زمنى رقمي متسارع لم يغيّر فقط وسائل التواصل. بل أعاد صياغة العلاقة بين الإنسان والمشاعر والمعاناة. بعدما تحولت المنصات الإلكترونية إلي مساحات مفتوحة للتأثير العاطفي وجذب التعاطف. وبين بثي مباشر يحاصر المتلقي بالقصص المؤلمة. وصوري ومقاطع فيديو تُقدَّم بوصفها معاناة إنسانية عاجلة. برزت ظاهرة التسوّل الإلكتروني كأحد أخطر إفرازات التحول الرقمي. حيث تختلط النوايا الصادقة بالممارسات المضللة. ويتحول الألم الإنساني إلي وسيلة ربح. وتُستبدل قيمة العمل المنتج باقتصاد يقوم علي الإثارة والشفقة.
هذه الظاهرة لم تعد سلوكًا فرديًا معزولاً. بل أصبحت ممارسة رقمية واسعة الانتشار. تغذيها خوارزميات المنصات التي تكافئ المحتوي الأكثر تأثيرًا وتفاعلاً. بغض النظر عن صدقيته أو أبعاده الأخلاقية. ومع غياب المواجهة المباشرة وصعوبة التحقق من الحالات المعروضة. يجد المتلقي نفسه أمام مشاهد إنسانية مكثفة تدفعه إلي التبرع بدافع العاطفة أو الشعور بالذنب. في وقت تتراجع فيه الثقة المجتمعية. وتتآكل الحدود الفاصلة بين الدعم الإنساني المشروع والاستغلال المقنّع.
وتكمن خطورة التسوّل الإلكتروني في كونه لا يهدد فقط منظومة القيم والعمل. بل يفتح الباب أمام اقتصاد عاطفي غير مستدام. يعيد تشكيل مفهوم النجاح الرقمي بوصفه قائمًا علي التأثير والانفعال. لا علي الجهد والإبداع والإنتاج. كما ينعكس سلبًا علي العمل الخيري المنظم. ويشوّه صورة المحتاج الحقيقي. ويطرح تساؤلات جوهرية حول مسؤولية المنصات الرقمية. ودور الدولة في التشريع والرقابة. ووعي المستخدم باعتباره خط الدفاع الأول أمام استغلال المشاعر الإنسانية في الفضاء الإلكتروني.
قال د. عمرو حسن فتوح أستاذ تكنولوجيا المعلومات بجامعة الوادي الجديد أنه لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحات للترفيه والتعلم والتواصل. بل تحولت في بعض الأحيان إلي أدوات لاستغلال المشاعر الإنسانية. ومن أبرز هذه المظاهر ما يعرف بـالتسول الإلكتروني. وهي ظاهرة أخذت في الانتشار بشكل لافت علي تطبيقات مثل تيك توك. خاصة من خلال البث المباشر والهدايا الرقمية.
أوضح أن التسوّل الإلكتروني يعني طلب المال عبر الإنترنت بأساليب غير مباشرة. تعتمد في الأساس علي جذب تعاطف الجمهور. سواء بادعاء الفقر. أو المرض. أو عرض مواقف إنسانية مؤثرة. بهدف الحصول علي أموال أو هدايا رقمية يمكن تحويلها لاحقًا إلي أرباح حقيقية.
ويري أن تطبيق تيك توك يعد بيئة خصبة لانتشار هذه الظاهرة. نظرًا لسهولة استخدامه. وإتاحة البث المباشر دون تعقيدات. إلي جانب وجود نظام الهدايا الرقمية الذي يشجع بعض المستخدمين علي تحويل المحتوي العاطفي إلي وسيلة دخل.
وأكد أن ليس كل من يطلب مساعدة عبر الإنترنت يُعد متسولاً إلكترونيًا فهناك فرق واضح بين الحالات الإنسانية الحقيقية التي تعرض بشفافية واحترام. وبين الممارسات التي تعتمد علي التمثيل والمبالغة والضغط النفسي علي المشاهدين. وتحويل التعاطف إلي مصدر ربح دائم.
وحول الآثار الاجتماعية لهذه الظاهرة يحذر د. فتوح من أن التسول الإلكتروني قد يُسهم في تشويه مفهوم العمل. خاصة لدي فئة الشباب. ويضعف ثقافة التحقق والتفكير النقدي. كما يفتح الباب أمام عمليات نصب مقنّعة تحت غطاء إنساني. الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات قد تحول الانترنت من مساحة إبداع وتواصل إلي ساحة ابتزاز عاطفي.
ومن الناحية التقنية يشير إلي أن المنصات الرقمية لا تميز بين المحتوي الإيجابي والسلبي. بقدر ما تركز علي حجم التفاعل. وهو ما يمنح الأفضلية للمحتوي الصادم أو المحزن ليصبح ترند يجني من وراؤه المال.
ويحمّل الدكتور فتوح المنصات الرقمية مسؤولية كبيرة في مواجهة الظاهرة من خلال تشديد سياسات البث المباشر. ومراقبة المحتوي المالي المشبوه. وتسهيل آليات الإبلاغ. مع تعزيز الشفافية فيما يتعلق بجمع التبرعات. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن دور المستخدم لا يقل أهمية عن دور المنصات. فهو خط الدفاع الأول. وعليه ألا ينساق وراء التعاطف السريع. أو يستجيب للضغط العاطفي. وأن يتحقق قبل تقديم أي دعم مادي. مع توجيه التبرعات إلي الجهات الخيرية الموثوقة بدلًا من حسابات مجهولة.
وفي ختام حديثه يري أن تجاهل ظاهرة التسوّل الإلكتروني قد يؤدي إلي تحولها إلي شكل من أشكال الاقتصاد الرقمي القائم علي الاستغلال. لكن مواجهتها ممكنة من خلال الوعي الرقمي. والتشريعات الواضحة من قبل الدولة. والمسؤولية المشتركة بين المنصات والمستخدمين.
تري د. رباب التلاوي. أستاذ الإعلام بجامعة المنيا. أن التحوّل الرقمي المتسارع لم يغيّر فقط أدوات التواصل. بل أعاد تشكيل أنماط سلوكية كاملة داخل المجتمع. من بينها ما يُعرف بالتسوّل الإلكتروني. الذي لم يعد ظاهرة هامشية. بل أصبح ممارسة رقمية تستغل خصائص المنصات الحديثة لتحقيق مكاسب مادية سريعة. عبر البث المباشر وأنظمة الدعم والهدايا الافتراضية.
توضح د. التلاوي أن هذه الممارسات تعتمد في جوهرها علي توظيف العاطفة الإنسانية. من خلال سرد حكايات شخصية مصاغة بعناية. أو إبراز صور المرض والفقر. أو تقديم محتوي يقوم أساسًا علي إثارة الشفقة. حيث تتحول التفاعلات والهدايا الرقمية إلي عائد فوري. وتشير إلي أن هذا النمط يخلق منطقة رمادية تفصل بين الدعم الإنساني الحقيقي. والممارسات التي تُقدَّم تحت مسمي "صناعة المحتوي". بينما تقوم فعليًا علي استغلال التعاطف الإنساني لتحقيق الربح.
اشارت إلي أن انتشار التسوّل الإلكتروني يعكس إشكاليات أعمق تتعلق باختلال فرص الدخل. وسهولة تحقيق أرباح دون امتلاك مهارات إنتاجية أو إبداعية حقيقية. وهو ما يترك آثارًا نفسية واجتماعية واضحة. تتمثل في ترسيخ ثقافة الاتكالية. وإعادة تشكيل مفهوم النجاح الرقمي بوصفه قائمًا علي التأثير العاطفي والإثارة. لا علي القيمة المعرفية أو الجهد المهني.
وتؤكد د. التلاوي أهمية التمييز بين أشكال الدعم الإنساني المنظم. التي تخضع لمعايير الشفافية وتدار عبر جهات موثوقة. وبين أنماط التسوّل المقنّع التي تفتقر إلي المساءلة القانونية. وفي ظل تفاوت الأطر التنظيمية. تشدد علي أن المنصات الرقمية تتحمل مسئولية مضاعفة في ضبط المحتوي. والحد من أشكال الابتزاز العاطفي. وتوفير آليات فعالة لحماية المستخدمين من الاستغلال.
أوضح د. السيد خضر الخبير الاقتصادي أن العالم شهد خلال العقد الأخير تحولًا كبيرًا في سلوكيات التبرع والمساعدات الإنسانية مع انتشار الإنترنت والمنصات الرقمية. وبرزت ظاهرة التسول الإلكتروني كأحد أبرز مظاهر هذا التحول. حيث أصبح الأفراد والمجموعات يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية لطلب الدعم المالي والهدايا الرقمية. أحيانًا بصورة قانونية وأحيانًا أخري بطريقة خادعة ومضللة. وتمثل هذه الظاهرة تحديًا اجتماعيًا. اقتصاديًا. ونفسيًا. لما لها من آثار علي القيم المجتمعية والسلوكيات الإنسانية. حيث شهدت السنوات الأخيرة توسعًا كبيرًا في استخدام المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي. الأمر الذي أدي إلي ظهور ظواهر جديدة في السلوك الاقتصادي والاجتماعي. من أبرزها التسول الإلكتروني. وتمثل أثر هذه الظاهرة علي الاقتصاد في كونها ترتبط مباشرة بتوزيع الموارد المالية. وتحويل الأموال داخل الاقتصاد الرقمي. وتؤثر علي سلوكيات المستهلكين والمتبرعين.فالظاهرة لا تقتصر علي كونها مجرد وسيلة للحصول علي الدعم المالي. بل تتداخل مع الديناميكيات الاقتصادية الحديثة. بما في ذلك الأسواق الرقمية والهدايا الافتراضية والهبات المالية عبر البث المباشر. مما يعكس تحولًا في مفهوم الإنتاجية والقيمة الاقتصادية. كما تؤثر هذه الممارسات علي الاقتصاد الجزئي. من خلال خلق دخل للأفراد دون إنتاج حقيقي للسلع أو الخدمات. وقد تؤدي إلي تشويه التوزيع العادل للموارد المالية وتقلل من فاعلية التبرعات المقدمة للمحتاجين الحقيقيين. وعليه. فإن أثر التسول الإلكتروني علي الأوضاع الاقتصادية تمثل خطوة أساسية لفهم التوازن بين الاقتصاد الرقمي. والسلوك الاجتماعي. والقيم المجتمعية. بالإضافة إلي استشراف تأثير هذه الظاهرة علي مستقبل التمويل الرقمي. وحماية الموارد المالية في المجتمع. وضمان تحويلها إلي أدوات دعم حقيقية بدلاً من أن تصبح وسيلة لاستغلال المشاعر الإنسانية.
وتعد ظاهرة التسول الإلكتروني واحدة من الظواهر الرقمية الحديثة التي ترتبط مباشرة بسلوك المستهلكين والمتبرعين عبر الإنترنت. ولها تداعيات اقتصادية ملحوظة. سواء علي المستوي الفردي أو علي الاقتصاد الرقمي الأوسع. التأثير علي الاقتصاد الرقمي والأسواق المالية الصغيرة. يخلق التسول الإلكتروني سوقًا جزئيًا للتبرعات والهدايا الرقمية. ويصبح مصدر دخل لبعض الأفراد بشكل مستمر. خاصة عبر منصات البث المباشر والتطبيقات الرقمية. يؤدي إلي تحويل الأموال داخل الاقتصاد الرقمي من دون إنتاج حقيقي للسلع أو الخدمات. ما قد يؤثر علي توزيع الموارد الاقتصادية ويشجع علي اقتصاد قائم علي الاستهلاك العاطفي أكثر من الإنتاجية.يمكن أن يؤدي انتشار التسول الإلكتروني إلي الإفراط في التبرع العاطفي. ما يقلل من القدرة علي استثمار الموارد المالية في قطاعات اقتصادية أكثر إنتاجية أو دعم مشروعات حقيقية.بعض المتبرعين يصبحون أقل ثقة في منصات التمويل الجماعي والمبادرات الإنسانية. ما يضر بقدرة الاقتصاد علي استيعاب التبرعات الفعلية وتحويلها إلي دعم اقتصادي مستدام.يتيح التسول الإلكتروني فرصًا مالية فردية غير مشروعة أو مضللة. ما يشجع علي الربح الشخصي دون إنتاج اقتصادي حقيقي.هذه الظاهرة تشكل جزءًا من الاقتصاد الرمزي أو الاقتصاد النفسي العاطفي. الذي يعتمد علي تحفيز المشاعر لتحقيق أرباح مالية. وهو اقتصاد غير مستدام علي المدي الطويل.
أكد د.تامر شوقي أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس أن ظاهرة التسول الإلكتروني تمثل إحدي الظواهر السلبية والتي واكبت التظور الهائل في التكنولوجيا الرقمية. وظهور منصات التواصل الاجتماعي بتطبيقاتها المختلفة. وظاهرة التسول الإلكتروني أصبحت تجذب فئات متنوعة من أفراد المجتمع من مختلف الأعمار سواء أطفالاً أو مراهقين أو شباباً بل وحتي المسنين سواء من الذكور أو الاناث وكذلك تجذب الأفراد من مختلفي المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية. وبصفة عامة يمكن عزو تلك الظاهرة إلي عديد من الأسباب منها» . الظروف الاقتصادية الصعبة وانتشار البطالة بين الشباب. أو قلة الدخل المادي لدي بعضهم من وظائفهم. كما أن صناعة المحتوي لا تحتاج إلي إمكانيات وتجهيزات مكلفة بل تتطلب مجرد امتلاك هاتف رقمي فحسب. وكذلك ميل الأفراد صانعي إلي تحقيق الربح السريع من خلال تقديم محتويات تافهة وتحقيق ثروات هائلة والتي تشجعهم علي الاستمرار في ذلك النهج. وسهولة وصول ما يقدمونه من محتويات إلي قاعدة عريضة من المتابعين الذين لا يبخل الكثير منهم عن تقديم الدعم المادي لهم من خلال استغلال مشاعرهم الإنسانية. وأيضا ميل صانعي المحتوي الي تحقيق الشهرة والاستمرار في الظهور في المجتمع كنجوم يتم تكريمهم في بعض المحافل» واستضافتهم في بعض القنوات الفضائية والمواقع الصحفية. وضعف الرقابة علي ما يفعلونه من قبل الجهات الرقابية المختلفة.
ولظاهرة التسول الإلكتروني من خلال صناعة المحتويات غير الهادفة لها عديد من التأثيرات السلبية في المجتمع منها:
. دعم سلوكيات التفاهة واللامعني والانحراف السلوكي والاخلاقي في المجتمع
. استغلال المرأة والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة أو الأمراض المزمنة في إثارة المشاعر الإنسانية لدي الداعمين
. نشر ثقافة الإتكالية والاعتماد علي الآخرين وتقديم اي تنازلات في سبيل الحصول علي المال
. نشر ثقافة الكذب والادعاء في سبيل الحصول علي المال
. نفور الطلاب والشباب من الدراسة والعمل الجاد والنظر الي صناعة المحتوي والتسول الإلكتروني باعتبارهما أكثر جدوي من الدراسة والعمل
.تصدير صورة سلبية للآخربن عن الثقافة أو المجتمع الذي ينتمي إليه صانعو المحتوي
. هز ثقة الشباب في قيم الإتقان والمثابرة والعمل الجاد
ولا شك أن الدعم النفسي يختلف تماما عن التسول الإلكتروني في عديد من النقاط منها» أن الدعم النفسي غالبا ما يطلب من أفراد يكون لدي الشخص معرفة سابقة بهم. بينما في التسول الإلكتروني يطلب الشخص مساعدة من أفراد لا يعرفهم مسبقا. كما أن الدعم النفسي قد يأخذ أشكالا متعددة منها الدعم النفسي المعلوماتي "من خلال طلب معلومات ونصيحة من الآخرين حول كيفية حل مشكلة ما" أو وجداني "من خلال مشاركة الآخرين الفرد أحزانه أو آلامه" أو مادي "من خلال تقديم دعم مادي أو مالي للشخص الذي يكون في مأزق وغالبا ما يكون علي صورة دين" أما التسول الإلكتروني فغالبا ما يكون في صورة طلب مال فقط دون أي تعهد بإرجاعه لصاحبه مرة اخري. كما أن الدعم النفسي يطلبه الفرد عند الاحتياج إليه فقط في أوقات الأزمات أو المحن أو الاحتياج. بينما التسول الإلكتروني يطلب فيه الشخص المال في أي وقت حتي دون احتياج إليه والمثير الدهشة أن المتسول إلكترونيا قد يمتلك مالا أكثر من الأشخاص الداعمين له. وغالبا ما يقدم تنازلات في سبيل الحصول علي المال منهم.
أوضحت د. هند فؤاد أستاذ علم الاجتماع المساعد بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن التحول الرقمي المتسارع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي أفرز أنماطًا جديدة من الظواهر الاجتماعية. كان من أبرزها التسول الإلكتروني. الذي يُعد امتدادًا حديثًا للتسول التقليدي. لكنه أكثر تعقيدًا وخطورة نظرًا لقدرته علي الانتشار الواسع. واستغلال العاطفة الإنسانية. وصعوبة ضبطه قانونيًا. وقد تحوّل الفضاء الرقمي إلي ساحة مفتوحة لاستدرار التعاطف وجمع الأموال بوسائل تتراوح بين الصدق والاحتيال المقنّع.
مفهوم التسول الإلكتروني
يشير التسول الإلكتروني إلي كل ممارسة تهدف إلي طلب المال أو الدعم المادي عبر الوسائط الرقمية "مواقع التواصل الاجتماعي. تطبيقات المراسلة. منصات البث المباشر. المحافظ الإلكترونية". باستخدام خطاب عاطفي أو ديني أو إنساني. سواء كانت الحاجة حقيقية أو وهمية. وبغض النظر عن وجود نية احتيالية من عدمها.
ويتسم هذا النمط من التسول بعدة خصائص:
- غياب المواجهة المباشرة بين المتسول والمتلقي.
- الاعتماد علي الصور. الفيديوهات. القصص المؤثرة.
- سهولة الانتشار وإعادة النشر.
- صعوبة التحقق من صدقية الحالات المعروضة.
- الأبعاد المختلفة لظاهرة التسول الإلكتروني:
البعد الاجتماعي:
يعكس التسول الإلكتروني تحولات عميقة في البنية الاجتماعية. من أبرزها:
تفكك شبكات الدعم الاجتماعي التقليدية "الأسرة. الجيرة. المجتمع المحلي"
تزايد الشعور بالاغتراب الاجتماعي والوحدة. ضعف الثقة المجتمعية نتيجة انتشار حالات الاحتيال. تطبيع ثقافة الاعتماد علي الغير بدلًا من العمل المنتج.
كما يسهم في إعادة إنتاج صور نمطية سلبية عن الفقر والعوز. ويحوّل المعاناة الإنسانية إلي محتوي استهلاكي قابل للمشاركة والتداول.
البعد النفسي:
يعتمد التسول الإلكتروني بشكل أساسي علي الاستثارة العاطفية. سواء لدي المتسول أو المتلقي وذلك من خلال استغلال مشاعر الشفقة. الذنب. الخوف. أو الثواب الديني. او لجوء بعض الأفراد للتسول الرقمي نتيجة مشاعر العجز أو الاكتئاب. هذا بجانب
تعزيز سلوكيات الاتكالية والتلاعب العاطفي لدي المتلقي. الشعور المؤقت بالرضا الأخلاقي دون معالجة جذرية للمشكلة.
البعد الثقافي والديني:
يلعب الخطاب الثقافي والديني دورًا محوريًا في انتشار الظاهرة من حيث توظيف مفاهيم الصدقة والزكاة والتكافل الاجتماعي. واستغلال المناسبات الدينية "رمضان. الأعياد". الخلط بين العمل الخيري المنظم والتبرعات الفردية غير الموثقة. غياب الوعي بالفرق بين المساعدة المستحقة والاستغلال العاطفي.
البعد التكنولوجي:
اذ وفّرت التكنولوجيا بيئة خصبة للتسول الإلكتروني من خلال "سهولة إنشاء الحسابات الوهمية. أدوات الدفع الإلكتروني السريعة. خوارزميات المنصات التي تروج للمحتوي العاطفي. البث المباشر والتفاعل الفوري مع الجمهور" وهو ما يمنح المتسول قدرة عالية علي الوصول لجمهور واسع دون رقابة كافية.
سبل مواجهة ظاهرة التسول الإلكتروني
المواجهة الاجتماعية من خلال "تعزيز دور مؤسسات الرعاية الاجتماعية. دعم الفئات الهشة ببرامج تمكين اقتصادي حقيقية. إعادة بناء الثقة داخل المجتمع"
المواجهة الثقافية والإعلامية: إطلاق حملات توعوية حول مخاطر التسول الإلكتروني.
تصحيح المفاهيم المغلوطة حول الصدقة الإلكترونية. تشجيع العمل الخيري المؤسسي بدل الفردي العشوائي.
المواجهة التكنولوجية بتطوير أدوات للإبلاغ عن المحتوي الاحتيالي. وتعاون المنصات الرقمية مع الجهات الرسمية. بجانب استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد الحسابات المشبوهة.
المواجهة الفردية: التحقق من مصداقية الحالات قبل التبرع. توجيه المساعدات عبر مؤسسات معتمدة. عدم إعادة نشر المحتوي العاطفي غير الموثق.
تمثل ظاهرة التسول الإلكتروني إحدي الإشكاليات الاجتماعية المعقدة التي تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والنفسية والتكنولوجية والثقافية. ومواجهتها لا تتحقق فقط عبر الردع القانوني. بل تتطلب رؤية شاملة تقوم علي التمكين. والوعي. والتنظيم. وتفعيل قيم التكافل المسئول. بما يضمن حماية المحتاج الحقيقي ومنع استغلال المشاعر الإنسانية في الفضاء الرقمي.
يري د. إسلام قناوي الفقيه الدستوري أن التسول الإلكتروني لا يختلف عن التسول التقليدي. فهو قائم علي التحايل والنصب للحصول علي منفعة بطريقة غير مشروعة. والتسول الالكتروني ظاهرة عالمية حيث تتم من خلال التسجيل وامتلاك اسم المجال الخاص "الدومين" الخاص علي شبكة الإنترنت. وفي العادة يطلب المتسولون عبر الإنترنت من الجمهور المساعدة في العديد من الاحتياجات. بما في ذلك العلاج من الأمراض. فهو بديلا إلكترونيا للتسول في الشوارع. فالتسول الإلكتروني مثله مثل التسول في الشوارع هو وسيلة لكسب المال بسهولة. ولا علاقة له في كثير من الأحيان بالحاجة المادية أو الظروف الاقتصادية. وكما تحوَّل التسول علي الأرض إلي شبكات أشبه بـ"المافيا" تُنظِّم عمل المتسولين في الشوارع والأزقة. بات الأمر ذاته ينطبق علي الإنترنت.
أشار إلي صناعة المحتوي الغير هادف او الغير اخلاقي للحصول علي مكاسب مالية من خلال جمع الأموال او زيادة عدد المتابعات الذي يقابله مكاسب مالية او نشر فيديوهات خادشة لذات السبب أصبح هو الظاهرة الاوسع انتشارا في الوطن العربي. إلي جانب البعد الاقتصادي للظاهرة يتمثل في ضرب التجارة التقليدية في مقتل . حيث أغلب تلك المنصات لا تخضع لمنظومة الضرائب او دفع القيمة الايجارية فيتم تقليل ثمن السلعة مما يكون له أثر في جذب العميل واللجوء الي إليها للاستفادة من فرق السعر.حيث انه لا يمكن حصر عددها او السيطرة علي ما تقدمه من جودة للخامات التي غالبا ما تكون غير جيدة . مما يصعب تتبع مقدمو الخدمة من جانب المستهلكين لعدم معرفة عناوين حقيقية او تفصيلية لهم.
أشار إلي الفرق بين الدعم الإنساني والتسول المقنع مضيفاً ان الدعم الانساني يدخل ضمن الأعمال المشروعة باعتباره طلب جزء من الزكاة او الصدقة تحت مسمي مساعدة لعجز او مرض . ويكون غالبا بمستندات او ان الحالة معروفة للكافة وتتعامل مع مستشفي او مركز طبي يمكن الرجوع اليه. بينما التسول المقنع هو صورة متطورة من التسول التقليدي ولكن باساليب وصور مستحدثة لتصل الي الجميع وهو عمل غير قانوني.
اترك تعليق