مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

"الموت خطف عائلات بأكملها.. بيوت فارغه وقلوب مكسورة

محافظ المنيا من سرادق العزاء:
الدولة ولن تتخلى عن أبنائها في وقت الشدائد
اعانات عاجلة 10الاف جنية لأسر الضحايا

لم يكن الطريق إلى المحاجر يومًا مفروشًا بالورود، لكنه كان بالنسبة لهم الطريق الوحيد للحياة.. تسعة عشر شابًا وطفلًا، في أعمار مختلفة، جمعتهم الغربة داخل الوطن، وحملهم الفقر إلى صحراء قاسية لا تعرف الرحمة، خرجوا منذ أربعة أيام فقط من قريتي الديابة و أبو جناح من قرى مركز أبوقرقاص، عقب صلاة الظهر، بحثًا عن رزق يوم بيوم، لا يدخرون منه شيئًا، لكنه يبقي بيوتهم واقفة.


قبل التحرك بلحظات، جاءهم الاتصال المعتاد «تعالوا بعد الظهر.. الجرار جاي من بحري.. تحميل حجر بلوك».

لم يكن الاتصال جديدًا، ولا العمل غريبًا عليهم.

اعتادوا أن يشدّوا أحزمتهم، ويستعدوا لأصعب الأعمال، تحميل بلوك حجرية تزن أكثر مما تحتمله الأجساد النحيلة، لكنهم كانوا يتحملون الألم بصمت، لأن الأجر اليومي الذي يتراوح بين 150 و200 جنيه هو طعام أسر كاملة، ودواء مرضى، ومصروف أطفال ينتظرون عودة آبائهم مع الغروب.

اتصلوا بالسائق محمد جميل، ابن قريتهم، الذي يمتلك سيارة ربع نقل بيضاء اللون، ماركة ميتسوبيشي من طرازات التسعينات، ليقلهم من وإلى المحاجر.

كان الاتفاق بسيطًا كحياتهم يوصلهم، ينتظر انتهاء التحميل، ثم يعود مرة أخرى ليعيدهم إلى بيوتهم سالمين، كما حدث عشرات المرات من قبل.

كان يوم العمل شاقًا، الشمس حارقة، والحجر لا يلين، والعضلات تصرخ، لكنهم — كعادتهم — غنّوا وضحكوا. نسي بعضهم التعب، وتبادلوا المزاح، وتحدثوا عن بيوت تنتظر، وأطفال يسألون: «بابا هتتأخر؟».

كانوا فرحين رغم القسوة، راضين بنصيبهم، لا يشكون، ولا يطلبون أكثر من ستر يومهم.

ومع انتهاء التحميل، صعدوا إلى السيارة الربع نقل، محملين بالإرهاق والأحلام الصغيرة، وانطلقوا عبر الطريق الصحراوي الشرقي القديم، في زمام مركز المنيا، بالقرب من كمين الصفا، متجهين إلى الوجه القبلي، غير مدركين أن الطريق الذي اعتادوا عبوره سيغدر بهم هذه المرة.

في لحظة خاطفة، ظهرت سيارة تريلا مسرعة قادمة. من وجة قبلي ومتجها لوجة بحري، لم تمهلهم فرصة للهرب، ولا حتى للصراخ، دهست السيارة العمال والركاب دفعة واحدة، فتحوّل الغناء إلى صمت، والفرح إلى دم، والطريق إلى مسرح مأساة.

أسفر الحادث عن مصرع 11 عاملًا والسائق في الحال، بينما أُصيب 9 آخرون بإصابات بالغة، ما بين كسور ونزيف داخلي، حالتهم الصحية حرجة، يصارعون الألم داخل غرف العناية المركزة.

لم تكن الأرقام وحدها هي الفاجعة، بل القصص التي انكسرت.

في بيت واحد، لقي الأب نجله وشقيقه مصرعهما معًا، تاركين أسرة بلا سند.

وفي منزل آخر، رحل شقيقان وأُصيب الثالث، ليغلق الموت باب الرزق دفعة واحدة.

عشرات البيوت أُغلقت أبوابها فجأة، لا لأن أصحابها كسالى، بل لأن عائلها الوحيد لم يعد.

تحولت قرية الديابة إلى سرادق حزن كبير، صمت يخترقه البكاء، وأمهات ينتظرن من عادوا محمولين على الأكتاف بدل أن يعودوا على أقدامهم، وأطفال لا يفهمون لماذا لم يعد آباؤهم، وزوجات ينظرن إلى الأبواب المغلقة ولا يجدن إجابة.

هكذا انتهت رحلة الشقة ولقمة العيش، لم تنتهِ بعودتهم إلى منازلهم، بل بتشييعهم إلى مثواهم الأخير.

خرجوا بحثًا عن رزق شريف، فعادوا شهداء الطريق، ضحايا الفقر والعمل الشاق، تاركين خلفهم وجعًا لا يندمل، وقلوبًا مكسورة في كل بيت.

شارك محرر "بوابة الجمهورية" أهالي قريتي الديابة وأبو جناح أحزانهم، والتقى عددًا من أسر ضحايا حادث عمال المحاجر، في مشاهد إنسانية موجعة كشفت حجم الفقد الذي خلّفه الحادث داخل بيوت بسيطة لم يكن لديها من الدنيا سوى السعي خلف لقمة العيش، ولافتًا للنظر أن معظم الضحايا تجمعهم صلات قرابة وثيقة، إذ لقي 7 أشخاص من عائلة واحدة مصرعهم، بينهم مصاب، وهم أشقاء وأبناء عم وخال وعمومة من القريتين.

فولي خفاجي ( 30عاما )  وشقيقه عبد الدايم خفاجي (25 عامًا)، وهما شقيقان، وزوجتاهما شقيقتان، ويجمعهما أيضًا رباط قرابة كأبناء عمومة، يعملان باليومية في تحميل جرارات البلوك الحجري، خرجا معًا في رحلة رزق لم يعودا منها».

تقول فاطمة محمد ماضي (25 عامًا)، زوجة فولي خفاجي، إن زوجها كان يشعر في ذلك اليوم بأن «الأمر ليس طبيعيًا»، مؤكدة أنهم لم يكونوا ينوون العمل في ذلك اليوم، إذ اعتادوا انتظار اتصال سائق جرار البلوك القادم من الوجه البحري لتحميله، بأجر يومي يتراوح بين 150 و200 جنيه خلال 5 أو 6 ساعات.

وأضافت: «السواق اتصل وقال إنه هيتأخر من 4 لـ5 ساعات، فقرروا يشتغلوا مع حد تاني لحد ما الجرار يوصل، وكلمهم محمد جميل سواق الربع نقل وقالهم في جرار محتاج عمال… راحوا، وبعد ما خلصوا وهما راجعين حصلت الحادثة، وراح جوزي.. حسبي الله ونعم الوكيل في سواق التريلا».

وتتابع فاطمة بصوت يملؤه الانكسار: «ساب لي إرث تقيل، وترك فراغ كبير في البيت… البيت اتقفل واتخرب، مفيش راجل، وأنا معايا 4 أولاد: خفاجي في أولى ابتدائي 6 سنين، حمزة 4 سنين، ياسين سنتين، وزينب 6 شهور».

وتلتقط أطراف الحديث صفاء محمد ماضي (23 عامًا)، زوجة عبد الدايم خفاجي، قائلة إن المنزل بعد وفاة زوجها وشقيقه أصبح «مظلمًا»، مؤكدة أنهما كانا شعلة عمل من أجل الجميع، وأضافت: «إحنا عايشين في بيت مساحته 100 متر، مبني بالطوب الأخضر ومسقوف بالخشب، ومعايا 3 أطفال: رياض 4 سنين، زينب سنتين، مكة 7 شهور».

وأشارت صفاء إلى أن شقيقة زوجها، من ذوي الاحتياجات الخاصة، تقيم معهم بعد وفاة والديها، موضحة أن نصف المنزل غير صالح للمعيشة، وأن عدد أفراد الأسرة وصل إلى 10 أشخاص، كانوا يعتمدون بالكامل على دخل الزوجين اليومي الذي يتراوح بين 300 و400 جنيه. وأضافت: «بعد ما راحوا، البيت اتقفل واتخرب، لا أرض ولا مصدر دخل، رأس مالنا في الدنيا كان هما الاتنين».

وطالب أفراد الأسرة بمحاسبة المتسبب في الحادث، مؤكدين أنهم بلا أي مصدر رزق.

وقال محمد ماضي خفاجي (59 عامًا)، والد الزوجتين، إن ازواج أبناءه كانوا «أرزقية» ينتظرون اتصال سائقي جرارات البلوك الحجري قبل وصولهم المنيا بساعات، للتوجه إلى المحاجر وتحميل التريلات، موضحًا أن هذه كانت أول مرة يخرجون للعمل بعد أسبوع من التوقف، لكن القدر سبق الجميع.

"كارثة في أبو جناح:
فقدان زوج وأب يترك أسرة بأحضان الحزن والفقر

فيما لقي محمد علاء عبد الحفيظ، 30 عامًا، مصرعه في الحادث، وهو زوج عائشة خفاجي حافظ (20 عامًا)، شقيقة المتوفيين فولي خفاجي وعبد الدايم خفاجي، والمقيمة بقرية أبو جناح. تقول عائشة إنها تزوجت محمد منذ 8 سنوات، ورُزقت منه بطفلين، حبشي (11 عامًا) وبدوي (7 سنوات)، الذي يعاني من إعاقة حركية باليد، مؤكدة أن الحياة باتت قاسية عليها بعد رحيله.

وتضيف، وعيناها تغرقان في الدموع: «الحِمل بقى تقيل أوي، ومش عارفة أواجه الدنيا إزاي بعد اللي حصل… البيت عبارة عن أوضة وصالة وحمام على مساحة 50 متر، وواطي عن مستوى الشارع، ومسقوف بألواح خشب قديمة، ومياه المطر بتغرقنا، وحالتنا المادية معدومة، ومفيش لينا غير ستر ربنا».

وتتابع: «جوزي كان سندي وظهري وكل حياتي، ومش عارفة هنعيش إزاي بعد وفاته… حاجة صعبة أوي».

ومن جانبه، قال بدري علاء (42 عامًا)، شقيق المتوفي محمد علاء، إن شقيقه كان يحلم فقط بتعليم أولاده وتغيير سقف المنزل المتهالك، لكن ضيق الحال كان يقف عائقًا أمام أحلامه البسيطة. وأضاف أن شقيقه يعمل عاملًا في مطعم بأحد فنادق الغردقة، وكان يعود كل فترة إلى قريته ليقضي إجازته في العمل بالمحاجر، لسد احتياجات أسرته.

وأوضح أن يوم الحادث كان اليوم السادس من إجازة شقيقه، خرج فيه للعمل بالمحاجر بعد اتصال جاءه فجأة، رغم أنه كان مرهقًا، قائلًا: «طلع الشغل على رجليه ورجع في نقلة… أحلامه كانت بسيطة: يعلم ولاده ويوفر لهم أقل حياة كريمة، لكنه النصيب».

وأكد بدري أن شقيقه كان معروفًا في القرية بطيبته وشهامته، وكان يحمل البلوك الحجري على كتفيه ويحمّله للتريلا، ليعود بأجر يومي يُدخل به الفرحة على أولاده. وأضاف بحسرة: «لما كلموني افتكرتها حادثة بسيطة، لكن لما دخلت المشرحة شُفت جثة أخويا وحبيبي… ياريته ما طلع اليوم الشؤم ده».

واختتم حديثه قائلًا: «أنا ما فقدتش أخويا بس، ده فقدت أولاد عمتي أولاد خفاجي، وأولاد العمومة رجب وياسين حلمي… كارثة سودا، لكن راضين بقضاء ربنا وقدره».

قلوب محطمة:
أم تفقد ابنَيها في حادث المحاجر
وتبكي على طفلها المتبقي"

فيما قالت الحاجة نادية أبو زيد، والدة المتوفيين رجب حلمي (21 عامًا) وشقيقه ياسين (14 عامًا)، ووالدة المصاب محمود، إن الكارثة حلّت عليها في لحظة خاطفة، قائلة: «إحنا زي ما أنت شايف عايشين على بركة وستر ربنا… ولادي الاتنين راحوا مني في لمحة بصر، والثالث بيصارع الموت في العناية المركزة، وحالته حرجة، دعواتك له بالشفاء».

وأضافت، والدموع لا تفارق عينيها: «البيت اتهدّ، ومبقاش ليا سند غير محمود، ربنا يقومه بالسلامة… قلبي بيتقطع، وإحنا ناس غلابة، معندناش حاجة غير بيت 60 متر، مبني بالطوب اللين ومسقوف بالجريد، لكن الحمد لله مستورين بستر ربنا».

وتابعت بحرقة: «البيت اتقفل واتخرب، ومفيش للدنيا طعم بعد ولادي… مين هيعوضني عن عمري اللي راح فيهم؟ مفيش غير ربنا نشكيله».

وأشارت إلى أنها كانت تشعر بشيء غير مطمئن في ذلك اليوم، موضحة: «ولادي قالوا لي: يا أمه طالعين نحمل جرار غريب النهارده، قلت لهم ربنا يسترها عليكم، لكن محمود آخر العنقود قلت له خليك معايا، قال لي: خمس ساعات ونرجع بسرعة، ما تقلقيش… تعبنا كل يوم نشيل البلوك الحجري على كتافنا».

وأضافت: «كان مصر يطلع، وإصراره كان غريب، وكأنه بيودّع إخوته… ربنا سترها ومخدش محمود علشان البيت ما يتقفلش بالضبة والمفتاح».

وأكدت الأم المفجوعة أنها لا تزال غير مصدقة لما حدث، قائلة: «اللي حصل ده كأنه حلم مش حقيقي… أنا ربيت وتعبت ، وملحقتش أفرح بولادي، نفسي أحضنهم التلاتة».

وكشفت أن زوجة نجلها المتوفي رجب حلمي حامل في شهرها السادس، وسيولد طفلًا يتيمًا، مطالبة بالدعاء لابنها المصاب محمود بالشفاء العاجل.

ومن جانبه، قال مصطفى حسن أبو زيد، ابن عم الضحايا، إن الأسرة من أبسط بيوت القرية، وتعمل باليومية لتأمين قوت يومها فقط، مضيفًا: «بالنسبة لهم المبلغ اللي بياخدوه قليل، لكن ده أكل عيشهم الوحيد… مفيش لهم أي مصدر دخل تاني».

وأوضح أن الضحايا كانوا ينتظرون جرارًا وعدهم صاحبه بالتأخر 4 ساعات، فقرروا الخروج للعمل مع جرار آخر في ذلك اليوم المشؤوم، قائلًا: «طلعوا يشيلوا جرار تاني علشان اللحم اللي في رقبتهم، لكن ما رجعوش».

"الموت يخطف سند الحياة:
قدان الابن عيد صادق يحطم قلب الأب وشقيقي رمضان

ومن ناحية أخرى، فقد صادق عيد نجله عيد صادق (14 عامًا)، الطالب بالصف الثاني الإعدادي، أحد ضحايا حادث عمال المحاجر. يقول الأب المفجوع إن نجله كان سندَه وظهرَه في الحياة رغم صغر سنه، موضحًا: «كان يخرج من المدرسة على المحاجر مباشرة، حاسس بالمسؤولية من وهو طفل… كان طفلًا راجلًا، جدع وطيب وصاحب صاحبه».

وأضاف أن لديه 8 أبناء بخلاف عيد، وهم: هدى (22 عامًا – متزوجة)، بوثينا (18 عامًا)، رقيّة (16 عامًا)، ثم عيد، وفاطمة (9 سنوات)، جنى (7 سنوات)، ومصطفى (6 سنوات) بالصف الأول الابتدائي، مؤكدًا أن عيد كان أمله الأكبر في الحياة، وصديقه وأخاه قبل أن يكون ابنه.

وتابع بحسرة: «كنت مطمّن إن في راجل وسند في البيت من بعدي، لكن راحت الأماني كلها… البيت بقى فاضي، والظلام غطّاه، وأنا بتقطع ومحدش حاسس بينا».

ووجّه الأب اتهامه لسائق التريلا المتسبب في الحادث، قائلًا: «حسبي الله ونعم الوكيل في سواق التريلا… الموت خطف أعز الناس ليا، ابني، كنت نفسي أعلمه تعليم عالي ويكون عكازي في الدنيا، لكن دي مشيئة ربنا وقضاؤه».

"زوجي رحل وبيتي انهدم:

دموع أرملة رمضان عيد صادق تحكي مأساة الطفلة اليتيمة"

وتلتقط أطراف الحديث إسماء إسماعيل، زوجة رمضان عيد صادق، أحد المتوفين، قائلة إنها لا تطلب من الدنيا شيئًا سوى عودة زوجها، مضيفة: «أنا مش عايزة حاجة غير جوزي… البيت بقى دمار وخراب بعد وفاته احنا لينا سنتين متجوزين بس».ا

وتابعت والدموع تسبق كلماتها: «سيب لي بنته هدى عندها 6 شهور، لما تكبر أقول لها إيه؟ بنت اتيتمت من غير ذنب… حسبي الله ونعم الوكيل».

وأضافت أن زوجها كان مترددًا في الخروج للعمل يوم الحادث، قائلة: «كان بيقولي مش عاوز أطلع الشغل النهارده، ولما السواق رن وقال عاوزين أنفار يحملوا، قلبي كان بيلعب، حاسة إن في حاجة غريبة… ياريته ما طلع، لكن الاحتياج كان أقوى من أي حاجة».

يُذكر أن المتوفي رمضان (26 عامًا)، من ضمن   قائمة الأسر التي باتت بلا عائل بعد الحادث.

"اليتيم الحي وفاة خلف علي خلف
تترك الأم وأخته بلا سند وحياة محطمّة

وتتجسّد المأساة الإنسانية في وفاة خلف علي خلف (17 عامًا)، أحد أصغر ضحايا الحادث. تقول والدته هناء عبد ربه (35 عامًا)، مطلّقة، إن نجلها كان «رجل البيت» والعائل الوحيد للأسرة، موضحة: «خلف كان هو السند والظهر، بيعولنا أنا وأخته فاطمة (14 سنة)، وكمان جوز أخته داليا (20 سنة)… كان مصدر رزقنا الوحيد وكل حياتنا».

وتضيف الأم المكلومة: «بعده انكسرنا واتيتّمنا وإحنا أحياء… البيت اتقفل، ومبقاش في حد يصرف علينا أو يحس بينا وباحتياجاتنا». وتتابع بحرقة: «كان بيصحى بدري يجيب لنا الفطار وطلبات البيت، ويقعد معانا نضحك ونتكلم، وبعدين يروح الشغل ويرجع مطحون وتعبان، ولما أقوله ارحم نفسك كان يقولي: لازم أتعب علشان البنات اللي عايزة تتجوز دول في رقبتي يا أمي».

وتشير هناء عبد ربه إلى أن نجلها كان يحمّل نفسه فوق طاقته، ويحرم نفسه من أجل أسرته، قائلة: «كان شقيان علشانّا، وأنا واثقة إنه في مكان أحسن دلوقتي، في دار الحق، ربنا يرحمه ويصبرنا».

وتختم حديثها بصوت مكسور: «إزاي أعيش من غيره؟ قلبي مكسور، وياريتني كنت مكانه».

رحل السند وبقي الحمل الثقيل:

وردة فرحات تواجه الحياة وحيدة بعد وفاة زوجها

وردة فرحات، زوجة المتوفى نجيب كمال نجيب، تقف اليوم وحيدة بعد رحيل زوجها، الذي كان نعم الزوج المكافح والمحب لأسرته. تقول وردة: «كان يقوم كل يوم صباحًا باكرًا للعمل والسعي على رزقنا، وكان رجلًا صالحًا بمعنى الكلمة، يساعد الجميع ولا يترك البيت أبدًا بدون سند». وتضيف: «بعد وفاته، ترك لي ثلاثة أطفال، والبيت أصبح فارغًا من حضوره وسنده، والمسؤولية كلها على عاتقي، لكن سأستمر من أجلهم وأحاول أن أكون قوية رغم كل الألم».

بيت بلا أب:

وفاة ياسر منصور تترك زوجته وأطفاله في مواجهة الفقد

أوضحت زينب محمد فاروق (28 عامًا)، زوجة المتوفى ياسر منصور عبد الحكيم (30 عامًا)، أن زوجها ترك وراءه أطفالًا صغارًا يعتمدون على قوت يومهم ومسؤوليتهم. قالت زينب: «فقدان ياسر قلب حياتي رأسًا على عقب… كان سندي في كل شيء، واليوم ترك لي أطفالنا بلا أب، والبيت أصبح مكانًا مليئًا بالفراغ والحزن». وأضافت: «سأحاول أن أكون قوية من أجلهم، رغم الصعوبة والألم الكبير، وأدعو الله أن يمنحنا الصبر والقوة لتجاوز هذه المحنة»

قسمة ونصيب على طريق الموت:
أول رحلة مع سائق جديد تتحول إلى فاجعة جماعية

وأكد أهالي القرية أن السائق المتوفى محمد جميل ناجح (21 عامًا)، مقيم بقرية أبو جناح، وهو صاحب سيارة ميتسوبيشي ربع نقل التي كانت تقل الأنفار في طريقهم لتحميل الجرار، مشيرين إلى أن الضحايا تجمعوا معًا في تلك الرحلة، وكانت هذه المرة الأولى التي يخرجون فيها للعمل برفقته، إذ اعتادوا التعامل مع سائق آخر، إلا أن قسمة ونصيب شاءتا أن تكون هذه الرحلة الأخيرة.

وأوضح الأهالي أن السيارة كانت تسير في أمان الله على الطريق المدق، أثناء عودتهم من العمل، قبل أن تفاجئهم سيارة تريلا كانت تسير بسرعة جنونية، فدهست  الربع نقل وحولتها إلى كومة من الخردة، ما أسفر عن مصرع مستقليها في الحال.

وأضافوا أن الحادث أسفر أيضًا عن إصابة عمرو جميل ناجح ابن شقيقه

الاحتياج كاد يقتلهم:
إصابة عماد عاطف ونجليه
في حادث المحاجر وصراع أسرة مع الألم

 كما أُصيب عماد عاطف محمد (32 عامًا) ونجلاه عاطف (14 عامًا) وياسر (12 عامًا)، حيث يتلقون العلاج حاليًا بمستشفى المنيا الجامعي.

وقال عاطف محمد (61 عامًا)، جد الطفلين، إن نجله عماد خرج في ذلك اليوم المشؤوم للعمل بالمحاجر برفقة نجليه، مضيفًا: «أول ما جالي الخبر ما قدرتش أتماسك، وانهرت من البكاء، وجرينا على المستشفى… والحمد لله قدر ربنا كان أرحم، وطلعوا مصابين وربنا كرمنا وخرجوا بالسلامة، ما عدا ياسر لسه حالته متعبة، وعايز دعواتكم».

وأضاف الجد بحسرة: «الاحتياج هو أكتر حاجة بتكسر الإنسان… لو عماد كان عرف يعلّم ولاده تعليم كويس، كانوا دلوقتي موظفين محترمين بدل الشغل باليومية، يوم في شغل ويوم مفيش».

وأوضح أن نجله عماد يعول خمسة أبناء، هم: عاطف، ياسر، محمد (11 عامًا)، حنين (5 سنوات)، وسندس (3 سنوات)، ويقيمون في منزل مساحته 70 مترًا، مبني بالبلوك، في ظل ظروف معيشية صعبة، مشيرًا إلى أن العمل بالمحاجر لم يعد كما كان من قبل، والمصاريف تزداد يومًا بعد يوم.

كما أسفر الحادث عن إصابة كلٍ من

محمد أحمد ماضي،. محمد أحمد محمد عثمان،

علي صفوت علي،. رمضان فرحات أحمد،عمرو جميل ناجح. مصطفى ناجح، ابن عم السائق المتوفى، حيث جرى نقله إلى مستشفى المنيا الجامعي لتلقي العلاج، ولا يزال يرقد هناك تحت الرعاية الطبية.

محامي الضحايا:
تحليل المخدرات يثبت تعاطي سائق التريلا
ومطالب بالقصاص والتعويض

أكد علاء خيري عبدالسند، محامي أهالي ضحايا حادث لقمة العيش بقريتي الديابة وأبو جناح، أن التحقيقات ما زالت جارية مع سائق النقل الثقيل المتسبب في الحادث، بعد ثبوت تعاطيه مواد مخدرة وفق تحليل رسمي. وأوضح أن القضية تُتابع أمام جهات التحقيق للمطالبة بتوقيع أقصى عقوبة، وصرف التعويضات المستحقة للضحايا والمصابين، سواء من المتهم أو عبر شركة التأمين. كما طالب بدعم اجتماعي عاجل لأسر الضحايا والمصابين، وتغليظ عقوبات حوادث الطرق، وإجراء تحاليل مخدرات دورية لسائقي النقل الثقيل كشرط لتجديد الرخص، حفاظًا على أرواح المواطنين

حبس سائق التريلا 15 يومًا
بعد ثبوت تعاطيه المخدرات في حادث عمال محاجر المنيا

أمر المستشار محمد أبو كريشة، المحامي العام لنيابات جنوب المنيا، بسرعة تشكيل فريق من أعضاء نيابة مركز المنيا للتحقيق في واقعة حادث تصادم سيارة ربع نقل كانت تقل عمال محاجر مع سيارة تريلا، والذي أسفر عن مصرع وإصابة 20 شخصًا، بينهم سائق سيارة الربع نقل، وذلك عقب معاينة مسرح الحادث.

كما وجّه المحامي العام:

أولًا: التصريح بدفن الجثامين عقب الانتهاء من أعمال الصفة التشريحية.

ثانيًا: سرعة إجراء تحريات المباحث حول الواقعة وظروفها وملابساتها.

ثالثًا: انتداب لجنة فنية من إدارة مرور المنيا لفحص المركبتين المتسببتين في الحادث، وبيان حالتهما الفنية، وتحديد سبب وقوع الحادث، والاستعلام عن مالك كلٍ منهما.

رابعًا: سماع أقوال المصابين فور تحسّن حالتهم الصحية، إلى جانب الاستماع إلى أقوال شهود العيان، للوقوف على الأسباب الحقيقية للحادث.

خامسًا: سرعة ضبط وإحضار سائق سيارة التريلا المتسبب في وقوع الحادث، وإجراء تحاليل المواد المخدرة له.

وتمكن رجال المباحث من ضبط المتهم أحمد رمضان محمد ثابت، 28 عامًا، سائق سيارة التريلا، ومقيم بمركز منقباد بمحافظة أسيوط، وبعرضه على قاضي المعارضات بمحكمة المنيا الجزئية، قرر حبسه 15 يومًا على ذمة القضية، مع تجديد حبسه اليوم، لثبوت تعاطيه المواد المخدرة، وتحديدًا «الترامادول»، فضلًا عن قيادته بسرعة زائدة، ما تسبب في وقوع الحادث

محافظ المنيا:
ضحايا حادث المحاجر «شهداء لقمة العيش»
والدولة لن تترك أسرهم وحدها

قال اللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، إن الكلمات تعجز عن وصف حجم الألم الذي خلّفه حادث تصادم عمال المحاجر على الطريق الصحراوي الشرقي، مؤكدًا أن قلوب أبناء المنيا جميعها تنزف حزنًا على شباب خرجوا من بيوتهم بحثًا عن لقمة عيش حلال، ولم يعلموا أن طريق الرزق سيتحوّل إلى طريقهم الأخير.

وأضاف المحافظ، خلال تقديمه واجب العزاء لأسر الضحايا داخل سرادقي العزاء المُقام. بقرية الديابة  ، وسط حضور كثيف تجاوز ألف شخص من أسر الضحايا وأهالي القريتين والقرى المجاورة، أن الضحايا هم «شهداء لقمة العيش»، تركوا خلفهم أسرًا مكلومة، وأطفالًا ينتظرون عودة آبائهم التي لن تأتي، وأمهاتٍ فُجعن في فلذات أكبادهن، مشددًا على أن الدولة تشعر بآلامهم وتقف إلى جوارهم في هذه اللحظات القاسية.

وأكد اللواء عماد كدواني أنه يشارك الأسر حزنها لا بصفته مسؤولًا فحسب، بل أبًا وأخًا يشعر بما يشعرون به، مشيرًا إلى أن المحافظة لن تترك أسرًا فقدت عائلها الوحيد تواجه مصيرها بمفردها، وأن الدولة ستظل حاضرة لدعم أبنائها في أوقات الشدّة. كما أعلن تحديد موعد قريب للقاء جميع أسر الضحايا بديوان عام المحافظة، للاستماع إليهم والعمل على تلبية متطلباتهم المشروعة، بما يضمن لأبنائهم حياة كريمة ويخفف من وطأة الفاجعة.

وفي إطار الدعم الفوري، وجّه محافظ المنيا بصرف مساعدات مالية عاجلة بقيمة 10 آلاف جنيه لكل أسرة من أسر المتوفين والمصابين في الحادث، لحين الانتهاء من صرف التعويضات المقررة، إلى جانب التشديد على سرعة تقديم الرعاية الطبية الكاملة للمصابين داخل مستشفى صدر المنيا، وتوفير الأدوية والعلاج اللازم دون أي تأخير، مع استمرار المتابعة الطبية الدقيقة للحالات الحرجة.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق