مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

عمرو الليثي: تاريخ السينما المصرية يكذب مقولة "الجمهور عايز كده"
د. عمرو الليثي
د. عمرو الليثي

أكد الإعلامي د. عمرو الليثي أن "الجمهور عايز كده" جملة سحرية طالما استُخدمت في تبرير اختيارات فنية كسولة، أو في تمرير محتوي يراهن على الإثارة السهلة بدل المعني، ومع تكرارها تحولت من توصيف مزعوم لذائقة المشاهد إلي وصاية عليه، وكأن الجمهور كيان واحد بسيط. لا يتغير ولا يفكر، ولا يطلب إلا الضحك السريع والنكت الجريئة والإيحاءات الجنسية.
 


وأضاف في السنوات الأخيرة، ظهرت موجة من الأفلام تعتمد بشكل أساسي على الألفاظ الخارجة والإفيهات الفجة، بزعم أن الشباب - الذين يُقال إنهم يمثلون نحو 60% من جمهور السينما - "عايزين كده". لكن السؤال الحقيقي: هل الشباب فعلًا لا يريدون سوي هذا؟ أم أن ما يُقدَّم لهم هو ما يُفترض أنهم يريدونه. في غياب بدائل حقيقية؟.

وتابع.. الشباب، مثل أي فئة أخري، ليسوا كتلة صماء، فيهم من يبحث عن الترفيه الخفيف، نعم، لكن فيهم أيضًا من يريد قصة تشبهه، وسينما تعبر عن قلقه وأسئلته وطموحه وتناقضاته، يريدون فيلمًا يحترم ذكاءهم، لا يغازل غرائزهم فقط. يريدون ضحكًا نابعًا من الموقف، لا من الكلمة الصادمة، وجرأة في الفكرة لا فجاجة في التعبير.

المفارقة أن تاريخ السينما المصرية نفسها يكذب مقولة "الجمهور عايز كده" بمعناها السطحي، السينما الواقعية التي قدمها صلاح أبو سيف. وعاطف الطيب، ويوسف شاهين، لم تكن سهلة ولا مريحة، لكنها كانت صادقة، ناقشت الفقر، والسلطة، والقهر، والهوية، والأسئلة الكبري للإنسان، وقدمت شخصيات معقدة تشبه البشر الحقيقيين، ورغم ذلك، وجدت جمهورها، وحققت حضورًا وتأثيرًا ممتدًا حتي اليوم.

وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية: نجاح الأفلام لا يُقاس بشباك التذاكر وحده، ولا بعدد الملايين التي تحققها في أسابيع العرض الأولي، شباك التذاكر مؤشر اقتصادي لا أكثر، لكنه ليس مقياسًا فنيًا أو ثقافيًا، هناك أفلام حطمت الأرقام ثم اختفت سريعًا من الذاكرة، وأخري لم تُحقق إيرادات ضخمة وقت عرضها. لكنها عاشت طويلاً في وجدان الناس، وصارت علامات في تاريخ السينما.

النجاح الحقيقي يُقاس بالاستمرارية، وبقدرة الفيلم على أن يُشاهَد بعد سنوات ويظل صالحًا للنقاش، وبمدي صدقه وتأثيره، وبما يضيفه للوعي الجمعي لا لأرقام الموسم فقط. يُقاس أيضًا بمدي احترامه لعقل جمهوره، وبقدرته علي طرح أسئلة لا تقديم إجابات سهلة، السينما ليست سباقًا محاسبيًا، بل فعلا ثقافيا وفنيا، وإذا اختُزلت قيمتها في الإيرادات وحدها، خسرنا الفن، وخسر الجمهور نفسه، حتي لو بدت الأرقام مزدهرة علي الورق.

المشكلة إذن ليست في وجود أفلام خفيفة أو كوميدية، فالتنوع مطلوب وصحي، بل في تحوّل هذا النوع إلي القاعدة شبه الوحيدة، وفي غياب مشروع فني يري في السينما أكثر من "منتج سريع الاستهلاك"، عندما يُحاصَر الجمهور بنمط واحد، يصبح الحكم علي ذائقته حكمًا زائفًا.

"الجمهور مش عايز كده" بالضرورة، لكنه قد يذهب إلي ما هو متاح، وما إن يُقدَّم له عمل صادق، محكم، وجريء بذكاء، حتي يثبت مرة أخري أن المشكلة لم تكن فيه، بل فيما افترضه البعض عنه ،السينما، في جوهرها، حوار بين صانع ومشاهد، وإذا فسد هذا الحوار، فالذنب لا يقع على من يجلس في الظلام، بل علي من اختار ماذا يُعرض على الشاشة.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق