في لقاء يحمل دلالات عميقة علي خطورة المرحلة ودقة التحديات. اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي أمس بكوكبة من علماء الأمة المشاركين في مؤتمر وزارة الأوقاف. ليؤكد أن معركة مصر الحقيقية ليست فقط ضد السلاح. بل ضد الفكر المنحرف الذي يغذي التطرف والإرهاب. فجاء حديثه واضحا وحاسما لابد من صياغة خطاب ديني شامل. مستنير. يواجه الغلو بالفهم الصحيح. ويطفئ نار الفتنة بنور الحكمة.
يقول د. أسامة رسلان المتحدث الرسمي لوزارة الأوقاف إن مصر حذرت مبكرا من أن الإرهاب لا يولد من فراغ. بل ينشأ في عقول أُسيء تشكيلها بنصوص مبتورة وتأويلات فاسدة. ومن هنا فإن تجديد الخطاب الديني ليس ترفا فكريا. بل ضرورة شرعية ووطنية. لحماية الشباب من الوقوع فريسة لأفكار التكفير والعنف. فالدين الذي جاء رحمة للعالمين لا يمكن أن يكون غطاء للدمار. ولا رسالة الإسلام يمكن أن تُختزل في مشاهد التفجير والقتل.
أضاف د. رسلان أنه من هذا المنطلق أكد الرئيس في لقائه مع العلماء أن الخطاب الديني المنشود يجب أن يكون جامعا لا مفرقا. يبني ولا يهدم. يقرب ولا ينفر.. خطابا يوازن بين الثوابت والمتغيرات. يحفظ أصول الدين. وفي الوقت نفسه يعي تعقيدات العصر وأسئلته الجديدة. فالشباب اليوم يعيشون في عالم مفتوح. تتزاحم فيه الأفكار. ولا يمكن مخاطبتهم بلغة جامدة أو منطق إقصائي. بل بخطاب حي يربط الدين بالحياة. والعبادة بالأخلاق. والإيمان بالعمل.
من هنا تتجلي مسؤولية العلماء والدعاة. فهم ورثة الأنبياء وحراس الوعي الديني. ولم تعد مهمتهم مقتصرة علي الوعظ التقليدي. بل أصبحت تشمل تفكيك الخطاب المتطرف. وكشف زيف شعاراته. وبيان تعارضه الصريح مع مقاصد الشريعة التي تقوم علي حفظ النفس والعقل والدين والوطن. فالإرهاب فكر قبل أن يكون رصاصا. وإذا صلح الفكر خمد السلاح.
لذلك لا تألو وزارة الأوقاف جهدا لمواكبة الأئمة للتطور التكنولوجي. فالتدريب يمثل المظلة الجامعة لهذه الجهود. كاشفًا عن العمل علي إطلاق آلية دردشة (Chatbot) تعمل بالذكاء الاصطناعي خلال عام. تتميز بأنها مغذاة بـ"فكر آمن". من خلال مراجعة محتويات علمية وموسوعات ضخمة بواسطة فرق من الأئمة والعلماء. بهدف تقديم محتوي متوازن وآمن فكريا. يستهدف مختلف الفئات العمرية. خاصة الأطفال والمراهقين والشباب.
الخطاب الديني الشامل
د. أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر يؤكد أن الخطاب الديني الشامل الذي دعا إليه الرئيس لا يقتصر علي مواجهة التطرف فقط. بل يمتد ليعالج قضايا الناس اليومية من الأسرة والأخلاق. إلي العمل والإتقان. إلي احترام القانون وبناء الوطن. فالدين في جوهره مشروع حضاري متكامل. لا مجموعة شعارات تُرفع في أوقات الأزمات.
أكد د. كريمة أن التجربة أثبتت أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي. مهما بلغت قوتها. ما لم تواكبها مواجهة فكرية وثقافية عميقة. ومن هنا تأتي أهمية دور الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف في نشر صحيح الدين. وتخريج دعاة يمتلكون العلم والوعي والقدرة علي مخاطبة العصر. وتحويل المنابر إلي منصات لبناء الإنسان. لا ساحات للصراع الأيديولوجي.
أشار إلي أن لقاء الرئيس بالعلماء رسالة واضحة بأن الدولة تراهن علي قوة الكلمة بقدر ما تعتمد علي قوة السلاح. وأن بناء الإنسان هو أساس بناء الأوطان. فحين يُصاغ خطاب ديني مستنير. يُحصن العقول. ويغلق أبواب الغلو. تتحول المساجد من مجرد دور عبادة إلي حصون وعي. ويصبح الدين جسرا للأمان لا وقودا للصراع.
وفي زمن اختلطت فيه الأصوات وارتفعت فيه رايات الزيف. يبقي الخطاب الديني الرشيد هو طوق النجاة. به تُحفظ الأوطان. وتصان العقول. ويُسترد المعني الحقيقي لرسالة الإسلام: رسالة الحياة والسلام والبناء.
ساحات الوعي
يقول د. حمدي طه الأستاذ بجامعة الأزهر إنه في عالم تتسارع فيه الأحداث وتتشابك فيه الأزمات. لم يعد التطرف والإرهاب مجرد خطر أمني عابر. بل تحول إلي معركة شاملة تمس الدين والفكر والثقافة قبل أن تمس السلاح والحدود. فهذه الآفة لا تنبت فجأة. وإنما تتسلل إلي العقول في لحظات الفراغ والجهل واليأس. مستغلة النصوص الدينية. ومحرفة مقاصدها. لتصنع من الدين ستارا للقتل والخراب.
يري أن أولي أدوات المواجهة هي تصحيح المفاهيم الدينية المغلوطة. عبر خطاب ديني رشيد يرد الأمور إلي نصابها. ويكشف زيف التأويلات المتشددة التي تختزل الدين في الصراع والعداء. فالإسلام الذي قرر حرمة الدماء. وجعل قتل النفس الواحدة كقتل الناس جميعًا. لا يمكن أن يكون دين تفجير وتكفير. وهنا تقع المسؤولية الكبري علي العلماء والدعاة في تبسيط صحيح الدين. وربطه بمقاصده الكبري في الرحمة والعدل وحفظ الأوطان.
وثاني أدوات المواجهة هو التعليم الواعي. فالعقل المتعلم هو أصعب العقول اختراقا.. المدارس والجامعات ليست مؤسسات علمية فقط. بل خطوط الدفاع الأولي عن وعي الشباب. فحين يُربي الطالب علي التفكير النقدي. وقبول الاختلاف. واحترام التنوع. يصبح محصنًا ضد دعاة الكراهية الذين لا يعيشون إلا في بيئة الجهل والانغلاق.
كما أن الإعلام والثقافة شريكان أساسيان في هذه المعركة. فالصورة والكلمة تصنعان الوجدان العام. إما أن تكرسا قيم التعايش والانتماء. أو تفتحا أبواب الفوضي الفكرية. ومن هنا تأتي أهمية تقديم نماذج إيجابية للشباب. تبرز قيمة العمل والنجاح الشريف. بدل تمجيد العنف وصناعة الأبطال الوهميين.
ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والاقتصادي. فالفقر والبطالة والتهميش بيئات خصبة لتجنيد الشباب في صفوف الجماعات المتطرفة. فالتنمية والعدالة الاجتماعية ليست فقط مطالب معيشية. بل أدوات وقاية أمنية طويلة المدي. فالشاب الذي يجد فرصة كريمة في وطنه. يصعب أن يقع فريسة لمن يبيعون له أوهام الخلافة والجنة الزائفة.
إلي جانب ذلك. تبقي المواجهة الأمنية ضرورة لا غني عنها. لحماية الأرواح وردع من حمل السلاح في وجه المجتمع. لكنها تظل الحلقة الأخيرة في سلسلة المواجهة. لا أولها. فالأمن يطفئ النار. أما الفكر فيمنع اشتعالها من الأساس.
اترك تعليق