيل تلك اللحظات القاسية، حين وصلت إلى المستشفى لتجد حشداً من القيادات الأمنية والرتب العسكرية، ظنت في البداية أنهم هناك لمتابعة حالة ابنها في غرفة العمليات، لكن الحقيقة كانت أسرع من آمالها، فقد فارق عمر الحياة قبل وصوله ، تصف بقلب محروق حال ملابسه الميري  التي  شُقّت لنصفين من شدة الإصابة، مؤكدة أن رحمة الله حالت دون وصولها لموقع الحادث مباشرة، فمشهد جسد ابنها الممزق كان كفيلاً بأن ينهي حياتها في توقيتها، لكن الصبر الذي أفرغه الله على قلبها جعلها تتماسك أمام هول الفاجعة...  تصف الوالدة حياتها اليوم بأنها "جسد بلا روح"، فقد تبدلت معالم الفرح لديها منذ رحيل عمر، لدرجة أنها باتت ترى في بريق الذهب الذي قد تقدمه لها ابنتها "قطعة من النار" لا تطيق ملمسها وتستحضر بكل أسى كيف كان عمر سنداً لعائلته ووالده، وأباً ثانياً لشقيقته الصغرى التي كان يعوضها بغيابه عن كل شيء، حتى إنه قبل رحيله وعدها بهاتف محمول بمناسبة نجاحها، وهو الوعد الذي حرصت الأم على تنفيذه لاحقاً وكأن روحه لا تزال ترفرف حولهم، تفي بالوعود وتنشر السكينة. .. كان عمر يمتلك روحاً استثنائية وبنياناً قوياً صقله في قاعات الرياضة منذ صغره، حيث كان قدوة لزملائه يبث فيهم الحماس ويقدم المساعدة للجميع دون مقابل وفي ليلته الأخيرة، بدا وكأن قلبه يحدثه بالرحيل، حيث أطلع شقيقه على صور ضحايا سابقين وطلب منه الدعاء بالتوفيق في القبض على الجناة، بعد رحيله، تحول منزل العائلة إلى محراب للذكرى، حيث تنفذ الأم وصايا ابنها الخفية، من ذبح للذبائح وتوزيعها كصدقات جارية على زملائه والمحتاجين، تماماً كما كان ينوي أن يفعل قبل وفاته لم يرحل عمر بجسده فقط، بل ترك وراءه إرثاً من الخير والسكينة؛ فبعد ثمانية أشهر من استشهاده، نفذت عائلته رغبته بذبح أربعة خراف كان قد اشتراها قبل وفاته ليدعو زملاءه، فخرجت اللحوم وجبات جاهزة وزعت على الأكمنة وأقسام الشرطة والمساجين، صدقة جارية عن روح "صاحب السيرة العطرة" و بعد رحيل ابنها، لا تزال الأم تجد سلوتها في زيارة قبره كل سبت، وفي الرؤى التي ينقلها لها الجيران والزملاء عن عمر وهو يطير بحصان أبيض في السماء أو يجلس في رياض خضراء، مؤكداً لها في منامها أنه في مكان أفضل. .. واليوم، وبمرور ثلاث سنوات على الرحيل، يدلف التوأم "خالد ومحمد" إلى حضانتهما دون أن تلمس أيديهما يد والدهما، لكنهما باتا يعرفانه جيداً من خلال صورة كبيرة علقتها الجدة في ردهة المنزل ، بعد أن كان الصغيران يناديان جدهما "بابا"، تعلموا بفضل إصرار الجدة أن صاحب الزي الشرطي في الصورة هو "بابا عمر" قائلة : وفي كل مرة يركض فيها الصغيران نحو الصورة مشيرين إليها بكلمة "بابا"، ينخلع قلبي الأم فخراً وألماً، لكني مدركة أن ابني الذي خلد الله اسمه في الأرض والسماء  قد ترك خلفه رجلين يحملان اسمه بفخر، وسيحكيا للعالم قصة ضابط شرطة  لم يتردد لحظة في تقديم روحه ثمناً لأمن الوطن.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق