البحر الأحمر - حسن حمدان:
في وقت تتسابق فيه دول الإقليم علي اقتناص السائح العالمي. لم يعد الاعتماد علي المقومات الطبيعية وحدها كافيًا... السياحة اليوم صناعة متكاملة تحكمها الجودة. وسهولة الوصول. وتجربة السائح الكاملة من لحظة الهبوط وحتي المغادرة.
وفيز قلب هذا المشهد. يبرز البحر الأحمر كأحد أهم أعمدة السياحة المصرية. بما يمتلكه من شواطئ بكر. ومواقع غوص عالمية. وبنية فندقية ضخمة. إلا أن الطريق نحو تحقيق هدف 30 مليون سائح بحلول 2030 يمر عبر إصلاحات جذرية. وقرارات جريئة. ومبادرات غير تقليدية.
خبراء ومستثمرون ومسؤولون يجمعون علي أن إعادة تشغيل الفنادق المغلقة. والتوسع في الطيران منخفض التكاليف. وتحديث منظومة الدخول. وتحسين جودة العنصر البشري. وخلق مدن سياحية حقيقية خارج أسوار المنتجعات. هي مفاتيح العبور نحو المستقبل السياحي المنشود.
يؤكد رامي فايز. عضو غرفة المنشآت السياحية بالبحر الأحمر. أن السياحة منظومة واحدة مترابطة. مشيرًا إلي أن مصر نجحت خلال الفترة من 2020 إلي 2025 في رفع عدد السائحين من 18.5 إلي 19.5 مليون سائح بمعدل نمو يقارب 20%. وهو رقم جيد لكنه لا يعكس الإمكانات الحقيقية.
ويشير فايز إلي أن الفنادق فئة النجمة والنجمتين والثلاث نجوم تمثل العمود الفقري للسياحة الجماعية. حيث تضم مصر نحو 648 فندقًا من هذه الفئة بطاقة إجمالية 143 ألف غرفة. لكنها تعاني من ضعف العائد نتيجة الإهمال وضعف التدريب. مطالبًا بإطلاق مبادرات عاجلة لإعادة تشغيل الفنادق المغلقة والمتعثرة ودمجها مرة أخري داخل المنظومة السياحية.
يشدد فايز علي أن التحدي الحقيقي ليس في نقص العمالة. بل في جودة العمالة. مؤكدًا أن مراقبة جودة الخدمة لا تتم بالكاميرات. بل بـعامل مدرب مؤهل قادر علي بناء علاقة إنسانية مع السائح. وهو ما يضمن عودته مرة بعد أخري.
ويطالب بربط تراخيص الفنادق بتدريب العاملين وإلزام المنشآت السياحية بتنفيذ برامج تدريب معتمدة. للحفاظ علي العمالة المدربة ورفع مستوي الخدمة.
من أبرز المطالب التي يطرحها الخبراء التعاقد مع شركات طيران منخفض التكاليف بجانب الطيران الشارتر والتفعيل الجاد لمنظومة الفيزا الإلكترونية (Smart Air Code) بما يسمح بدخول السائح عبر رمز رقمي دون تكدس أو تعطيل. بدلًا من مشاهد الطوابير الطويلة التي لا تتناسب مع مستهدفات الـ30 مليون سائح.
ويحذر فايز من أن المنافسة الاقليمية تتسارع. وأن البحر الأحمر لم يعد وحده علي الخريطة السياحية العالمية.
مرسي علم تعاني
من جانبه. يوضح عاطف عثمان. مدير أحد فنادق مرسي علم. أن المدينة تمتلك مقومات عالمية. لكنها تعاني من ضعف شبكات الكهرباء والاعتماد علي مولدات الديزل المكلفة ونقص مياه الشرب والاعتماد علي محطات تحلية خاصة وغياب مناطق التسوق والممشي السياحي خارج المنتجعات ويقترح حلولًا عملية أبرزها ربط مرسي علم بالأقصر وأسوان لدمج السياحة الشاطئية مع الثقافية وإنشاء ممشي سياحي عالمي يضم مطاعم وأسواقًا للمنتجات التراثية وتطوير منطقة بورت غالب لتكون مركزًا إقليميًا لسياحة اليخوت الفاخرة.
ويري الدكتور أبو الحجاج العماري. الخبير السياحي. أن تعظيم العائد من السائح الحالي لا يقل أهمية عن زيادة أعداد السائحين. مطالبًا بتحسين: منظومة النقل العام الآمن والنظيف.. وتنظيم عمل التاكسي والتعريفة والايصالات وإتاحة مرافق عامة لائقة وتسهيل حركة ذوي الهمم داخل المدن السياحية مؤكدًا أن جودة التجربة هي ما يحول السائح إلي سفير دائم للمقصد المصري.
بدوره. دعا إيهاب شكري وعصام علي إلي التوسع في إنشاء غرف فندقية جديدة بالغردقة وشرم الشيخ والأقصر وأسوان وإنشاء شركة طيران شارتر مصرية واقتحام سوقي الصين والهند بقوة. واستهداف أكثر من مليون سائح من كل دولة.
كما شددوا علي ضرورة إطلاق قنوات سياحية عالمية باللغات الأجنبية تحت مظلة الدولة. تكون نافذة دائمة للترويج للمقاصد المصرية.
ويؤكد النائب جمال صالح حفني السليك. عضو مجلس الشيوخ. أن الدولة قطعت شوطًا مهمًا عبر شبكة طرق ومحاور عالمية وتطوير المطارات. وعلي رأسها مطار الغردقة بطاقة 13 مليون سائح وإنشاء مطاري برانيس ومرسي علم وتطوير الموانئ والممشي السياحي والبنية التحتية.
السياحة المصرية تمتلك كل عناصر النجاح. لكن الوصول إلي الـ30 مليون سائح لن يتحقق إلا بإرادة تنفيذية. وتكامل بين الدولة والقطاع الخاص. وانتقال حقيقي من سياحة الأعداد إلي سياحة الجودة والعائد.
"جوهرة القناة.. بلا سياح.. خبرات مُهدرة وفرص ضائعة
كتب - طارق حسن:
علي بوابة العالم. حيث يلتقي البحر بقناة السويس. تقف بورسعيد مدينةً استثنائية في موقعها وتاريخها. لكنها غائبة عن المشهد السياحي المصري والدولي. مدينة امتلكت كل ما يؤهلها لتكون مقصدًا عالميًا» من موقع استراتيجي لا يتكرر. وتاريخ وطني ارتبط بالمقاومة والبطولة. وطابع معماري أوروبي نادر. إلي أسواق تجارية وشريط ساحلي واعد. لكنها رغم ذلك لم تحصد نصيبها العادل من حركة السياحة.
في وقت تتحرك فيه الدولة المصرية بخطي متسارعة نحو زيادة أعداد السائحين وتنويع المنتج السياحي. تظل بورسعيد حبيسة غياب الرؤية وتشتت الجهود. وسط تساؤل مشروع: لماذا لم تتحول هذه المدينة الفريدة إلي مقصد سياحي حقيقي؟ هذا التحقيق يفتح ملف الحلم المعطّل. ويقترب من المعوقات. ويستمع إلي خبراء ومواطنين لوضع اليد علي مكامن الخلل وفرص الإنقاذ.
تمتلك بورسعيد مقومات نادرة لا تجتمع في مدينة واحدة بسهولة» فهي تطل علي المدخل الشمالي لقناة السويس. وتحمل ذاكرة وطنية خالدة منذ العدوان الثلاثي والمقاومة الشعبية. وتتميز بتراث معماري أوروبي فريد. إلي جانب أسواق تاريخية و ساحل بحري ممتد.
لكن هذه الثروة المتنوعة لم تتحول إلي منتج سياحي متكامل. قادر علي جذب السائح للإقامة والإنفاق. لتبقي المدينة مجرد محطة عبور أو زيارة عابرة بلا مردود اقتصادي حقيقي.
يؤكد عاملون بقطاع السياحة أن بورسعيد تعاني من غياب شبه كامل للترويج الاحترافي. داخليًا وخارجيًا. مع افتقارها لهوية سياحية واضحة يمكن تسويقها. مقارنة بمدن رسخت صورتها الذهنية مثل الأقصر وأسوان وشرم الشيخ.
وتواجه المدينة نقصًا حادًا في الفنادق السياحية المصنفة. خاصة الفنادق الاقتصادية نجمتين وثلاث نجوم والهوستلز. إلي جانب غياب مراسي لليخوت ومنتجعات بحرية. ومحدودية المطاعم والخدمات المجهزة لاستقبال السائح الأجنبي. ما يجعل الإقامة لأكثر من يوم أمرًا غير مشجع.
يؤكد منير حمود. مؤسس مبادرة "سياحة اليوم الواحد" ببورسعيد. أن حصول المدينة علي نصيب عادل من الحركة السياحية يتطلب خطة متكاملة تبدأ بالتدريب والتسويق. وفتح أسواق جديدة. وتنمية المناطق السياحية. وزيادة الطاقة الفندقية. وتطوير البنية الأساسية. والارتقاء بالبيئة والنظافة. مع الحفاظ علي الآثار والثروات الطبيعية.
ويري الإعلامي إبراهيم الصياد أن بورسعيد من أكثر المدن المصرية امتلاكًا لمقومات سياحية غير مستغلة. مؤكدًا أن ما تشهده مصر من تحولات اقتصادية يفتح الباب أمام بورسعيد لتكون مركزًا سياحيًا إقليميًا ودوليًا. شريطة وجود رؤية شاملة تجمع بين تطوير البنية التحتية. وتنويع المنتج السياحي. والتسويق الفعّال. والتنمية المستدامة.
أشار إلي أن تطوير سوق الحميدي وتحويله إلي مركز سياحي. بالتزامن مع الاحتفال بالعيد الـ69 للنصر. يمثل نموذجًا ناجحًا لإنهاء العشوائية واستعادة الروح السياحية للمدينة.
يري إبراهيم عليوة بالنعاس أن بورسعيد تمتلك خبرات سياحية عالمية من أبنائها. وعلي رأسهم رجل الأعمال كامل أبو علي. الذي سبق أن قدم تصورًا عالميًا لتطوير شاطئ بورسعيد. مؤكدًا أن تجاهل هذه الخبرات يمثل إهدارًا لفرص حقيقية كان يمكن أن تضع المدينة علي خريطة السياحة الدولية.
تؤكد الدكتورة منال محمد الغراز أن التحدي الحقيقي يكمن في تسويق التجربة السياحية لا الموقع فقط. عبر تشجيع الاستضافات المنزلية. وإنشاء أسواق للمشغولات التراثية. واستغلال بحيرة المنزلة في السياحة البيئية. وإطلاق أجندة مهرجانات ثابتة تعكس هوية بورسعيد وتطيل مدة الإقامة.
يشدد أحمد فايد وناصر شطا علي ضرورة توفير وسائل مواصلات منظمة. ومطاعم وكافتيريات بأسعار واضحة. وإنشاء بانورامات تاريخية تحكي بطولات بورسعيد. إلي جانب إعادة تشغيل المتحف القومي وعودة تمثال ديليسبس. وتوفير أماكن إقامة متوسطة السعر تشجع السائح علي البقاء لأكثر من يوم.
ويضيف عماد عثمان. تاجر ومستورد. أن بورسعيد تمتلك كل مقومات النجاح. لكنها تفتقد الفنادق المتوسطة منخفضة التكلفة. وأماكن ترفيه عائلية مثل الأكوا بارك والملاهي. وهو ما يجعلها أقل جذبًا مقارنة بمدن ساحلية أخري.
"عروس البحر المتوسط " تبحث عن استعادة بريقها السياحي
الإسكندرية- دينا زكي:
تمتلك مدينة الإسكندرية مقومات سياحية وتاريخية نادرة. تجمع بين عمق حضاري ممتد عبر العصور. وموقع جغرافي متميز علي ساحل البحر الأبيض المتوسط. ما يؤهلها لأن تكون واحدة من أهم المدن السياحية في المنطقة. ورغم ذلك. تواجه المدينة عددًا من التحديات التي أثرت خلال السنوات الأخيرة علي قدرتها في جذب السائحين وتعظيم الاستفادة من هذا المخزون الكبير من الفرص.
منذ لحظة وصول الزائر إلي الإسكندرية. تظهر بعض الملاحظات المرتبطة بالبنية التحتية وتنظيم الحركة المرورية. حيث تشهد بعض المحاور الرئيسية كثافات مرورية مرتفعة. إضافة إلي الحاجة لمزيد من أعمال الصيانة والتطوير. وهو ما قد يؤثر علي انطباع الزائر الأولي ويحد من قدرته علي الاستمتاع الكامل بتجربته السياحية.
يوضح عبدالله محمود. عضو المجلس المحلي السابق بمحافظة الإسكندرية. أن مدخل المدينة يُعد من العناصر المهمة في تشكيل الصورة الذهنية لدي الزائر. مشيرًا إلي أن بعض المناطق تحتاج إلي تحسين مستوي الإضاءة والتنسيق الحضاري. خاصة في نطاق العامرية وبرج العرب. بما يعكس الطابع السياحي للمدينة ويعزز الشعور بالأمان والراحة.
وتشير ستوته حسن. رئيسة إحدي الجمعيات الأهلية. إلي أن ملف النظافة يمثل أحد المحاور الأساسية لتحسين التجربة السياحية. موضحة أن تراكم المخلفات في بعض الشوارع والمناطق القريبة من مسارات الحركة الرئيسية يستدعي دعم جهود شركات النظافة والأحياء. وتكثيف حملات المتابعة. بما ينعكس إيجابًا علي المظهر العام وجودة الحياة.
كما أن الحد من تلوث الهواء. خاصة خلال فترات الذروة. يعد خطوة مهمة للحفاظ علي الطابع البيئي والصحي لمدينة ساحلية يفترض أن تكون مقصدًا للراحة والاستجمام.
يري نبيل رحمي. الخبير السياحي. أن الإسكندرية بحاجة إلي حضور أقوي علي خريطة الترويج السياحي. من خلال حملات دعائية حديثة تُبرز تاريخها الثقافي وتنوع معالمها. مع تعزيز وجودها علي المنصات الرقمية العالمية.
ويضيف أن تطوير مراكز الإرشاد السياحي. وتوفير المعلومات بلغات متعددة. وتحسين اللوحات الإرشادية. من شأنه أن يسهم في تنظيم حركة الزائرين ورفع مستوي رضاهم عن التجربة السياحية داخل المدينة.
ورغم امتلاك الإسكندرية لعدد كبير من المواقع الأثرية. إلا أن بعضها يحتاج إلي مزيد من أعمال التطوير والصيانة الدورية. بما يساعد علي تحويلها إلي نقاط جذب فعالة لمختلف الفئات العمرية.
كما أن تنويع الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية علي مدار العام يمكن أن يسهم في تقليل الاعتماد علي موسم الصيف فقط. ويحقق استفادة اقتصادية أكثر استدامة للقطاع السياحي.
ويشير المهندس محمد أمجد. الخبير الهندسي. إلي أن تحسين حالة الطرق. وتطوير شبكات الصرف. والحفاظ علي المساحات الخضراء. تمثل عناصر أساسية في دعم الصورة الحضارية للإسكندرية. مؤكدًا أهمية الموازنة بين التطوير العمراني والحفاظ علي الطابع البيئي والتراثي للمدينة.
وتؤكد سناء علي. أن الاهتمام بالميادين العامة وتنظيم الأنشطة التجارية. خاصة في المناطق الحيوية. يسهم في تحسين السيولة المرورية ويعزز من شعور الزائر بالراحة أثناء تنقله داخل المدينة.
اترك تعليق