يشهد سوق الإلكترونيات في مصر في السنوات الأخيرة حالة من الحراك اللافت وهو ما استرعي انتباه مؤسسة بحجم "فيتش" التي توقعت نموًا متميزًا للقطاع مدعوماً بسياسات حكومية تستهدف تعميق التصنيع المحلي وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
عندما تشير مؤسسة تصنيف دولية إلي نمو متميز للاستهلاك المحلي في سوق الإلكترونيات فإنها لا تنظر فقط إلي أرقام المبيعات الحالية بل تُقيِّم مزيجاً من العوامل أهمها حجم الطلب المحلي وقوة السياسات الحكومية الداعمة وتطور البنية التحتية الرقمية واللوجستية وقدرة السوق علي جذب استثمارات جديدة.
هذا الخطاب المتفائل يثير أسئلة جوهرية منها: هل يُعبر هذا النمو المتزايد للاستهلاك المحلي في سوق الإلكترونيات عن واقع اقتصادي راسخ أم عن موجة نمو مرتبطة بظروف استثنائية؟ وإلي أي مدي يشعر المستهلك المصري بهذا النمو في السعر والجودة وتوافر المنتج؟
في الحالة المصرية يأتي هذا التقييم في سياق توسع شريحة مستخدمي الإنترنت والهواتف الذكية وارتفاع الاعتماد علي الخدمات الرقمية في التعليم والتجارة والخدمات الحكومية وهو ما يخلق طلباً متزايداً على الأجهزة الإلكترونية بمختلف أنواعها.
غير أن القراءة الأكاديمية الحذرة تقتضي التمييز بين "نمو الحجم" و"جودة النمو" فقد يشهد السوق ارتفاعًا في المبيعات، لكن السؤال الأعمق هو: هل ينشأ هذا النمو من قاعدة إنتاجية محلية متينة أم من زيادة في الاستيراد وإعادة التجميعوالتوزيع؟ وهنا تبرز أهمية مبادرات تعميق التصنيع المحلي وعلي رأسها مبادرة "مصر تصنع الإلكترونيات".
قال د. عطا عيد عطا مدرس التمويل والاستثمار بالجامعة المصرية الصينية، إن مبادرة "مصر تصنع الإلكترونيات" جاءت كإطار استراتيجي يستهدف تحويل مصر إلي مركز إقليمي لصناعة الإلكترونيات عبر جذب الشركات العالمية للتصنيع أو التجميع المحلي وتقديم حوافز ضريبية وجمركية وتطوير مناطق تكنولوجية متخصصة.
أوضح د.عطا، أنه من المنظور الأكاديمي تمثل هذه المبادرة محاولة للخروج من نموذج "الاقتصاد القائم على الاستيراد" إلي نموذج "الاقتصاد القائم على القيمة المضافة المحلية" ولكن التحدي الأكبر لا يكمن في إطلاق المبادرة بل في قياس ما تحقق منها فعلياً على أرض الواقع، وما نسبة المكوّن المحلي في الأجهزة المطروحة للمستهلك؟ إلي أي حد تجاوزت الشركات مرحلة "التجميع البسيط" إلي مراحل تصنيع أعمق "لوحات إلكترونية، برمجيات مدمجة، تصميمات محلية"؟ وهل انعكس ذلك في خلق وظائف نوعية وتحسين ميزان المدفوعات؟.
أضاف يمكن القولب المفهوم العلمي إن أي مبادرة صناعية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة بل بقدرتها على خلق "سلاسل قيمة" محلية متكاملة تربط بين البحث والتطوير والتصنيع والخدمات اللوجستية والتسويق وخدمات ما بعد البيع مضيفا إن الواقع يشير إلي توسع واضح في وجود علامات تجارية عالمية ومحلية تُجمّع في مصر عدداً من الأجهزة ممثلة في شاشات وهواتف وأجهزة منزلية صغيرة ومكوّنات إلكترونية.
قال د. عطا، إن السؤال المحوري هو: ما نسبة "التجميع" مقارنة بنسبة "التصنيع"؟ ففي كثير من الحالات، يقتصر النشاط على استيراد مكوّنات شبه تامة الصنع وتجميعها محلياً مع إضافة محدودة للقيمة.
يري أنه من وجهة نظر اقتصادية يعد حتي هذا المستوي من التجميع خطوة أولي يمكن البناء عليها بشرط أن تكون هناك خطة زمنية لزيادة نسبة المكوّن المحلي مع نقل تدريجي للتكنولوجيا والمعرفة الفنية إضافة إلي استثمار جاد في تدريب العمالة والكوادر الهندسية والفنية من دون هذه المراحل يظل التحدي قائمًا بأن يتحول التصنيع المحلي إلي "واجهة شكلية" لا تغيّر جوهر الاعتماد على الخارج ولا تُترجم إلي ميزة سعرية أو جودة ملموسة للمستهلك مضيفا ومن الأهمية بمكان التأكيد على دور الحوافز الحكومية وجذب الاستثمارات فإنه بلا شك أن الحوافز الحكومية سواء في صورة إعفاءات ضريبية أو تسهيلات جمركية أو إتاحة أراضي في مناطق تكنولوجية قد لعبت دوراً في جذب شركات للتصنيع أو التجميع في السوق المصرية.
أوضح أنه من منظور تمويلي هذه الحوافز تُخفض من تكلفة الدخول وتُخفف من المخاطر الاستثمارية في المراحل الأولي لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح مهنيًّا - هل صُممت هذه الحوافز بطريقة تضمن التزامًا طويل الأجل من الشركات؟ وهل ستعمل على تحقيق نسب متزايدة من القيمة المضافة المحلية؟ أم أنها حوافز عامة قد تغري بعض الكيانات بالاستفادة قصيرة الأجل دون بناء قاعدة إنتاجية حقيقية؟.
الخبرة الدولية تُظهر أن أنجح نماذج التحفيز هي تلك التي تربط الإعفاءات بنسب تشغيل محلية ومستويات تصدير واستثمارات في البحث والتطوير، لا بتأسيس مصنع أو خط إنتاج فحسب.
أفاد من المنظور المُكمل نجد أن التحول نحو التجارة الإلكترونية ودعم المنصات الرقمية وتحسين الخدمات اللوجستية والتوصيل قد أسهم في توسيع قاعدة المستهلكين ووصول المنتجات الإلكترونية إلي شرائح أوسع في وقت أسرع وبكفاءة أعلي حيث يُمكن النظر إلي التجارة الإلكترونية كونها "مُسرِّع" لنمو الطلب على الإلكترونيات وفي الوقت نفسه "مرآة" تكشف سلوك المستهلك وتفضيلاته بين المنتج المحلي والمستورد وإن المستهلك المصري اليوم أصبح أكثر قدرة على المقارنة بين الأسعار والخصومات وخدمات ما بعد البيع وجودة المنتج عبر ضغطة زر مما يُفرض ضغوطًا تنافسية على المنتجين المحليين: فمجرد "التصنيع في مصر" لا يكفي إن لم يقترن بسعر ملائم وجودة موثوقة وتجربة استخدام مرضية من منظور المستهلك تُقاس جدوي كل هذه السياسات والإعلانات عن النمو بأسئلة بسيطة - هل الأجهزة الإلكترونية أصبحت أرخص نسبيًا مقارنة بالدخل؟ هل تحسنت الجودة والاعتمادية وخدمات ما بعد البيع؟ هل توافر المنتج المحلي في الفئات السعرية المختلفة أصبح حقيقيًا وليس محدودًا في نطاق ضيق؟.
قال د. عطا إن الانطباع السائد لدي شريحة واسعة من المستهلكين ما زال مختلطًا فبينما ظهرت منتجات محلية أو مجمّعة محلياً بأسعار تنافسية لا تزال بعض الفئات تري أن العلامات العالمية المستوردة أكثر موثوقية خاصة في الأجهزة ذات الاستخدام الكثيف وطويل الأجل هذا الفارق في الانطباع يستدعي جهداً أكبر في بناء "سمعة صناعية محلية" وليس الاعتماد فقط على شعار "صنع في مصر" مضيفا وأخيراً يبقي السؤال الأهم: هل النمو الحالي في سوق الإلكترونيات قابل للاستدامة؟ الإجابة يتوقف ذلك على عدة عوامل من أهمها مدي قدرة الاقتصاد الكلي على استيعاب صدمات سعر الصرف وتكلفة استيراد المكوّنات ومدي قدرة الشركات المحلية على الابتكار لا الاقتصار على تقليد النماذج العالمية، ومدي استمرارية الحوافز والسياسات الصناعية بعيداً عن التقلبات قصيرة الأجل، مدي تطوير قاعدة بشرية من المهندسين والفنيين القادرين على الارتقاء بدرجة التعقيد التكنولوجي في المنتج المحلي وإن كان النمو الحالي يعتمد في جانب كبير منه على توسع الطلب الاستهلاكي مدفوعاً بالمنصات الرقمية والعروض الترويجية فقط، فسيظل عرضة للتباطؤ مع أي ضغط على دخول الأفراد أو ارتفاع في الأسعار أما إذا كان قائمًا على توسع حقيقي في القاعدة الصناعية وارتفاع تدريجي في نسبة المكوّن المحلي وتُحسن مستمر في الجودة، فحينها يمكن الحديث عن نمو مُستدام ينعكس فعلاً على الاقتصاد الكلي والمستهلك النهائي.
اختتم قائلا إن هناك مؤشرات إيجابية حقيقية لا يمكن إنكارها تمثلت في توسع في التصنيع والتجميع مع اهتمام حكومي مُعلن مع تطور في البنية الرقمية واللوجستية ونمو في ثقافة التجارة الإلكترونية لكن في المقابل ما زلنا بحاجة إلي قراءة أكثر عمقًا لمدي تحول هذه المؤشرات إلي تحسن ملموس ومستدام في السعر والجودة وتوطين التكنولوجيا وإن التفاؤل مشروع لكن الحذر العلمي يفرض علينا أن تبقي أعيننا على الأسئلة الصعبة - أين نقف بالضبط على سلم التصنيع؟ وما حجم القيمة المضافة المحلية الحقيقية؟ وهل يشعر المستهلك فعلاً بأن سوق الإلكترونيات ينمو لصالحه، لا لمجرد تضخيم الأرقام والمؤشرات؟ إن سوق الإلكترونيات في مصر يقف اليوم أمام فرصة تاريخية ليصبح أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، فتوقعات مؤسسة "فيتش" تعكس ثقة دولية في قدرة مصر على تحقيق هذا التحول، لكن النجاح يتطلب استمرار السياسات الداعمة وتطوير التصنيع المحلي وتعزيز التجارة الإلكترونية.
الإجابة الصادقة عن هذه الأئلة هي ما ستحدد ما إذا كان هذا النمو قصة نجاح مكتملة أم فصل أول في مسار ما زال يحتاج إلي كثير من العمل والسياسات الذكية.
قال د. أحمد سمير الخبير الاقتصادي وعضو المجلس المصري للشئون الخارجية، أنه في ظل التحولات التي يمر بها الاقتصاد المصري يبرز سوق الإلكترونيات الاستهلاكية كأحد القطاعات التي أظهرت قدرًا من المرونة مدعومًا بتوقعات إيجابية من مؤسسة "فيتش" بشأن استمراره في تحقيق معدلات نمو تدريجية غير أن قراءة هذا النمو تتطلب فصل الأرقام عن الدلالات والنظر إلي ما وراء المؤشرات السطحية لفهم طبيعته وحدوده.
أضاف د.سمير إن النمو الحالي لا يعكس طفرة استهلاكية بقدر ما يعكس إعادة تشكيل للسوق، فالقيود على الاستيراد إلي جانب ارتفاع تكاليف التمويل دفعت الشركات إلي البحث عن بدائل أقل تكلفة وأكثر استقرارًا وكان التصنيع والتجميع المحلي أحد هذه البدائل هذا التحول ساعد على الحفاظ على تدفق المنتجات الأساسية لا سيما في الفئات المتوسطة التي تشكّل العمود الفقري للطلب المحلي مضيفا في هذا الإطار جاءت مبادرة "مصر تصنع الإلكترونيات" كجزء من سياسة أوسع تستهدف تقليل الاعتماد على الخارج، وتحفيز الاستثمار الصناعي ما تحقق حتي الآن يتمثل في توسع ملحوظ في أنشطة التجميع وزيادة عدد خطوط الإنتاج وتحسن نسبي في توفر الأجهزة داخل السوق إلا أن هذا التقدم يظل مرتبطًا بنموذج صناعي مرحلي يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المكونات الرئيسية.
أشار د. أحمد، إلي أن التمييز بين التجميع والتصنيع يظل عنصرًا حاسمًا في تقييم التجربة فبينما يساهم التجميع المحلي في توفير فرص عمل وتقليل الضغط على العملة الأجنبية فإنه لا يحقق القيمة المضافة الكاملة التي تنتج عن توطين التكنولوجيا أو تطوير الصناعات المغذية ومن ثم فإن استدامة النمو تتوقف على قدرة القطاع على الانتقال التدريجي إلي مراحل إنتاج أعمق مضيفا الحوافز الحكومية لعبت دورًا داعمًا في هذا المسار سواء من خلال التسهيلات الضريبية أو تبسيط الإجراءات الاستثمارية وقد ساعد ذلك على جذب شركات جديدة وتوسيع استثمارات قائمة خاصة في ظل بيئة إقليمية تنافسية إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب توجيه هذه الحوافز نحو أهداف أكثر تحديدًا مثل رفع نسب المكوّن المحلي وتعزيز البحث والتطوير بالتوازي وايضا ساهمت التجارة الإلكترونية وتحسن الخدمات اللوجستية في توسيع نطاق السوق وزيادة كفاءة التوزيع هذه التطورات حسّنت من وصول المنتجات إلي المستهلكين وقللت من الفجوات الجغرافية لكنها بقيت عاملًا مكملًا للنمو الصناعي لا بديلًا عنه.
أوضح أنه من منظور المستهلك لم يؤدِّي هذا النمو إلي انخفاض ملموس في الأسعار لكنه ساعد على تحقيق قدر من الاستقرار بعد فترات من التقلب الحاد كما شهدت بعض الفئات تحسنًا في الجودة وتنوعًا في الخيارات وإن ظل ذلك محصورًا في نطاق معين من المنتجات موضحا التحديات التي تواجه الصناعة المحلية لا تزال قائمة وعلى رأسها الاعتماد علي المكونات المستوردة وارتفاع تكاليف التمويل ومحدودية القدرات التكنولوجية هذه العوامل لا تعيق النمو الآتي لكنها تضع سقفًا لما يمكن تحقيقه على المدي المتوسط ما لم تعالج ضمن رؤية صناعية متكاملة.
قال في المحصلة يمكن القول إن سوق الإلكترونيات في مصر يشهد نموًا واقعيًا لكنه نمو محسوب تحكمه اعتبارات الاستقرار أكثر من التوسع السريع استدامة هذا النمو ستعتمد على مدي قدرة السياسات الحالية على التطور من إدارة المرحلة الانتقالية إلي بناء قاعدة صناعية أكثر عمقًا قادرة على توليد قيمة مضافة حقيقية وتعزيز تنافسية المنتج المحلي.
أوضح د. عمرو حسن فتوح أستاذ التكنولوجيا المعلومات بجامعة الوادي الجديد، أن سوق الإلكترونيات في مصر يشهد حالة من الحراك اللافت مدفوعًا بتوقعات مؤسسة "فيتش" التي ترجّح استمرار نموه رغم التحديات الاقتصادية وفي قراءة تحليلية لهذه التوقعات أن دلالتها الأساسية تكمن في نجاح السياسات الحكومية في خلق بيئة أكثر جاذبية للتصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
أشار إلي أن مبادرة "مصر تصنع الإلكترونيات" مثّلت نقطة تحول مهمة، حيث أسهمت في توسيع نطاق التصنيع والتجميع المحلي، وإن كانت نسبة كبيرة من المنتجات لا تزال تعتمد على التجميع أكثر من التصنيع الكامل ومع ذلك، فإن هذه الخطوة تُعد أساسًا ضروريًا لبناء صناعة إلكترونية متكاملة على المدي الطويل.
أكد أستاذ تكنولوجيا المعلومات أن الحوافز الحكومية، سواء الضريبية أو التنظيمية، لعبت دورًا ملموسًا في جذب شركات واستثمارات جديدة، ما انعكس على زيادة المعروض من الأجهزة في السوق كما ساهم التوسع في التجارة الإلكترونية وتحسين الخدمات اللوجستية في تسريع وصول المنتجات للمستهلك خاصة في المحافظات البعيدة عن المراكز التجارية الكبري وعن انعكاس هذا النمو علي المواطن، يري فتوح أن التأثير لا يزال نسبيًا، فبعض المنتجات شهدت استقرارًا في الأسعار وتحسنًا في التوافر، لكن الجودة والتنافسية السعرية ما زالتا مرتبطتين بمدي تعميق التصنيع المحلي، ويختتم بالتأكيد على أن استدامة هذا النمو مرهونة بمواجهة تحديات مثل ارتفاع تكاليف المكونات، ونقل التكنولوجيا، وبناء كوادر بشرية قادرة علي دعم صناعة إلكترونيات مصرية حقيقية، لا تكتفي بالتجميع بل تنتقل إلي الابتكار والإنتاج الكامل.
قال د. أحمد بهاء الدين خيري الاستاذ الجامعي والخبير الدولي في نظم الإدارة الذكية، إنه في الوقت الذي تشير فيه تقارير فيتش إلي نمو في سوق الإلكترونيات المصري، مدفوعًا بسياسات دعم التصنيع المحلي والتوسع في التجارة الإلكترونية، يبرز سؤال جوهري وهو هل تسير مصر على طريق بناء صناعة إلكترونيات حقيقية، أم تكرر نموذج - التجميع تحت الضغط - الذي لا يصمد طويلًا؟.
لا يكفي النظر إلي المؤشرات المحلية وحدها، بل يجب مقارنتها بتجارب دول نامية نجحت في تحويل الإلكترونيات إلي رافعة تنموية، وعلى رأسها المغرب وفيتنام.
أضاف إن التقديرات تشير إلي أن سوق الإلكترونيات المصري ينمو بمعدل يتراوح بين 6 و9% سنويًا، مع توسع واضح في المنتجات المُجمّعة محليًا، خاصة الهواتف المحمولة وأجهزة التلفاز، إذ تقترب نسبة المنتجات المُجمّعة محليًا في بعض الفئات من 40 إلي 50% بينما أكثر من 70% من المكونات الأساسية لا تزال مستوردة، وتتركز القيمة المضافة المحلية في العمالة والتجميع والتغليف، وهذا النمط يعكس إحلال واردات جزئيًا، لكنه لا يعكس بعدًا تصنيعيًّا متقدمًا.
أوضح أن المغرب بدأ مساره في الإلكترونيات بوتيرة أبطأ من مصر، لكنه اتخذ خيارًا استراتيجيًا مختلفًا اعتمد على ربط الصناعة منذ البداية بسلاسل التوريد الأوروبية، والتركيز على تصنيع مكونات إلكترونية للسيارات والطيران وفرض نسب متصاعدة للمكون المحلي وكانت النتيجة أن أكثر من 70% من إنتاج الإلكترونيات المغربي موجه للتصدير ونشوء شبكة موردين محليين للمكونات واستقرار الاستثمارات الصناعية حتي في أوقات الأزمات.
أشار إلي أن التصنيع لا ينجح إذا كان هدفه السوق المحلي فقط، بل يحتاج أفقًا تصديريًا واضحًا حيث إن فيتنام بدأت مثل مصر كمركز تجميع للهواتف والإلكترونيات لكنها وضعت منذ البداية خريطة طريق زمنية واضحة تمثلت في: مرحلة أولي: جذب شركات عالمية للتجميع، مرحلة ثانية: نقل أجزاء من التصنيع مرحلة ثالثة: توطين الموردين المحليين.. واليوم تمثل الإلكترونيات أكثر من 30% من صادرات فيتنام، ويتجاوز المكون المحلي 55 - 60% في بعض الصناعات.
وفي الوقت نفسه كان الاستثمار في التعليم الفني والهندسي موازيًا للاستثمار الصناعي، والفارق الجوهري أن فيتنام تعاملت مع التجميع كـمرحلة مؤقتة، بينما لا تزال مصر تتعامل معه كـإنجاز نهائي.
أشار إلي أن قطاع التجارة الإلكترونية في مصر نما بمعدلات تجاوزت 25% سنويًا، لكنه عزز التوزيع والاستهلاك، ولم يُربط بسياسات تفضيل المنتج المحلي.. أما في المغرب وفيتنام فإن المنصات الرقمية جزء من استراتيجية تصدير صناعي وليست مجرد قنوات بيع داخلية مضيفا المستهلك: من الرابح الحقيقي؟
المستهلك المصري استفاد من توافر السلع، لكنه لم يستفد بعد من تحسن هيكلي دائم في السعر أو الجودة.
أشار د. أحمد، إلي أنه يوجد تحديات هيكلية في مصر وهي غياب تصنيع الرقائق والمكونات الدقيقة وضعف المورد المحلي وفجوة بين التعليم الفني واحتياجات الصناعة واستثمارات يغلب عليها الطابع القصير الأجل، مضيفا أنه بالمقارنة الدولية يمكن أن نقول مصر حققت نموا كبيراُ بينما حقق المغرب كاملا صناعيا وحققت فيتنام تحولا هيكليا والاستدامة مرهونة بتحول السياسات من تقليل الاستيراد إلي بناء الصناعة تصديرية ذات قيمة مضافة.
موضحا أن سوق الإلكترونيات في مصر يقف عند مفترق طرقإما أن يظل سوق تجميع كبيرًا أو أن يتحول كما فعلت فيتنام إلي قاعدة تصنيع إقليمية حقيقية، مشيرًا إلي أن الفرق لا تصنعه الحوافز وحدها بل الرؤية طويلة الأجل، والانضباط الصناعي، وربط السوق المحلي بالعالم.
اترك تعليق