بصوتٍ يغلفه الثبات رغم مرارة الفقد، وبنظراتٍ لم تنكسر أمام عواصف الإرهاب الغادر، جلست السيدة شيرين عبد الرحمن، أرملة الشهيد العميد هشام العزب، تروي فصول ملحمةٍ بدأت بانفجارٍ غاشم في ميدان المحكمة بمصر الجديدة، ولم تنتهِ بكلمات العزاء، بل تحولت إلى عقيدة فداء تتوارثها الأجيال.
الشهيد العميد هشام عزب هو رئيس قسم مرور النزهة، استشهد في أغسطس 2015 متأثرًا بإصابته بشظايا عبوة ناسفة زُرعت أمام محكمة مصر الجديدة، جراء حادث إرهابي حيث تبنت عناصر متطرفة استهداف الضباط ، تسترجع شيرين تلك اللحظات الفاصلة التي غيرت مجرى حياتها، لكنها لم تغير بوصلة وفائها لوطنها، مؤكدة أن محاولات القتلة لكسر إرادة أسر الشهداء لم تكن إلا وقوداً لزيادة عشقهم لتراب مصر.
"أفعالكم لم تكسرنا ولن تهزنا"، بهذه الكلمات القاطعة وجهت شيرين رسالتها لمن ظنوا أن الرصاص والعبوات الناسفة قد توقف نبض الحياة في قلوب ذوي الأبطال ،،تروي شيرين كيف تحول الألم إلى قوة، وكيف أصبح استشهاد زوجها العميد هشام العزب نبراساً يضيء طريق بناتها تقول بلسان الزوجة القوية الصابرة : "أزواجنا ارتقوا شهداء، وأما نحن فقد زاد حبنا للوطن أكثر، وعاهدنا الله أن ندافع عنه حتى آخر نفس في صدورنا"... لم تنسَ شيرين أن تشيد بالدور الأبوي للرئيس عبد الفتاح السيسي، واصفةً إياه بالظهر والسند لكل أبناء الشهداء، حيث استطاع بلمسته الإنسانية أن يعوضهم ولو بجزء بسيط عن غياب آبائهم، موجهة الشكر لوزارة الداخلية التي ظلت حاضرة في كل مناسبة، تؤكد أن دماء أبطالها لا تذهب سدى... أما "جنة"، الابنة الكبرى للشهيد، التي تخرجت اليوم في كلية الإعلام، حاملةً معها ذكريات طفلة كانت لا تدرك معنى الفقد وقت الحادث، لكنها اليوم تدرك حجم الفراغ الذي تركه رحيل الأب في لحظات نجاحها ، تتحدث جنة بمرارة مخلوطة بالإصرار: "لماذا حرمتموني من أجمل ما في حياتي؟ كان هناك الكثير من الأحلام لنحققها معاً" لكنها سرعان ما تستدرك بأن انكسارها كان محالاً، بل تولد داخلها إصرار أقوى للدفاع عن بلدها والاقتصاص من الخونة بطريقتها الخاصة عبر سلاح الوعي والكلمة... وهذه "شهد"، الابنة الوسطى التي لم يتبقَ أمامها سوى شهور قليلة لتتخرج في كلية الطب، فترى في تفوقها رداً عملياً على إرهاب أراد إيقاف عجلة الحياة تفتخر شهد بكونها ابنة البطل، وتتذكر بابتسامة فخر تلك اللحظة التي التقت فيها بالرئيس السيسي حين قال لها بجملة لا تنساها: "أنا أتشرف إني أكون بطل زي بابا". كلمات الرئيس تركت في نفسها أثراً لا يمحى، جعلها تشعر بالتميز بين زميلاتها، وتدرك أن والدها لم يرحل، بل ترك خلفه إرثاً من الكرامة يحميه وطنٌ لا ينسى أبناءه، ورئيسٌ يحرص في كل عيد على أن يجمع شمل هذه الأسر، مؤكداً أن الدولة المصرية هي البيت الكبير الذي يحتضن أوجاعهم ويحولها إلى انتصارات .
جرحنا كبير، لكن عزاءنا أكبر.. عزاؤنا أن دماء أزواجنا روت تراب الوطن ليبقى صلباً ومستقراً... نحن لا نربي أطفالنا على البكاء، بل نربيهم على أن يسيروا في الطرقات ورؤوسهم مرفوعة، قائلين بكل عزة : "نحن أبناء البطل".. .بهذه الكلمات بدأت السيدة سارة صقر، زوجة الشهيد الرائد أيمن حاتم، حكايتها عن ليلة غيّرت مجرى حياتهم ، ليلة 1 مايو 2017، حيث استهداف غادر من قبل عناصر إرهابية لقوات الكمين المتحرك بمنطقة عين شمس .... بمشاعر تختلط فيها مرارة الفقد بشموخ الفخر، روت السيدة سارة قصة بطل لم يرحل عن الوجدان وإن غاب عن العين فقالت : لم تكن مجرد سيرة ضابط يؤدي واجبه، بل كانت ملحمة إنسانية بطلها زوج حنون وأبٌ كانت المكالمة الأخيرة معه هي "وصية الوداع"... : أيمن في ليلة الحادث قرر على غير عادته البقاء معنا لنصف ساعة إضافية قبل التوجه لخدمته الليلية عند "ميدان محمد زكي" لكن نداء الواجب كان أقوى، فغادر مسرعاً حتى لا يتأخر عن التجمع الأمني... "استيقظت طفلتنا (ليان) فجأة في الحادية عشرة والنصف مساءً، وطلبت بإلحاح " عايزة أكلم بابا " في المكالمة أوصاها أيمن بأخيها " سيف " وبأن تسمع كلامي، ووعدها بالعودة قريباً"... ، ولم تمر دقائق من إغلاق الهاتف حتى وقع أيمن شهيدا لرصاص الغدر وهو على رأس الكمين ... الاستهداف تم أثناء تجمع القوات لإجراء التمام الليلي المعتاد، ولأنه كان يؤدي خدمة متحركة وليست ثابتة ، فكانت العناصر الإرهابية كانت قد رصدت مكان تجمع القوات لمدة أسبوعين قبل تنفيذ الهجوم ، كما تبين بعد ذلك ، وانتشر الخبر بسرعة البرق عبر القنوات الإخبارية، أذاعه الإعلامي وائل الإبراشي فور وقوعه، ولم أعلم ، وكنت أحاول التواصل مع "أيمن" بشكل طبيعي للاطمئنان عليه كعادتي ولكن دون جدوى ، حتى تلقيت اتصالاً مفجعاً من والد الشهيد يخبرني في كلمات أقرب إلى الصريخ أيمن مات ... أيمن مات .
.... تسترجع سارة تلك اللحظات : " وصلت المستشفى وكنت في حالة إنكار، لم أبكِ في البداية، كنت أسأل من هؤلاء ولماذا جاءوا؟". لكن مشهد زملاءه على جانبي الطرقة بطابق غسل الموتى كان الإعلان الرسمي عن تحول حياتي من "زوجة رائد" إلى "أرملة شهيد". ... وعن رحلة التحدي.. وكيف تصنع "رجل بيت" في سن السادسة .. تقول واجهت أصعب معاركي بعد الجنازة؛ معركة الحقيقة مع أطفالي ، "سيف" صاحب الست سنوات كان يمر بمرحلة إنكار قاسية، يجلس في أماكن والده وينتظر عودته استعنت بمتخصصين نفسيين لغرس قيمة "الشهيد" في نفسه، وأخبرته أن والده في "الجنة" يراقبهم ويفتخر بهم. .. اليوم، يحاول سيف تقمص دور "رجل البيت"، يستمد قوته من بدلة والده الشرطية التي لم تعد مجرد ثوب، بل إرثاً من الكرامة أما "ليان" والتي تركها والدها في سن عامان ونصف، كبرت وسط الصور، باتت تدرك غياب والدها في كل مناسبة اجتماعية، لتجد في حضن صورة "البطل" مأواها الوحيد. .. "أريدهم أن يعرفوا أن والدهم هو البطل أيمن حاتم " الذي عشق تراب وطنه وقدم روحه فداءا لأمنه وأمانه .. تختتم سارة حديثها بكلمات تمس القلب: "رسالتي أن يظل اسم أيمن محفوراً في الذاكرة، ليس كاسم في سجلات الشهداء فقط، بل كإنسان، كأب حنون، وكبطل دفع أغلى ما يملك ليبقى الوطن سأربي أبنائي على نهجه، ليكونوا خير خلف لمن وهب عمره لنا ولكم".
في مثل هذه الأيام، والناس تحتفل بعيد الشرطة، لا أقول إنني أتذكر "كريم"، فهو لم يغب عني لحظة واحدة لأتذكره ، هو معي في كل وقت، في سكنات البيت ، وفي صمت الليل؛ أحادثه ويحادثني، أحكي له ما يدور في يومنا وكأنه جالس بجواري ، ابني حيٌّ يرزق في جنة ربه، وحيٌّ بسيرته العطرة التي تملأ الدنيا فخراً لقد عاش ابني رجلاً، واستشهد بطلاً، ففي مطاردته الأخيرة لتلك الخلية الإرهابية، لم يدافع عن نفسه فحسب، بل أنقذ أرواحاً بريئة كانت ستزهق في تفجيرات غادرة، فكل عام وأنت يا "قلب أمك" مُهنأ في جنتك، وكل عام ومصر وشرطتها وجيشها آمنة بتضحيات "زينة شباب أهل الجنة".... كريم كان دائماً يردد بقلب جسور : "يا أمي، لا يأخذ الروح إلا من خلقها، والعمر واحد والرب واحد، واللهم اختم حياتي بالشهادة"، لم يخشَ يوماً تهديدات الإرهاب، وظل ثابتاً كالجبل يشهد بالحق في قضية اقتحام مركز شرطة مطاي، غير مبالٍ باستهدافه، فمصلحة الوطن عنده كانت فوق كل اعتبار، حتى جاء ذلك اليوم، السابع عشر من مارس 2015، حين اشتبه في سيارة يقودها مسلحون بطريق العلمين، وبكل شجاعة طاردهم واشتبك معهم، حتى أصابته رصاصة في صدره، لتُكتب له الشهادة التي تمنّاها، ويمنحني أنا أعظم لقب أعتز به في الدنيا والآخرة "أم الشهيد". ...إن الشعلة التي حملها كريم لم تنطفئ باستشهاده، فها هو شقيقه "معتز" قد عاهده على استكمال المشوار ، لم يمنعه رحيل أخيه من الالتحاق بصفوف الرجال، بل كان الدافع الأول له هو أن يحمل الأمانة ويصون تراب مصر بكل قوة، نحن في بيوتنا نربي أبناءنا على عقيدة التضحية، فلا نملك أغلى من أرواحهم لنقدمها فداءً لهذا الوطن ، إنني لم أرغم "معتز" على هذا الطريق، بل كانت رغبته الصادقة أن يكمل ما بدأه شقيقه، ليثبت للعالم أن دماء شهدائنا هي الوقود الذي يزيدنا إصراراً... ختاماً، أقول لكل أم فقدت بطلها: ابناؤنا لن يضيع حقهم، وهم الآن أحياء في مقامٍ كريم، ومن بعدهم أشقاؤهم ورفاقهم يكملون الطريق بكل شجاعة ، سيظلون يدافعون عن بلادنا، ويحفظون أمنها، عهداً قطعوه على أنفسهم حتى نلتقي بهم في جنات النعيم، فخورة أنا بلقبي، وفخورة بوطنٍ لا ينجب إلا الرجال .
في ليلة من ليالي الشرف التي سطرها رجال الشرطة بدمائهم ، كان الرائد محمد عبد الفتاح عبد الجواد، قائد كمين العريش بشمال سيناء، يجسد المعنى الأسمى للفداء ، في الأول من نوفمبر عام 2021، لم يكن الرائد محمد مجرد ضابط يؤدي مهامه الروتينية، بل كان سداً منيعاً في وجه الظلام حين هاجمت مجموعة تكفيرية موقعه، لم يتراجع ولم يفر، بل ظل ثابتاً كالجبال، يبادلهم الرصاص بالرصاص، ويذود عن تراب الوطن بروحه، حتى اختاره الله لينضم إلى كوكبة الشهداء، تاركاً خلفه سيرة عطرة تُتلى في سجلات البطولة والفخر ... وبنبرة يمتزج فيها الحنين بعزة النفس، تروي السيدة أنوار أحمد، أرملة الشهيد، تفاصيل حياة بطل كان يرى في وطنه بيته الكبير ، تقول : إن الكلمات تعجز عن وصف رجل كان حبه لبلاده وعمله يطغى على روحه وحياته الشخصية ، ورغم مرارة الفراق التي يعيشها أبناؤه الثلاثة، روان وأحمد وزياد، واشتياقهم لحضنه الدافئ وصوته الذي غاب عن الدار، إلا أن يقينهم بأنه "حي يرزق" في مقعد صدق عند مليك مقتدر، يمنحهم القوة لمواجهة الأيام، فالعزاء الوحيد هو أن دماء والدهم كانت الثمن الذي دُفع ليبقى علم مصر مرفوعاً ... ومن قلب الألم، تبعث أرملة البطل رسالة صمود مدوية إلى كل من تسول له نفسه المساس بأمن مصر، مؤكدة أن استشهاد بطل واحد لن يثني الدولة عن مسيرتها، فخلف كل شهيد هناك مائة مليون مصري مستعدون للتضحية بأرواحهم فداءً لهذا التراب ، إنها رسالة تعكس عقيدة راسخة في وجدان الشعب المصري، الذي لا يخضع ولا يلين، مدركاً أن أبطاله في رباط إلى يوم الدين، وأن تضحيات رجال الشرطة هي الدرع الذي يجعل المصريين ينامون في طمأنينة وأمان ... تختتم زوجة "صقر العريش" حديثها بالدعاء لمصر وقائدها، مشددة على أن هذا الوطن يظل أصيلاً بشعبه، قوياً بجيشه، ومطمئناً بيقظة رجال أمنه ومع حلول عيد الشرطة، تبقى قصة الرائد محمد عبد الفتاح شاهدة على أن وزارة الداخلية ليست مجرد مؤسسة أمنية، بل هي مدرسة في الوفاء والتضحية، تقدم للأجيال دروساً في حب الوطن، وتؤكد أن ذكراهم ستظل محفورة في القلوب، تحميها دعوات الأمهات وفخر الأبناء.
"أنا عارف يا بابا إنك في الجنة .. أنت بطل فككت القنبلة عشان تحمي إخواتنا في الكنيسة .. وأنا هطلع ظابط زيك أحمي الناس وأقبض على المجرمين.. بحبك يا بابا ووحشتني قوي". هذه كلمات سليم نجل البطل الشهيد الرائد مصطفى عبيد شهيد تفكيك عبوات متفجرة بكنيسة أبو سيفين بمدينة نصر عشية احتفالات عيد الميلاد 2019. ..في الخامس من يناير 2019 ، وبينما كانت مصر تستعد لاستقبال أفراح عيد الميلاد، كان الرائد مصطفى عبيد، خبير المفرقعات بمديرية أمن القاهرة، يسطر بدمائه ملحمة فداء جديدة لرجال الشرطة البواسل ، لم تكن مجرد مهمة تفكيك عبوات ناسفة بمحيط كنيسة "أبو سيفين" بمدينة نصر، بل كانت عهداً قطعه البطل على نفسه بأن يحمي أرواح الأقباط والمصلين، حتى لو كان الثمن أن يتحول جسده إلى "أشلاء" كما تنبأ وأوصى. ... سليم.. البطل الصغير الذي ورث "روح" أبيه قبل أن يراه بملامح تشبه أباه حد التطابق، وقف الطفل "سليم مصطفى عبيد" ليتحدث بلسان الرجال، رغم أنه لم يولد إلا بعد استشهاد والده بـ 32 يوماً سليم الذي لم يحظَ بضمة والده، يحمل اليوم إرثه في قلبه الصغير، قائلاً بصوت يملؤه اليقين: "أنا عارف يا بابا إنك في الجنة، أنت بطل فككت القنبلة عشان تحمي إخواتنا في الكنيسة، وأنا هطلع ظابط زيك أحمي الناس وأقبض على المجرمين.. بحبك يا بابا ووحشتني قوي". . .كلمات سليم ليست مجرد أمنيات طفل، بل هي نبض "بطل صغير" تربى على يد أم وهبت حياتها لتنشئته على خطى الشهيد، مدركة أن زوجها لم يمت بل ترك في سليم "نسخة" حية من شجاعته وضحكته وصفاته.... الوصية الأخيرة: "لا تحزني إذا صرتُ أشلاءً" بصوت يمتزج فيه الفخر بمرارة الفقد، تروي السيدة "إيمان البنداري"، أرملة الشهيد، تفاصيل اللحظات التي كانت تسبق المواجهة الدائمة مع الموت تقول: "كان مصطفى مقبلاً على الحياة، لكنه كان يرى الجنة في كل قنبلة يفككها" وتسترجع حديثاً زلزل كيانها حين سألته يوماً عما يشعر به وهو يواجه الموت، فأجابها بابتسامة الواثق: "بكون في عالم تاني ملوش علاقة بالأرض، بشوف كل حاجة حلوة عند ربنا وشايف مكاني في الجنة" وتكشف الزوجة عن وصية مؤلمة وضعها الشهيد بين يديها: "كان متأكداً أنه سيموت شهيداً، وأوصاني بعدم رؤية جسده لأنه سيكون أشلاء ، أخبرني ألا أحزن إذا انفجرت فيه العبوة، لأن الموجة الانفجارية توقف القلب فوراً فلا يشعر الجسد بألم مهما تفرق إلى قطع" ، وتضيف والدموع في عينيها: "لقد استجاب الله لدعائه، ذهب إليه جسداً واحداً في اللحظة التي اختارها الله"..... وجع الولادة وفرحة الشهادة ، تستعيد ذكريات قاسية حين جاء "سليم" إلى الدنيا دون أن يجد يد أبيه تحمله: "كان نفسي يكون أول واحد يشيل ابنه لما جه الدنيا" تصف مشاعرها المتضاربة في البداية وكيف كانت تنظر لمولودها بتساؤل: "أين والدك؟"، لكن سرعان ما تحولت تلك المشاعر إلى قوة حين رأت في حركات الصغير وسكناته روح "مصطفى" تحوم في الأرجاء ، اليوم، وفي ذكرى عيد الشرطة، تقف أسرة الشهيد مصطفى عبيد شامخة؛ فالبطل الذي ضحى بحياته ليلة العيد، ترك خلفه ابناً يتعهد بمواصلة الطريق، وزوجة تحفظ العهد، ووطناً لا ينسى من افتداه بروحه في أصعب اللحظات.
اترك تعليق