في خطوة جديدة نحو مستقبل النقل الذكي، أطلقت مصر الاحد الماضي التشغيل التجريبي لمونوريل شرق النيل والحافلات البرمائية، مما يمثل نقلة نوعية في منظومة النقل العام. فهذه المبادرات لا تعزز فقط من كفاءة التنقل، بل تسهم أيضاً في الحد من الانبعاثات الكربونية وتعزيزالاستدامة البيئية.
ومن خلال هذه الخطوات، تضع مصر الأساس لنظام نقل متطور يخدم احتياجات المواطنين ويعزز من مكانة مصر كدولة رائدة في مجال التكنولوجيا والنقل المستدام.
يرى الدكتور مصطفى صبري (أستاذ تخطيط النقل وهندسة المرور بجامعة عين شمس) أن التشغيل التجريبي لمونوريل شرق النيل بدون ركاب، والذي تم الأحد الماضي بالتزامن مع انطلاق معرض ومؤتمر النقل الذكي واللوجستيات والصناعة خلال الفترة من 9 إلى 11 نوفمبر الجاري، يعد خطوة طال انتظارها تعزز توجه الدولة نحو التحول للنقل المستدام والذكي، حيث يُعد المونوريل وسيلة نقل عصرية وآمنة وذات كفاءة عالية تتناسب مع احتياجات المواطنين.
صديق للبيئة
كما أنه صديق للبيئة حيث يعمل بالكهرباء، ويتمتع بمعدل استهلاك أقل بنسبة 30% من وسائل الجر السككي الكهربائي الأخرى، مما يقلل نسبة الانبعاثات الضارة، بالإضافة إلى تقليل الضوضاء نظرًا لحركة القطارات على عجلات مطاطية.
ويعمل المونوريل على تخفيض معدلات التلوث البيئي وتخفيف الاختناقات المرورية بالمحاور والشوارع الرئيسية، ويجذب الركاب لاستخدامه بدلًا من السيارات الخاصة لتقليل استهلاك الوقود والمحروقات.
أضاف أن المونوريل مشروع قيّم وممتاز يربط بين غرب وشرق البلاد بطريقة سهلة ومتطورة، حيث يربط الخط الأول للمونوريل بين المنطقة الصناعية في 6 أكتوبر ووادي النيل، بينما يبدأ الخط الثاني من محطة استاد القاهرة ويصل إلى منطقة حي الوزارات بالعاصمة الإدارية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الخط الثالث من مترو الأنفاق يربط بين الخطين الأول والثاني للمونوريل.
وجدير بالذكر أن المونوريل يعمل على تقليل الكثافة المرورية والازدحام بشوارع القاهرة.
رؤية مصر 2030
من جانبه، يؤكد الدكتور مجدي صلاح الدين (أستاذ هندسة الطرق بجامعة القاهرة) أن هذه المشروعات التكنولوجية الحديثة، المتمثلة في المونوريل والأتوبيس البرمائي، بالإضافة إلى قطارات مترو الخط الأول الجديدة، تسهم في تحسين كفاءة منظومة النقل العام في مصر، وتدعم رؤية مصر 2030 في قطاع النقل.
كما سيسهم المونوريل والأتوبيس البرمائي في تقليل الزحام وتخفيف الضغط على الطرق داخل القاهرة الكبرى، وخفض تكلفة استهلاك الوقود على المدى الطويل.
وفضلاً عن ذلك، تُعد هذه الوسائل العصرية وسائل صديقة للبيئة، وتعمل على تعويض مشكلة شبكة النقل العام التي تراجعت خلال الآونة الأخيرة، ما اضطر المواطنين إلى الاعتماد على القطاع الخاص ممثلاً في الميني باص والميكروباص والتوكتوك وغيرها من الوسائل التي تثير الازدحام والعشوائية وتسبب كثرة حوادث الطرق.
أضاف أن المونوريل والأتوبيس البرمائي والمترو تُعد وسائل نقل صديقة للبيئة تُعرف باسم النقل الأخضر، كما تُسهِّل التنقل للمواطنين وتقلل زمن الرحلات، وتُيسر وصول العمالة إلى أماكن العمل، وتساعد على رواج وتنمية المدن الجديدة وتسهيل الوصول إليها، وبالتالي تخفيف الضغط على القاهرة، فضلاً عن تنشيط السياحة والاقتصاد.
وأكد ضرورة الربط بين وسائل النقل المختلفة، ومنها المترو والمونوريل والأتوبيس البرمائي ووسائل النقل التقليدية، مشيرًا إلى أهمية تعميم تجارب النقل الذكي بمختلف المحافظات.
وأشار إلى أن المونوريل يعمل بدون سائق، وبالتالي يتلافى أخطاء البشر، مؤكدًا ضرورة توفير عوامل الأمان في الأتوبيس البرمائي لضمان سلامة الركاب أثناء التحرك في الطرق والمياه.
ومن المتوقع أن تحقق هذه الوسائل الحديثة نجاحًا هائلًا، إذ تنقل ملايين الركاب بسرعات أعلى من المعدل، وفي مسارات منعزلة عن الطرق وبـمواعيد منتظمة، مما يساهم في تحقيق السيولة المرورية وتقليل التلوث
أكثر استدامة
قال د.عمرو عرفة مدرس التمويل والاستثمار بأكاديمية وادي العلوم ان تنوع منظومة النقل الذكي يقود الدولة نحو مستقبل أكثر استدامة، حيث يشهد قطاع النقل في مصر طفرة تعكس توجه الدولة نحو منظومة نقل أكثر ذكاءً واستدامة، بعد أن أصبح توظيف التكنولوجيا الحديثة عنصرًا رئيسيًا في تحسين حركة المواطنين، وتقليل أعباء الازدحام، ودعم النمو الاقتصادي. ويأتي اعتماد أنظمة التحكم والتتبع وإدارة الأسطول باعتبارها ركيزة أساسية لرفع كفاءة النقل العام وتحسين جودة الخدمة، بما يتوافق مع رؤية مصر 2030.
وأضاف ان المونوريل يبرز كأحد أهم مشروعات هذا التحول؛ إذ يُظهر التشغيل التجريبي أداءً مستقرًا ودقة واضحة في المواعيد وكفاءة في استهلاك الطاقة، ما يمهد لمرحلة التشغيل الفعلي التي ستخدم المدن الحيوية الممتدة نحو العاصمة الإدارية والسادس من أكتوبر، وتخفف الضغط عن الطرق الرئيسية من خلال جذب شريحة من مستخدمي السيارات الخاصة.
وفي سياق تنويع وسائل النقل الذكي، يأتي الأتوبيس البرمائي كتجربة مبتكرة تدمج الحركة البرية والمائية في وسيلة واحدة، مع تجهيزات أمان متقدمة تمنح المستخدمين شكلًا جديدًا من وسائل النقل السياحية داخل المدن.
أوضح ان القطارات الجديدة تمثل نقلة متطورة في مستوى الراحة والتكنولوجيا بفضل أنظمة التحكم الحديثة، بما يدعم انتظام الرحلات وتقليل زمن التقاطر، بالتوازي مع خطط لتطوير العربات القديمة وفق المعايير نفسها.
لفت إلى هذه المشروعات تنعكس بشكل مباشر على المواطن من خلال خفض تكلفة استخدام النقل العام، ما يشجع على التخلي عن السيارة الخاصة ويقلل من استهلاك الوقود والانبعاثات، ويرفع كفاءة الحركة داخل المدن. ويظل نجاح هذه المبادرات مرتبطًا بوعي المواطنين في الحفاظ عليها، إلى جانب استمرار الدولة في تقديم حوافز تجعل النقل الذكي الخيار الأكثر جدوى.
ولضمان استمرار كفاءة هذه المشروعات بعد التشغيل، تحتاج المنظومة إلى إدارة تشغيل فعالة قادرة على التعامل السريع مع الأعطال وتحديث الأنظمة بشكل منتظم، مع توفير كوادر تمتلك مستوى تشغيليًا كفؤًا. ويجب الاهتمام بقياس رضا المواطنين عبر متابعة تجربة الرحلة وجودة المعلومات المتاحة للمستخدم، والاستفادة من المنصات الرقمية للشكاوى والمقترحات باعتبارها وسيلة مهمة لتحسين الأداء وتعزيز واستدامة منظومة النقل الذكي
المدن الذكية
قال د.عمرو حسن أستاذ تكنولوجيا المعلومات بجامعة الوادي الجديد، أنه في ظل التحولات المتسارعة نحو المدن الذكية، تبذل مصر جهودًا حثيثة لتبنّي منظومة تكنولوجيا النقل الذكي باعتبارها ركيزة أساسية للتنمية المستدامة وتحسين جودة الحياة.
أضاف أن الدولة تسعى إلى بناء بنية تحتية رقمية متكاملة تدعم نظم النقل الحديثة، من خلال تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في إدارة المرور، وتحليل البيانات الضخمة لتقليل الازدحام وتحسين كفاءة استهلاك الوقود.
أوضح ان التحول نحو النقل الذكي يُعَدّ أحد محاور "استراتيجية مصر للتنمية المستدامة"، حيث بدأت الحكومة تنفيذ مشروعات قومية مثل الطرق الذكية المزودة بكاميرات مراقبة، ومحطات تحصيل إلكتروني، وأنظمة تتبّع لحركة المركبات. كما يجري تطوير السكك الحديدية باستخدام أنظمة إشارات وتحكم إلكترونية متطورة تقلّل الأخطاء البشرية وتعزّز الأمان.
وفي إطار النقل الجماعي، تبنّت مصر مشروعات القطار الكهربائي السريع والمونوريل والترام الحديث، وهي نماذج للنقل الأخضر القائم على الطاقة النظيفة والتشغيل الذكي. وتعمل وزارة النقل على ربط هذه الوسائل بمنصات رقمية موحدة تتيح للمواطنين تتبّع الرحلات وحجز التذاكر إلكترونيًا في إطار منظومة النقل المتكامل.
أكد أن الدولة تشجّع الشراكة مع القطاع الخاص في مجالات النقل الذكي، من خلال دعم تطبيقات النقل التشاركي، وإطلاق مبادرات للتحول إلى المركبات الكهربائية والهجينة، بما يسهم في تقليل الانبعاثات وتحقيق أهداف الحياد الكربوني.
أضاف إن ما تقوم به مصر اليوم في مجال تكنولوجيا النقل الذكي لا يمثّل مجرد تحديث للبنية التحتية، بل خطوة استراتيجية نحو بناء منظومة نقل أكثر أمانًا وكفاءة واستدامة، تُعزّز مكانة الدولة كمركز إقليمي رائد في تبنّي الحلول الذكية لخدمة المواطن والتنمية على حد سواء.
اترك تعليق