لم تعد القري المصرية مجرد بقع هادئة علي خريطة الوطن. بل تحولت إلي قلاع إنتاج حقيقية. تنبض بالعمل. وتكتب فصولًا جديدة في ملحمة" صُنع في مصر" من ورش الحرف التراثية إلي مصانع الملابس والمنتجات الزراعية والغذائية. خرجت منتجات القري المنتجة من حدود المحلية لتغزو الأسواق الإقليمية والعالمية بجودة تنافس أعرق العلامات. وبأسعار ذكية تعكس كفاءة الإنتاج وروح الاجتهاد المصري.
هذا التحول لم يأتِ مصادفة. بل كان ثمرة اهتمام مباشر من القيادة السياسية التي وضعت دعم الصناعات الصغيرة والحرف التراثية والاقتصاد المحلي في قلب استراتيجية الدولة للتنمية الشاملة.. فتم فتح مسارات التسويق. وإتاحة التمويل. وربط القري بالمعارض الدولية وسلاسل التصدير. ليصبح المنتج الريفي سفيرًا للاسم المصري في الخارج. وعلامة ثقة لدي المستهلكين حول العالم.
ويؤكد خبراء الاقتصاد والتنمية أن نجاح القري المنتجة يمثل رافعة حقيقية للاقتصاد الوطني» إذ أسهم في زيادة حصيلة الصادرات. ورفد الخزانة العامة للدولة بمليارات الجنيهات. فضلًا عن توفير آلاف فرص العمل للشباب. وتحويل القري من مناطق طاردة للسكان إلي مراكز جذب للإنتاج والاستثمار.. إنها تجربة تنموية تُثبت أن مستقبل الاقتصاد لا يُصنع فقط في المصانع الكبري. بل أيضًا في أيادي البسطاء الذين حولوا المهارة إلي قيمة. والتراث إلي ثروة وطنية مستدامة.
في قلب دلتا مصر. وعلي بُعد خطوات من مدينة طنطا. تقف قرية "حصة شبشير" نموذجًا نادرًا لقرية صنعت مجدها بيد أبنائها. وجمعت بين نور القرآن وبركة العسل. هنا لا مكان للبطالة. ولا تعرف البيوت المقاهي. بل تتعانق خلايا النحل مع كتاتيب تحفيظ كتاب الله. لتصنع قرية فريدة تحوّلت إلي عاصمة مصر غير المعلنة لإنتاج العسل وتربية النحل. وواحدة من أبرز القري المصدِّرة لهذا ?الذهب السائل? إلي الخارج.
تُعد "حصة شبشير" من أكبر القري النموذجية المنتجة للعسل علي مستوي الجمهورية. يشير أبناء القرية إلي أن أكثر من 90% من السكان يعملون في تربية النحل وإنتاج العسل ومستلزماته. في منظومة متكاملة تبدأ من المناحل الصغيرة التي يديرها شباب القرية. ولا تنتهي بالمناحل الكبري والتصدير الخارجي.
يقول أمين عرفات. أحد أبناء القرية والعاملين بالمجال. إن المهنة توارثها الأهالي جيلًا بعد جيل. حتي أصبحت العمود الفقري للاقتصاد المحلي. مؤكدًا أن "حصة شبشير" تُعرف بكونها قرية بلا بطالة. حيث يعمل الجميع تقريبًا في النحل ومشتقاته. إلي جانب تفوق أبنائها علميًا ووجود عدد كبير من علماء الأزهر وأساتذة الجامعات والأطباء.
يمر إنتاج العسل في القرية بدورة موسمية منظمة ففي موسم البرسيم تُنقل خلايا النحل إلي المحافظات ذات المساحات الواسعة من زراعته. حيث يجمع النحل الرحيق وحبوب اللقاح بكفاءة عالية ومع حلول موسم الموالح. تنتقل الخلايا إلي المناطق الجبلية المشهورة بزراعة البرتقال واليوسفي والليمون لمدة تصل إلي 45 يومًا. قبل العودة إلي القرية لفرز العسل وجمعه وفق معايير دقيقة تضمن الجودة والنقاء.
لا تقتصر أنشطة أهالي "حصة شبشير" علي إنتاج العسل فقط. بل تمتد إلي تجارة مستلزمات تربية النحل وبيع الطرود علي مدار العام. ويؤكد عمران بدران أن فصل الشتاء يُعد مرحلة إعداد وتجهيز. حيث يتم تغذية النحل ببدائل الرحيق مثل "الكاندي" والتغذية السكرية لضمان استمرار الخلايا في أفضل حالاتها.
كما تنتج المناحل منتجات متعددة. من بينها الشمع. حبوب اللقاح. غذاء ملكات النحل. البروبوليس. وحتي سمّ النحل الذي يُستخدم في بعض العلاجات. خاصة آلام المفاصل والظهر.
إلي جانب ريادتها الاقتصادية. تحظي "حصة شبشير" بمكانة روحية خاصة. إذ تنتشر الكتاتيب ودور تحفيظ القرآن في كل أرجائها. ولا يكاد يخلو منزل من حافظ أو أكثر لكتاب الله. وهو ما منحها لقب قرية " الشفاءين: القرآن والعسل". في صورة نادرة للجمع بين القيم الدينية والعمل والإنتاج.
تنتج "حصة شبشير" والقرية المجاورة لها "شبشير" أكثر من 70% من إجمالي العسل المصري
رغم أن تعداد سكان القريتين لا يتجاوز 18 ألف نسمة.. كما تُعد القرية من أوائل المناطق التي بدأت تصدير النحل الحي إلي الخارج منذ أكثر من 30 عامًا. خاصة إلي السعودية والإمارات. عبر ما يُعرف بـ "النحل المرزوم".
ويؤكد خبراء أن وجود أكثر من 3 آلاف نحّال في القريتين. واعتماد الأهالي الكامل علي النحل كمصدر رزق. جعلا منهما مركز ثقل لهذه الصناعة في مصر. فضلًا عن أن النحل يسهم في تلقيح أكثر من 70% من المحاصيل الزراعية. ويرفع إنتاجية بعض المحاصيل بنسبة تصل إلي 30% رغم هذا النجاح اللافت. لا تخلو المسيرة من تحديات» أبرزها تفاوت أسعار العسل بحسب الجودة دون تسعير عادل. وارتفاع تكاليف التربية خاصة أسعار السكر. إضافة إلي مشكلات التصدير وانخفاض العائد المادي مقارنة بالمجهود المبذول. كما يطالب النحالون بفتح أسواق جديدة. خاصة في أوروبا. وإنشاء مراكز تدريب مرخصة لتعظيم الاستفادة من منتجات النحل المختلفة.
يوضح أبناء القرية أن العسل الطبيعي يتميز بتبلوره في فصل الشتاء. ودرجة لزوجته العالية. ويمكن التأكد من جودته عبر التحاليل المعملية. مع النصيحة الدائمة بالشراء من نحال موثوق.. بين خلايا النحل وصفحات المصحف. صنعت" حصة شبشير" نموذجًا مصريًا نادرًا للتنمية من القاعدة إلي القمة» قرية أثبتت أن العمل الشريف والمعرفة يمكن أن يحوّلا قرية صغيرة إلي قوة إنتاجية وطنية. وإلي علامة مصرية مسجلة في أسواق العسل حول العالم.
أكد فتحي بحيري رئيس اتحاد النحالين العرب. أن القرية تُعد واحدة من أبرز القري المنتجة في مصر والمنطقة العربية. وتحظي بمكانة خاصة داخل قطاع تربية النحل. حتي أصبحت تُعرف بين العاملين بالمجال بأنها "قبلة النحالين" في الوطن العربي.
وأوضح بحيري أن القرية تحتضن كبار النحالين الرواد. إلي جانب مصانع تعبئة العسل. وورش تصنيع مستلزمات الإنتاج. وشركات تصدير متخصصة. مشيرًا إلي أن أكثر من 70% من صادرات طرود النحل الحي علي مستوي العالم تخرج من "حصة شبشير". التي تمثل نموذجًا مشرفًا لقري مصر. وتتميّز بكونها خالية تمامًا من البطالة.
وأضاف. أن عدد النحالين في القرية كان في بداياته محدودًا للغاية. لكنه شهد طفرة كبيرة مع إدخال مفهوم القيمة المضافة. الذي غيّر شكل الصناعة بالكامل. فلم يعد النشاط مقتصرًا علي تربية النحل فقط. بل توسّع ليشمل إنشاء مصانع لإنتاج الأغذية الخاصة بالنحل. وورش ومصانع للأخشاب لإنتاج خلايا النحل والبراويز. ما جعل القرية تضم شبكة واسعة من الورش والمصانع التي لا تلبّي احتياجات السوق المحلي فحسب. بل تُصدّر منتجاتها إلي أوروبا وأمريكا وعدد كبير من دول العالم.
وأشار رئيس اتحاد النحالين العرب إلي أن القرية شهدت أيضًا إنشاء مصانع لتعبئة وتغليف العسل وتصدير أجود أنواعه للأسواق الخارجية. فضلًا عن إدخال العسل في صناعات متعددة. مثل الأدوية ومستحضرات التجميل. إلي جانب إنتاج سم النحل. وحبوب اللقاح. وغذاء الملكات.
وأكد أن هذه الطفرة أسهمت في تنويع المنتجات الخارجة من خلية النحل إلي أكثر من تسعة منتجات. ما أدي إلي تطوير الصناعة وجذب أعداد متزايدة من الشباب للعمل بالمجال. ولفت إلي أن" حصة شبشير" باتت صناعة متكاملة تحتاج إلي عمالة ماهرة. ويتم حاليًا تدريب الشباب علي إنتاج منتجات خالية من آثار المبيدات والعقاقير. لتكون منتجات بيولوجية مطابقة للاشتراطات الدولية وقابلة للتصدير إلي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
لم تكن قرية نجع عون التابعة لمركز كفر الدوار بمحافظة البحيرة سوي نقطة منسية علي الخريطة. تعاني العزلة وقلة الموارد وندرة فرص العمل. حتي باتت لسنوات ضمن القري الأكثر فقرًا. لكن إرادة أهلها. ووعيهم بأن الكرامة تبدأ من العمل. قلبا المعادلة رأسًا علي عقب.. اليوم. تحولت القرية إلي نموذج وطني فريد للتنمية الذاتية. حيث لا بطالة تقريبًا. ولا مقاهي للفراغ. بل ورش. ومشاغل. ومشروعات إنتاجية تمد مئات الأسر بمصدر رزق كريم. وتفتح آفاقًا جديدة للتصدير والحرف المتخصصة.
يرفع أهل نجع عون شعارهم البسيط والعميق:" أكلنا ولبسنا من صنع إيدينا".. ومن خلال هذا الإيمان. انتقلوا من تلقي المساعدات إلي صناعة الفرص.. بدأت القصة بماكينتي خياطة فقط. ثم توسعت لتشمل مشروعات متعددة: السجاد والكليم اليدوي. الكروشيه والتاتينج. دبغ الجلود. زراعة الأسطح بنظام الهيدروبونيك. إنتاج الحرير الطبيعي من دودة القز. تفريخ الدواجن. ومنحل للعسل. وحضانات للشعير المستنبت. لتصبح القرية ورشة عمل مفتوحة تنبض بالحياة.
يحمل النجع اسمه نسبة إلي شيخ كان يُدعي "عون". لكن الاسم اليوم بات مرادفًا للتحدي والتنمية وعلي عكس ما اعتادت عليه القري الريفية. تُحل الخلافات عرفيًا داخل المجتمع. ولا يلجأ الأهالي لأقسام الشرطة إلا لاستخراج الأوراق الرسمية.. اقتصاديًا. كانت العزلة وصعوبة الطرق عائقًا أمام العمل خارج القرية. لكن أبناءها قرروا كسر الدائرة. وتبنوا فلسفة:" لا تعطني سمكة. بل علّمني كيف أصطاد".. انطلقوا أولًا في مجال الخياطة وتوريد الملابس لمصانع بالإسكندرية ثم القاهرة. قبل أن تتشعب المشروعات وتترسخ ثقافة العمل والإنتاج.. اليوم. يفتخر الأهالي بأن البطالة اختفت بنسبة تقارب 95%. وأن القرية تضم 11 ورشة إنتاجية. وأصبحت مصدرًا لتصدير العمالة الماهرة ةتغيّرت أنماط الحياة. وتحسنت المنازل. وتبدلت الثقافة الاستهلاكية. ليحل محلها وعي بالاعتماد علي الذات وبناء المستقبل بالحرفة والمعرفة.
داخل مشاغل السجاد. تجلس فتيات وسيدات القرية أمام الأنوال. تنسج أناملُهن لوحات فنية بخيوط الحرير والصوف.. العمل يبدأ بصورة يرسلها العميل. تمر علي الرسّام لتفريغ التصميم. ثم تُقسَّم علي العاملات بدقة.
سعر أغلي سجادة وصل إلي 21 ألف جنيه. فيما يبلغ سعر المتر نحو 3500 جنيه وقد يستغرق إنجاز السجادة الواحدة ما يقرب من ثلاثة أشهر. إذ تنتج العاملة في المتوسط 4 آلاف عقدة و15 خطًا يوميًا. مع تسجيل يومي للإنجاز إنها صناعة تحتاج تركيزًا وصبرًا. لكنها تخلق قيمة حقيقية ومنتجًا ينافس أكبر المصانع.
ومن السجاد إلي الكليم. تتنافس الفتيات في نسج قطع بألوان زاهية وجودة عالية. فيما تشهد مشاغل الكروشيه والتاتينج إنتاج قطع فنية مميزة بأسعار تنافسية. رغم محدودية التسويق التي تقتصر حاليًا علي معارض داخل البحيرة والإسكندرية. اللافت أن كثيرًا من الفتيات يوازين بين الدراسة والعمل. ليصبح اليوم منقسمًا بين التعليم والصناعة.
رغم أن الزراعة التقليدية هي السائدة في الدلتا. نجحت القرية في تطبيق نظام الهيدروبونيك لزراعة الأسطح دون تربة تُستخدم مواسير بلاستيكية وأكواب تُثبت فيها النباتات. في منظومة موفرة للمياه ومرتفعة الإنتاجية. وتُنتج محاصيل عضوية خالية من المبيدات.. بدأ المشروع منذ نحو تسع سنوات بتكلفة لا تتجاوز 1500 جنيه. ثم توسّع ليشمل محاصيل مثل الفول الحراتي. الطماطم. الجرجير. الخس. الفجل. الباذنجان. الكابوتشي. والفراولة. محققًا اكتفاءً ذاتيًا وفرص دخل مستقرة.
في خطوة نادرة داخل القري. أنشأ الأهالي حضانات لتربية دودة القز وزراعة أشجار التوت التي تتغذي عليها. ثم معامل لاستخلاص الخيوط واستخدامها في صناعة السجاد. هكذا تحولت القرية إلي منظومة إنتاج مكتملة من الزراعة إلي الصناعة. تقلل التكلفة وتعظم القيمة المضافة محليًا.
كما تُدبغ جلود الحيوانات داخل القرية وتحول من خامة معرضة للتلف إلي منتج متين ومرن صالح للتصنيع. مستفيدين من الثروة الحيوانية كمصدر رئيسي لهذه الصناعة. في نموذج آخر لإعادة تدوير الموارد وتعظيم العائد.
تقول إحدي سيدات القرية:"كنا بلا دخل. ننتظر المساعدات. اليوم لدينا دخل ثابت. ونعلم أبناءنا الحرف بعد المدرسة نساعد بناتنا علي إقامة مشروعات صغيرة عند الزواج. ليبدأن حياتهن وهن قادرات علي إعانة أسرهن."
هكذا تحولت المساعدات المؤقتة إلي استدامة اقتصادية قائمة علي المهارة.
الشرقية - عبدالعاطي محمد:
في قلب دلتا النيل. حيث تختلط رائحة الطمي بتاريخ آلاف السنين. تقف قرية "القراموص" مركز أبو كبير شاهدًا حيًا علي عبقرية المصري القديم. وحارسًا أمينًا لإحدي أقدم صناعات البشرية ورق البردي.. ليست القراموص مجرد قرية ريفية عادية. بل متحفًا مفتوحًا للتراث. وورشة نابضة بالحياة. وذاكرة وطنية ما زالت تُنسج بأيدي أبنائها كما كانت تُنسج في زمن الفراعنة.
اليوم. وبينما يتزايد الاهتمام العالمي بالصناعات اليدوية والتراث غير المادي. تتحول القراموص من قرية منتِجة إلي مشروع حضاري متكامل. يربط الماضي بالحاضر. ويحوّل الحرفة القديمة إلي رافعة للتنمية والسياحة الريفية والاقتصاد المحلي.
يروي الحرفي سعيد طرخان أن قصة البردي في القراموص بدأت قبل أكثر من 55 عامًا. عندما جلب الدكتور أنس مصطفي. أستاذ الفنون الجميلة. شتلات نبات البردي وزرعها أمام منزله. لم تمر سوي سنوات قليلة حتي بدأ الأهالي يتوافدون لشراء النبات وقت الحصاد. لتتحول التجربة الفردية إلي صناعة جماعية. أصبحت مع الوقت العمود الفقري لاقتصاد القرية.
وفي سبعينيات القرن الماضي. امتدت زراعات البردي لتصل إلي نحو 500 فدان. لتصبح القراموص بحسب الحرفيين القرية الوحيدة في العالم التي ما زالت تحافظ علي صناعة ورق البردي بالطريقة اليدوية التقليدية.
هنا. لا يُنظر إلي البردي بوصفه مجرد ورق. بل كتراث حيّ. تبدأ الرحلة من زراعة النبات في الحقول. مرورًا بالحصاد. والتقشير. والتقطيع إلي شرائح. ثم النقع والرَّص المتعامد والضغط والتجفيف تحت أشعة الشمس. ليخرج في النهاية ورقًا متينًا صالحًا للرسم والطباعة.. تُزين صفحاته بالرموز والزخارف الفرعونية أو يُستخدم في الطباعة الحديثة. ليصبح منتجًا يجمع بين عبق التاريخ وروح الابتكار المعاصر.
من التراث إلي السياحة الريفية
وفي خطوة طموحة لنقل هذه الحرفة من نطاقها المحلي إلي فضاء التنمية الشاملة.
أعلن المهندس حازم الأشموني. محافظ الشرقية. عن إنشاء مشروع "قرية البردي" علي مساحة 3300 متر مربع داخل القرية. ويستهدف المشروع تحويل القراموص إلي مركز متكامل للخدمات السياحية والحرفية. يضم ورشًا تدريبية لصناعة البردي. ومساحات للإبداع. وأماكن استقبال للزائرين. وجلسات ريفية. بما يعزز مكانتها علي خريطة السياحة الثقافية.
وأكد المحافظ أن دعم الحرف التراثية يأتي علي رأس أولويات المحافظة. مشددًا علي أن "القراموص" تمثل نموذجًا حيًا لتحويل التراث إلي تنمية حقيقية واقتصاد مستدام. لافتًا إلي حرص المحافظة علي حماية الصناعات اليدوية من الاندثار باعتبارها مرآة لهوية الشعوب. ومجالًا للابتكار. ومصدرًا لتحسين الدخل وتوفير فرص العمل وتنشيط الحركة التجارية والسياحية.
وأشار "الأشموني" إلي أن المشروع يجري تنفيذه علي ثلاث مراحل منذ عام 2024. تم الانتهاء من المرحلة الثانية. ويجري الاستعداد للمرحلة الثالثة الخاصة بالتشطيبات النهائية وأعمال اللاندسكيب. علي أن يتم افتتاح المشروع بالكامل عام 2027 لاستقبال الحرفيين والزائرين.
وجاءت زيارة الدكتورة نوريا سانز. المدير الإقليمي لمكتب منظمة اليونسكو بمصر والسودان. ومحافظ الشرقية للقرية. لتؤكد أن ما يجري في القراموص يتجاوز الإطار المحلي إلي الاهتمام الدولي. حيث تفقد الوفد مراحل زراعة وتصنيع البردي داخل الورش. واطلع علي طبيعة العمل الأسري المتكامل. الذي يقوم فيه الرجل والمرأة بدور متساوي في الإنتاج.
وأكدت " سانز" أن صناعة البردي تمثل صناعات إبداعية فريدة. مشددة علي أهمية تدريب وبناء قدرات الحرفيين من خلال برامج متخصصة. وتوفير بيئة عمل آمنة ومستدامة. بما يضمن الحفاظ علي هذا الموروث الثقافي المصري للأجيال القادمة.. كما كشفت عن إعداد ملفات توثيقية لعناصر من التراث الثقافي بمحافظة الشرقية. من بينها صناعة البردي والفخار وتربية الخيول العربية ومراقبة الطيور. لتكون الشرقية نقطة انطلاق لتوثيق التراث غير المادي علي مستوي الجمهورية.
أكدت الدكتورة رضا حسن. مديرة إدارة السياحة بالمحافظة. أن مشروع "قرية البردي" يستهدف تقديم تجربة سياحية متكاملة للزائرين. تتيح لهم التعرف علي صناعة البردي خطوة بخطوة. والاستمتاع بالأجواء الريفية. إلي جانب خلق فرص عمل جديدة لأهالي القرية في الصناعات المكملة والخدمات السياحية. وتعزيز تسويق المنتجات محليًا ودوليًا.
وأوضحت أن المحافظة شاركت بمنتجات الحرف في العديد من المعارض. وأن مبادرة وزارة التنمية المحلية لدعم الحرف اليدوية وتدشين أول منصة إلكترونية للحرف كانت البداية بصناعة البردي باعتبارها من أكثر الحرف تميزًا وندرة. مع التنسيق مع قطاع المتاحف بالمجلس الأعلي للآثار للحفاظ علي الحرفة.
وأضافت أن صناعة البردي لم تعد مجرد نشاط تراثي. بل أصبحت ركيزة لدعم الاقتصاد المحلي. ومصدر دخل للأسر. ووسيلة لتعزيز السياحة البيئية والثقافية. في وقت يشهد فيه العالم عودة قوية للاهتمام بالمنتجات اليدوية ذات القيمة التاريخية.
وفي ختام المشهد. تبدو "القراموص" أكثر من مجرد قرية ريفية» إنها قلعة البردي في مصر والعالم.. هنا تتجسد الحضارة في نبات واحد. وتختصر مهارة الأجيال في ورقة واحدة قرية نجحت في دمج التراث بالسياحة الريفية. وتحويل الإرث الثقافي إلي مصدر إبداع واقتصاد مستدام. يحفظ الهوية المصرية ويضعها علي خريطة العالم.
قال الدكتور السيد خضر أستاذ بجامعة الزقازيق والخبير الاقتصادي أن مشروع قرية البردي بالقراموص يمثل نموذجًا ذكيًا للتنمية القائمة علي الهوية. حيث يربط بين التراث الثقافي والقيمة الاقتصادية في آن واحد. نحن لا نتحدث فقط عن حرفة يدوية. بل عن صناعة ذات بعد تاريخي وسياحي يمكن توظيفها لخلق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد المحلي. وتحويل قرية صغيرة إلي مركز جذب سياحي وثقافي يدر دخلاً مستدامًا لأهلها."
"من الناحية الاقتصادية. هذا النوع من المشروعات يحقق ما يُعرف بالتنمية المتكاملة. إذ يخلق فرص عمل مباشرة في الزراعة والتصنيع والحرف. وفرصًا غير مباشرة في السياحة والخدمات والتسويق والنقل.. كما يساهم في تعظيم الاستفادة من الموارد المحلية بدلًا من الاعتماد علي استثمارات كثيفة رأس المال. وهو ما يعزز العدالة المكانية ويوجه التنمية إلي الريف بدل تركّزها في المدن الكبري والأهم أن مشروع القراموص يعكس توجه الدولة نحو اقتصاد يقوم علي الإبداع والتراث والصناعات الصغيرة والمتوسطة. وهو اتجاه عالمي أثبت قدرته علي رفع الدخل وتحسين مستوي المعيشة دون الإضرار بالبيئة و إذا تم تنفيذ المشروع وفق رؤية تسويقية احترافية وربطه بالمعارض الدولية والسياحة الثقافية. فإنه يمكن أن يصبح نموذجًا قابلًا للتكرار في قري أخري. ويضع الحرف المصرية علي خريطة الاقتصاد العالمي بقوة واستدامة.
المنيا - نبيل يوسف:
مع أول خيوط الفجر في قري مركز ملوي جنوب محافظة المنيا. تتصاعد الأبخرة البيضاء من قلب العصارات التقليدية. معلنة بدء موسم العسل الأسود. هنا. لا يُعد العسل مجرد منتج غذائي. بل شريان حياة لآلاف الأسر. وهوية اقتصادية واجتماعية تشكلت عبر عقود طويلة.. في هذه القري. يتحول قصب السكر من محصول زراعي إلي "ذهب أسود" يطعم البيوت. ويحرك الأسواق. ويحفظ تراثًا مهنيًا نادرًا في الريف المصري.
مع بداية موسم حصاد القصب في شهر أكتوبر من كل عام. تشهد قري مركز ملوي حركة غير عادية. يهرع المزارعون إلي الحقول لحصاد محصول استمر في الأرض قرابة عام كامل. لتبدأ بعدها رحلة التحويل داخل العصارات المنتشرة في القري والنجوع.
تمر عملية الإنتاج بمراحل دقيقة تبدأ بتجميع القصب وتنظيفه من الشوائب. ثم عصره لاستخراج العصير. فغليه في أحواض ضخمة لساعات طويلة حتي يتحول السائل إلي عسل أسود كثيف غني بالطعم والقيمة الغذائية. ليُعبأ في أوعية تقليدية أو حديثة حسب الإمكانيات المتاحة.
هذه العصارات الصغيرة تمثل وحدات إنتاج حقيقية تستوعب عشرات العمال الموسميين في كل قرية. وقد يصل عدد العاملين في بعض العصارات إلي أكثر من 30 عاملاً طوال موسم الإنتاج. ما يجعلها مصدر رزق مباشر لآلاف الأسر.
لا تُعد صناعة العسل الأسود في ملوي مجرد حرفة. بل تحولت إلي هوية اجتماعية واقتصادية متكاملة. فقد باتت قري مثل الروضة. المحرص. تنده. قلندول وغيرها تُعرف محليًا باسم قري العسل الأسود. حيث تنتشر العصارات داخل الكتل العمرانية وحولها. علي مقربة من حقول القصب التي تمدها بالمادة الخام.
وتنتشر هذه الصناعة في نحو 19 قرية بمركز ملوي. مع تفاوت في عدد العصارات والعمال تبعًا لمساحات القصب المزروعة وتنتج المنيا كميات كبيرة من القصب. يُحوَّل جزء معتبر منها إلي عسل أسود يُسوق محليًا. كما يُنقل إلي محافظات أخري في الوجهين القبلي والبحري.
داخل إحدي العصارات. يقول أحمد عبد الفتاح. صاحب عصارة نبدأ الشغل من الفجر“ القصب يدخل العصارة. والعصير يفضل علي النار ساعات طويلة لحد ما يتحول لعسل أسود. شغل متعب. بس ده رزقنا ورزق ولادنا.
ويضيف حسن سيد. صاحب عصارة أخري المهنة دي ورثناها عن آبائنا“ لكن التكاليف بقت عالية والمكسب محدود. ومع ذلك مفيش بديل.
أما العمال. فيواجهون ظروفًا شاقة وسط حرارة مرتفعة وبخار كثيف. يقول إبراهيم. أحد العمال نقلب الأحواض لساعات طويلة والحرارة عالية جدًا“ الشغل مرهق. لكن بنستحمل علشان لقمة العيش.
وتؤكد أم محمد. التي تعمل في تجهيز العبوات الشغل بسيط. لكنه بيفرق معانا في مصاريف البيت. وبيساعدنا نكمل الشهر.
رغم الطلب المتزايد علي العسل الأسود داخل مصر. تواجه الصناعة في ملوي عدة تحديات رئيسية. أبرزها الاعتماد علي معدات تقليدية تؤثر أحيانًا علي جودة المنتج وتجانسه وغياب المواصفات القياسية الموحدة المطلوبة للتصدير للأسواق العالمية وارتفاع تكاليف الإنتاج مقابل هامش ربح محدود وضعف إمكانيات التغليف والتعبئة الحديثة التي تُعد شرطًا أساسيًا لدخول الأسواق الخارجية.
ويؤكد أصحاب العصارات أن خبرتهم الطويلة لا تكفي وحدها لتحقيق طفرة تصديرية. دون دعم فني وتحديث لأساليب الإنتاج.
في قلب الدقهلية وعلي يمين طريق المنصورة المطرية. تقف قرية تبدو مختلفة منذ اللحظة الأولي بضائع معلّقة أمام المنازل. ومحالّ صغيرة تنبض بالحركة داخل البيوت. وأيدي لا تهدأ ليلًا ونهارًا.. إنها قرية" سلامون القماش".. القرية التي لم تنتظر مصنعًا كبيرًا ليولد. بل صنعت مصانعها في غرف البيوت. ونسجت سمعتها بخيوط الكفاءة والسعر العادل. حتي أصبحت نموذجًا مصريًا فريدًا في صناعة الملابس الجاهزة.
هنا. لا تُعرض الملابس في واجهات تقليدية فحسب. بل تمتد علي طول الشوارع كأن القرية معرض مفتوح. يحمل توقيع أبنائها جودة عالية. وخامات متنوعة من الأصواف والتريكو إلي الأقمشة الحديثة. وأسعار تنافسية جعلت اسم "سلامون القماش" علامة يعرفها التجار والمستهلكون داخل مصر وخارجها.
تعود جذور الحرفة في القرية إلي ما يقرب من قرن» إذ بدأ أبناء سلامون القماش العمل بالصناعة اليدوية منذ عام 1937. وتحديدًا في ملابس التريكو والأصواف التي اشتهرت بها القرية في فصل الشتاء.. ومع مرور السنوات. لم تتوقف الحرفة عند حدود التقليد. بل تطورت بجهود أبنائها الذين أدخلوا خامات جديدة ووسّعوا نطاق الإنتاج ليشمل أنواعًا متعددة من الملابس الجاهزة.
ومع جودة التصنيع وثبات الأسعار. بدأت منتجات القرية تشق طريقها إلي محافظات الجمهورية كافة. ثم عبرت الحدود إلي أسواق خارجية. حتي صار اسم القرية يتردد بين التجار كمرادف للمنتج الجيد بسعر منافس.
زيارة صنعت التحوّل
ليست "سلامون القماش" مجرد قرية صناعية. بل تجربة تنموية كاملة حرفة متوارثة تطوّرت بالتكنولوجيا.
سوق محلي تحوّل إلي شبكة توزيع قومية.وأسعار عادلة حافظت علي المستهلك والتاجر معًا.. هكذا كتبت القرية اسمها علي خريطة الصناعة المصرية. مؤكدة أن التنمية لا تبدأ بالخرسانة فقط. بل بالإنسان وأن الأيدي التي حيكت أول قطعة صوف منذ عقود. لا تزال قادرة علي نسج مستقبل الاقتصاد المحلي بخيوط من الجودة والثقة.
مع بداية الخريف. لا تتبدل ألوان الطبيعة في الدقهلية فقط. بل تتغير معها ملامح الرزق في القري الزراعية. حيث تبدأ رحلة محصول الكاكا من فوق الأغصان إلي الأسواق. حاملة معها حكاية تعب. وتنظيم. وخبرة تراكمت عبر سنوات طويلة.
وفي قرية فيشا بنا التابعة لمركز أجا. تحولت هذه الفاكهة إلي عمود فقري للاقتصاد المحلي. ومصدر دخل رئيسي للأهالي. بل وبوابة عبور نحو التصدير. لتؤكد أن الزراعة حين تُدار بعقل وخبرة. تصبح مشروع تنمية حقيقيًا لا موسميًا.
تشتهر محافظة الدقهلية بإنتاج العديد من المحاصيل الزراعية. إلا أن فاكهة "الكاكا" باتت عنوانًا خاصًا لها. وبشكل أخص في قرية فيشا بنا التابعة لمركز أجا. حيث انتشرت زراعتها منذ سنوات طويلة حتي أصبحت سِمة اقتصادية تميّز القرية عن غيرها.
لا يكاد يمر أحد علي الطرق المؤدية للقرية في موسم الحصاد إلا ويلحظ مشاهد عرض الكاكا علي جانبي الطريق. في مشهد يعكس حراكًا تجاريًا نشطًا. تشارك فيه معظم الأسر. بين زراعة. وجمع. وتجهيز. وتسويق.
يقول رضا المحمدي. أحد مزارعي القرية. إن موسم حصاد الكاكا يبدأ في شهر أكتوبر ويستمر حتي يناير الجاري . مشيرًا إلي أن لهذا المحصول طبيعة خاصة تختلف عن غيره من الفواكه.
فبعد جمع الثمار من الحقول وتنظيفها. لا تُطرح مباشرة للبيع. بل تمر بمرحلة تجهيز دقيقة داخل غرف مخصصة. حيث تتعرض لدرجات حرارة تساعدها علي استكمال النضج. في عملية تشبه ما يحدث مع فاكهة الموز.
وبعد الوصول إلي درجة النضج المناسبة. تُعبأ الثمار داخل كراتين مُعدّة خصيصًا. وتُرص بطريقة تحافظ عليها من التلف. ثم تُنقل إلي أسواق الجملة. ومنها إلي أسواق ميت غمر. والمنصورة. وعدد من الأسواق القريبة. فضلًا عن تجار يأتون من محافظات مجاورة للحصول علي المحصول من منبعه مباشرة.
لم تتوقف شهرة فيشا بنا عند حدود الدقهلية أو حتي السوق المحلي. بل امتدت إلي خارج البلاد. حيث بدأت عمليات تصدير كميات من محصول الكاكا إلي عدد من الدول. بعد أن أثبت جودة عالية وانتظامًا في الإنتاج.
ويشير المزارعون إلي أن المساحة المزروعة بالكاكا في محافظة الدقهلية تجاوزت 1500 فدان. وهو حجم إنتاجي يغطي احتياجات المحافظة والأسواق المجاورة. ويعزز مكانتها كإحدي أكبر المحافظات المنتجة لهذا المحصول علي مستوي الجمهورية.
يؤكد المزارعون أن الطلب علي الكاكا يشهد تزايدًا ملحوظًا كل عام. سواء من التجار أو المستهلكين. خاصة خلال موسم الحصاد. نظرًا لما تتمتع به الثمرة من مذاق مميز وفوائد صحية متعددة.
كما أن الأسعار هذا العام تراوحت بين 20 و30 جنيهًا للكيلو. وفقًا للحجم ودرجة النضج. وهو ما يجعلها في متناول شريحة واسعة من المواطنين. وفي الوقت نفسه تحقق هامش ربح مناسبًا للمزارعين والتجار.
إلي جانب قيمتها الاقتصادية. تحظي فاكهة الكاكا بمكانة متقدمة من الناحية الصحية» فهي غنية بالألياف التي تُسهم في تحسين عملية الهضم. وتساعد علي تنشيط الدورة الدموية. كما تُعرف بدورها في تقوية الجهاز المناعي. والحد من بعض الأمراض. وهو ما يفسر ارتفاع الإقبال عليها عامًا بعد عام.
بين حقول فيشا بنا وأسواق الدقهلية. تسير ثمرة الكاكا في رحلة تختصر مفهوم الزراعة المنتجة» زراعة لا تكتفي بسد احتياجات الأهالي. بل تصنع قيمة مضافة. وتفتح أبواب التجارة والتصدير. وتحوّل موسم الحصاد إلي موسم أمل.
إنها قصة محصول بسيط في شكله. كبير في أثره. يثبت أن القرية المصرية قادرة علي صناعة التنمية حين تمتلك الأرض والخبرة والإرادة.
في جزيرة شندويل بمحافظة سوهاج. لا تُحاك الأقمشة فقط. بل تُطرَّز الذاكرة الوطنية بخيوط من ذهب وفضة. هنا. حيث يتحول الصبر إلي فن. والإبرة إلي قلم يكتب الهوية. وُلد "التلي" كحرفة صغيرة في البيوت. ثم كبر حتي صار سفيرًا للتراث المصري في المحافل الدولية.. حرفة بخمس حروف. لكنها تختصر قرونًا من الجمال والعراقة. وتحمل في كل غرزة حكاية امرأة. وملامح مكان. وروح حضارة لا تشيخ.
منذ بدايات القرن التاسع عشر. ظهر فن "التلي" في بيوت البسطاء بقري الصعيد. كحرفة نسائية خالصة ارتبطت بالمناسبات السعيدة وطقوس الفرح. ثم ما لبث أن انتقل إلي بيوت العائلات الثرية. ليغدو علامة علي الوجاهة والأناقة. ومع توافد السائحين علي مصر. خرج "التلي" من محليته إلي فضاءات أوسع. بعدما ارتدته نجمات السينما مثل تحية كاريوكا وأسمهان. وتألقت به المصرية شارلوت واصف. ملكة جمال الكون عام 1934. كما أعادت الملكة نازلي. والدة الملك فاروق الأول. تنسيقه بروح أكثر حداثة. ليصبح جزءًا من الذوق الأرستقراطي في ذلك الزمن.
ومع مرور العقود. ترسخت جزيرة شندويل بمحافظة سوهاج باعتبارها القلب النابض لهذه الحرفة. وأحد أشهر مراكز إنتاج "التلي" في مصر حتي وصلت للعالمية. ولم يكن هذا التحول محض صدفة» بل ثمرة مهارات نساء توارثن الفن جيلًا بعد جيل. ودعم مبادرات أعادت إحياء الحرفة. من بينها مبادرة إيطالية موّلت تدريب مائة فتاة علي يد واحدة من أبرز حرفيات "التلي". في خطوة لإنقاذ التراث من الاندثار وتحويله إلي مورد تنموي مستدام.
وحين يُذكر" التلي". تُذكر شندويل. فقد شارك المجلس القومي للمرأة في فعالية دولية نُظمت علي هامش اجتماعات الدورة الـ65 لجمعيات المنظمة العالمية للملكية الفكرية "الويبو" بمقرها في جنيف في يوليو الماضي. حيث عُرضت مخرجات مشروع الملكية الفكرية وريادة الأعمال للسيداتپ تمكين المرأة في المجتمعات المحلية عبر الملكية الفكرية "العلامة الجماعية"پ قطاع حرفة التلي في سوهاج. إلي جانب فيلم توثيقي يرصد رحلة الحرفة من المحلية إلي العالمية.
وحرفة "التلي" هي نوع فريد من التطريز اليدوي الدقيق. في الماضي. كانت خيوط الذهب والفضة هي المادة الأساسية للتطريز. بينما يُستخدم اليوم الحرير والصوف. دون أن تفقد الحرفة روحها الأصيلة. وقد صُنفت "التلي" ضمن أرقي الحرف التراثية المصرية. وتوارثتها نساء الصعيد بوصفها ميراثًا اجتماعيًا وثقافيًا» فكانت الأم تُهدي ابنتها ثوبًا أو شالًا مطرزًا بخيوط "التلي" يوم العرس أو الحنة. ليكون قطعة فنية وذكري عائلية في آن واحد.
ويعتمد "التلي" علي أكثر من 120 رمزًا زخرفيًا متعارفًا عليه. تُستمد مفرداته من التراث الشعبي ويُرجَّح أن كثيرًا منها يعود إلي أصول فرعونية. مثل المثلث المقفول رمز الحماية. والبيت المربع. وشجرة اللبلاب. والجمل. والهودج. والفارس. والنخلة. والإبريق. والعروسة. والجامع. والكنيسة. وحقول القصب التي تمر بها العروس في طريقها إلي بيت الزوجية. وفي النهاية تتشكل هذه الرموز في قطعة فنية متكاملة. أشبه بنص بصري أو كتابة هيروغليفية معاصرة. تمزج بين الشكل والمضمون.
وتبرز في هذا المشهد أسماء رائدات أعادن للحرفة بريقها. من بينهن سماح الفقي. المدرب المعتمد واستشاري هيئة تحديث الصناعة.. جاءت من القاهرة إلي شندويل عقب زواجها. لتجد "التلي" جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية في كل بيت.. علي مدار 17 عامًا. تحولت الحرفة إلي مشروع حياة ورسالة. فبدأت بفريق من خمس سيدات. ثم توسع ليضم نحو مائة سيدة وفتاة وتؤكد أن تكوين فريق قوي ومبدع في "التلي" ليس سهلًا. لكن شندويل ستظلپ كما تقولپ عاصمة الإبداع لهذا الفن عالميًا.
وتضيف سماح أنها عملت علي تحديث المنتج ليتماشي مع أذواق الأجيال الجديدة» فلم يعد "التلي" حكرًا علي الفساتين والأوشحة. بل امتد إلي الستائر والمفارش وقطع الديكور المنزلي. مع نقل الخبرة إلي محافظات أخري. في إطار نشر الفن وتوسيع دوائر الاستفادة الاقتصادية منه.
اترك تعليق