في خطوة تعكس التزام الدولة بتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين الحكومة ومجتمع الأعمال، أصدر السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، توجيهاته بإطلاق الحزمة الثانية من مبادرة التسهيلات الضريبية، خلال اجتماعه مع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي ووزير المالية أحمد كجوك، أمس، وثمن خبراء الاقتصاد، التوجيه الرئاسي، مؤكدين أنه يعكس رؤية اقتصادية تؤسس لبيئة استثمارية أكثر تنافسية وجاذبية على المستويين المحلي والإقليمي.
قال د . محمد سيد أحمد، الخبير الاقتصادي: الإعلان الذي جاء في سياق استعراض تطورات الأداء الاقتصادي والمالي ليس مجرد إجراء إداري بل هو إعلان عن تحول جذري في فلسفة المنظومة الضريبية المصرية حيث ينتقل التركيز من الامتثال الإجباري إلى الامتثال الطوعي القائم على الثقة والمصداقية.
وتابع: يأتي هذا الإطلاق بعد نجاح الحزمة الأولى الذي يمكن قياسه بأرقام ملموسة، إغلاق 400 ألف ملف ضريبي قديم طواعية، وتقديم 650 ألف إقرار جديد أو معدل بضرائب إضافية تصل إلى 78 مليار جنيه، إضافة إلى إقرار حجم أعمال جديد يتجاوز تريليون جنيه، هذه الإنجازات لم تكن مصادفة، بل نتاج حملة "صفحة جديدة" التي أعادت بناء الجسور بين مصلحة الضرائب والممولين، مما أدى إلى زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة 35% في العام المالي 2024-2025 دون فرض عبء إضافي على الاقتصاد.
وأضاف: تبرز الحزمة الثانية كامتداد طبيعي لهذا النجاح، تستهدف مساندة الملتزمين الضريبيين عبر مزايا تشمل تحسين كفاءة رد الضريبة على القيمة المضافة إطلاق مراكز دعم ضريبي متميز وحوافز مالية تعزز السيولة والتنافسية للشركات مع التركيز على تبسيط الإجراءات والتحول الرقمي، ومن الجوانب البارزة في هذه الحزمة، دمجها مع تسهيلات الضريبة العقارية، التي تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية من خلال تبسيط الإقرارات، تمديد فترة الحصر إلى سبع سنوات، زيادة حد الإعفاء للسكن الخاص، وإسقاط الديون والغرامات في حالات الأزمات.
واستكمل: هذه الإجراءات ليست مجرد تخفيضات، بل أدوات لتخفيف الأعباء على الأسر والشركات الصغيرة، ما يعزز الاستقرار الاجتماعي ويحفز الاستثمار في القطاع العقاري كما يتزامن ذلك مع خطة تطوير المنظومة الجمركية، التي تركز على ثلاث محاور رئيسية: خفض زمن الإفراج الجمركي، ميكنة الإجراءات وتعزيز الرقابة لمكافحة التهريب مع تطبيق نظام الفحص الموحد وتوسيع التخليص المسبق هذه الخطة، المعدة بالتعاون مع وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، ستسهم في زيادة الصادرات بنسبة ملحوظة، خاصة في ظل نمو الاستثمارات الخاصة بنسبة 73% خلال العام المالي الماضي.
واختتم: أرى أن هذه المبادرة تمثل نموذجًا ناجحًا للإصلاح الهيكلي الذي يجمع بين الدعم المالي والتكنولوجيا، مما يعكس رؤية الدولة لاقتصاد قائم على الشفافية والابتكار فبينما حققت الحزمة الأولى توسيعًا في القاعدة الضريبية دون زيادة الأعباء، ستعزز الثانية الثقة مع المستثمرين من خلال ضمان اليقين القانوني، مما يفتح أبوابًا لصفقات كبرى مثل "رأس الحكمة" و"علم الروم" ومع ذلك، يظل التحدي في ضمان التنفيذ الفعال، خاصة في مجال الرقمنة، لتجنب أي فجوات بين السياسة والواقع كما يُنصح بتعزيز الحوار المجتمعي المستمر، كما أُعلن عنه في نوفمبر 2025، لضمان استيعاب آراء الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تشكل عماد الاقتصاد المصري ، كما يُعد إطلاق هذه الحزمة خطوة حاسمة نحو تحقيق فائض أولي كبير يدعم الإنفاق على التنمية البشرية والحماية الاجتماعية مع الحفاظ على توازن الموازنة العامة ، إنها رسالة واضحة للمستثمرين المحليين والأجانب: مصر ملتزمة ببيئة أعمال تنافسية، تعتمد على الشراكة لا الإكراه، وتسعى لتحقيق نمو مستدام يصل إلى 4.8% في العام المالي 2025-2026 هذا النهج سيرسخ مصر كوجهة استثمارية إقليمية رائدة.
ومع اتجاه القيادة السياسية إلى فكّ الاشتباك التاريخي بين الطرفين وتبني سياسات تُعيد الثقة وتسهّل الإجراءات، يرى المختصون أن المنظومة الحالية تمهد لمرحلة جديدة من الإصلاح الضريبي القائم على المحاسبة القطعية، والتحول الرقمي، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، بما يعزز بيئة الأعمال ويجعل مصر وجهة إقليمية واعدة للاستثمار.
قال د. أحمد هارون، مدير مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية: يشكل ملف الضرائب أهمية قصوى وضرورية، وقد عانى مجتمع رجال الأعمال طويلاً من الخلاف في وجهات النظر بين مصلحة الضرائب والممولين، ما دفع ببعض الحالات إلى اللجوء للقضاء ثم إلى مصلحة الخبراء، هذه الإجراءات كانت تستنزف وقتاً وجهداً ومالاً كبيراً دون تحقيق جدوى أو مصلحة واضحة لأي من الطرفين، هذا الوضع استمر حتى صدر القانون 152 لسنة 2020، المعروف بقانون المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر.
وتابع: القانون جاء ليغطي موضوعين رئيسيين، أولهما كان العمل على إدخال الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد الرسمي عبر تقديم تسهيلات في هذا الاتجاه. أما الثاني والأكثر أهمية، فهو إقرار مبدأ المحاسبة القطعية الضريبية كنسبة من الإيراد، ما يعني التخلي عن نظام فحص الإيرادات والمصروفات التقليدي بموجب هذا القانون، يمكن للممول، بالاتفاق مع مصلحة الضرائب، أن يسدد نسبة تتراوح بين 0.5% حتى 1% من إيراده بشكل قطعي لتسوية موقفه الضريبي، ففي البداية، كان الحد الأقصى لحجم الأعمال الذي ينطبق عليه هذا النظام هو 10 ملايين جنيه، حيث يمكن سداد 1% قطعي من الإيراد.
وأضاف: شهد هذا التوجه تطوراً إيجابياً حيث ارتفع الحد الأقصى لحجم الأعمال الذي تنطبق عليه المحاسبة القطعية إلى 20 مليون جنيه، أي أن الممول الذي يحقق إيرادات تصل إلى 20 مليون جنيه مصري يمكنه المحاسبة ضريبياً بنسبة 1% قطعي، وبذلك يتم تسوية موقفه الضريبي هذا التوسع جاء لاحقاً بصدور قانون رقم 6 لسنة 2025، الذي رسّخ هذا الحد الجديد هذه الخطوات ساهمت في فك اشتباك كبير بين الممولين ومصلحة الضرائب، ونتج عنها تحقيق إيرادات كبيرة للدولة مع سداد الممولين لضرائبهم برضا وطيب نفس، كما أدت إلى القضاء على عشرات الآلاف من القضايا التي كانت منظورة أمام المحاكم.
واستكمل: من جهة أخرى، قامت مصلحة الضرائب بتقديم تسهيلات إضافية تمثلت في إغلاق الملفات الضريبية الساكنة وغير الفاعلة التي لم تعد تمارس نشاطاً فعلياً وقد وصل عدد الملفات التي تم إغلاقها إلى حوالي 400 ألف ملف، والتي كانت مجرد أسماء وأرقام لا مبرر لها بالإضافة إلى ذلك، قام ما يقرب من 650 ألف ممول بتقديم إقرارات معدلة، ما حقق إيرادات إضافية لمصلحة الضرائب وللدولة المصرية ، أعتقد أن التوجيهات السياسية واهتمام الإدارة العليا بفك هذا الاشتباك هو اتجاه جيد الدولة هنا تتنازل بعض الشيء في مقابل إحداث نوع من الرضا لدى الممولين ، ويُعتبر كل من القانون 152 لسنة 2020 والقانون 6 لسنة 2025 مساهمة كبيرة في تحقيق التوافق وإعادة الثقة بين الممولين ومصلحة الضرائب المصرية.
أكد الدكتور محمد شهاب، أستاذ الاقتصاد بجامعة دمياط، أنه انطلاقا من وجود عدد من التحديات التي تواجه النظام الضريبي الحالي، وأهمها التعقيد في الإجراءات وصعوبة الامتثال، إضافة إلى وجود العديد من الملفات الضريبية المتراكمة والنزاعات القديمة التي تعيق الشركات وجه السيد الرئيس، بإطلاق حزمة التسهيلات الضريبية الثانية.
أضاف أن هذه التسهيلات الضريبية خطوة طال انتظارها إذ تهدف إلى تقديم نظام ضريبي أبسط وأكثر شفافية وعدالة، مع تشجيع الامتثال الطوعي للممولين وتحفيز الاستثمار في مصر، وتتمثل أهم أهداف المبادرة في تبسيط النظام الضريبي، وتسهيل الإجراءات الضريبية وتقليل المعاملات البيروقراطية المعقدة التي تواجهها الشركات، مع العمل على تقديم إعفاءات ضريبية وحوافز للشركات الصغيرة والمتوسطة لتخفيف الضغط المالي عليها، وتحسين الشفافية في النظام الضريبي وزيادة ثقة الممولين والمستثمرين الأمر الذي ينعكس في شكل تحقيق الامتثال الطوعي للنظام الضريبي من خلال تشجيع الشركات غير المسجلة على التسجيل بشكل طوعي من خلال منحها تسهيلات وحوافز، ما يسهم في خلق بيئة ضريبية محفزة ومستقرة تدعم الاستثمار وتعمل على جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وتشمل المبادرة 20 إجراءً متكاملاً تهدف إلى تخفيف الأعباء الضريبية، و تبسيط الإقرارات الضريبية وخاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة من خلال تقليل عدد الإقرارات المطلوبة سنويًا، وتفعيل نظام ضريبي مبسط للشركات الصغيرة التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي 15 مليون جنيه وحل النزاعات الضريبية القديمة.
كما تضمنت المبادرة أيضًا تسهيلات للشركات التي تأخرت في تقديم الإقرارات الضريبية خلال الفترة من عام 2020 إلى 2023، وتجديد العمل بقانون إنهاء المنازعات الضريبية والذي يهدف إلى إنهاء أكبر قدر ممكن من النزاعات الضريبية المتراكمة لتخفيف الأعباء عن الممولين والمساهمة في تسريع تسوية النزاعات.
ولم تتغاضى المبادرة عن ضرورة العمل على تحسين كفاءة العاملين في مصلحة الضرائب من خلال وضع خطة متطورة للتدريب المستمر للعاملين الفنيين، وخاصة مأموري الضرائب، لرفع مستوى الخدمة المقدمة للممولين من خلال اطلاق منصة إلكترونية للتعليم والتدريب.
وفي النهاية تتأكد مقولة "نقطة ومن أول السطر" التي أطلقتها مصلحة الضرائب المصرية لتوعية الممولين بالتسهيلات الضريبية الجديدة.
أكد الدكتور أيمن غنيم، أستاذ الإدارة والخبير الاقتصادي والقانوني، أن توجيه السيد الرئيس، يعبّر عن رؤية واضحة لإدارة المرحلة المقبلة، ورؤية تؤسس لاستقرار سياسي واجتماعي مُشتبك مع التنمية الاقتصادية، مشدّدًا على أن ما أُعلن ليس "وعودًا" بل "خارطة طريق" تُترجَم إلى سياسات تنفيذية مدروسة.
أضاف الدكتور غنيم أن المستثمر المحلي أو الأجنبي يحصل على "ضمان معنوي" بأن الدولة تتبنى الاستقرار السياسي والاقتصادي كوحدة متكاملة، ما يقلّل من مخاطر الدخول في استثمارات طويلة الأجل داخل مصر.
أوضح أن الاقتصاد المصري نما بنسبة 5.3% في أول ربع من العام المالي 2025-2026 مقارنة بـ 3.5% في نفس الفترة من العام السابق، ما يعني أن السياسات الاقتصادية والتنموية بدأت تؤتي ثمارها بصورة أسرع من المتوقع، ما يُحفّز دخول أموال إضافية في قطاعات الإنتاج والبنية التحتية.
وأضاف أن ذلك يفتح الباب أمام شراكات استثمارية في قطاعات استراتيجية: الطاقة، النقل، الصناعة، الزراعة، والبنية التحتية، خاصة في مناطق حيوية مثل محور قناة السويس والمناطق الاقتصادية الملحقة بها، التي باتت نقطة جذب حقيقية لرؤوس الأموال نتيجة موقعها الاستراتيجي وتسهيلات الاستثمار.
ولفت إلى أن انعكاسات المناخ الاقتصادي لا تقتصر على الاستثمار فقط، بل تمتد إلى تحسين مستوى المعيشة؛ من خلال خلق آلاف من فرص العمل — خاصة للشباب — ورفع دخول الفئات المتوسطة، ما يُسهم في خفض معدلات الفقر وتعزيز الطبقة الوسطى.
اترك تعليق