مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

عمر خيرت.. بين الإبداع والقيادة
ا.د. ميريت رستم 
ا.د. ميريت رستم 

في زمن يَعلو فيه ضجيج أغاني المهرجانات، ويتزايد فيه التلوث السمعي بفعل فئة دخيلة على الفن، تأتي حفلات الموسيقار الكبير عمر خيرت لتعيد الاتزان للمشهد الفني.


وفي قصر القبة العريق، أقيمت آخر حفلاته التي جمعت نخبة من الفنانين والإعلاميين، وقد أجمعوا أمرهم أن مصر ستظل منارة للفن الهادف الراقي، وأن الأصالة لا تزال تنبض في وجدان الجمهور مهما حاول البعض عبثا بتاريخها المضيء في الارتقاء بالإحساس الإنساني وتنمية النوازع الوطنية. 


 عمر خيرت حالة استثنائية تؤكد أن الفن الراقي لايزال موجودا، وأن الإبداع والفن الأصيل لا يضيع، طالما هناك من يحافظ عليه ويصونه، فلم يكتفِ خيرت بأصالة فنه ولكنه حرص علي تقديم حفلاته في اماكن عريقة، مما يخلق أجواء بها لحظات من والإبداع  والابهار، كأنها تأكيد على أن الموسيقى الراقية ما زالت قادرة على أن تُلهب مشاعر الجمهور وتُعيد إليه الإحساس بالجمال، فلم تكن الحفلة مجرد عرض فني، بل كانت مناسبة ثقافية راقية. 


ويتميز خيرت بكيفية إدارته للمنظومة الفنية، من خلال توزيع الأدوار باحترافية مصخطحوبة بتقدير يبعث في نفوس أعضاء فرقته الموسيقية الإيمان بأن لهم دورا حيويا فاعلا، فقيل ان يبدأ عزفه الخالد قدم الموسيقار والمايسترو البارز ناير ناجى بأنه قائد فرقته، وجلس خيرت صاحب التاريخ فردا عاديًا ضمن أفراد الفرقة، وهنا استوقفني أسلوب إدارته، ومدي حرصه أن يكون لكل فرد من فرقته "سولو" منفرد ليبرز من خلالها موهبته ودوره في العزف دون أن يصاحبه سوي ابتسامة خيرت المليئة بالفخر والاعتزاز والتشجيع لصاحب العزف، وبعد الانتهاء من كل مقطوعة يشكر الأعضاء الذين كان لهم دور بارز في عزف المقطوعه، بحيث يذكر الجميع مع نهاية الحفل دون تمييز شخصى، أو استبعاد، وحرص على إضافة لقب العازف الصديق، مما يبعث الشعور بالأمان النفسي في قلوب أعضاء الفرقة مع قائدهم ومدي امتنانهم لتقديره، لقد حول أعضاء الفرقة جميعا رغم كثرة عددهم إلى قادة ونجوم تتلألأ في سماء الفن ، فهو متصالح مع نفسه غير مصاب بلعنة الظهور الاوحد، وهو رجل تحلي بصفات القائد بالفطرة، فلا يسترشد برأي غيره، ولا يُسلم انطباعاته لمجرد ما يُقال، فصوته نابع من عقله، وحُكمه علي الأمور صادر عن تجربة وبصيرة لا عن ألسنة الآخرين، أو شخصنة للأمور، فهو قائد بدرجة امتياز يعرف كيف يقود العازفين، وكيف يقود وجدان الجمهور من خلال مقطوعاته الموسيقية التي أصبحت جزءًا من ذاكرة الوطن والمواطن.


إن مقطوعات خيرت ليست مجرد موسيقى فحسب، بل تمثل قصة حياة كل إنسان محب للفن الهادف، وترجمة لمرحلة معينه في حياته، تتدفق مشاعر ألحانه في وجدان الحاضرين بين واقعهم وأحلامهم، وانتصاراتهم وإخفاقاتهم، وكل ما نعيشه من تفاصيل الحياة.


 ان حفلات عمر خيرت ليست مجرد حفل موسيقى، بل هى شهادة حيّة على أن الفن الراقي لا يموت، وأنه مهما علا صخب اللحظة، فإن البقاء للفن الأصل، الذي يخاطب العقل والروح والوجدان، ومهما ظهر من فن مبتذل، فإن موسيقي خيرت سوف تظل شامخة عالية تمثل قيمة فنية رائعة، تؤكد أن الموسيقى الحقيقية تداعب المشاعر وترقي بالنفس والروح وتهذب الوجدان، نغمة تعزفها القلوب، فتستشعر ولا تُفرض، وتُلهم ولا تُملى، تجعل الجمهور في رحلة مع الذكريات، ومع الحلم، ومع الوطن، ومع الحب، وكل مقطوعة عزفتها  أنامله كانت تنقل الجمهور لحالة شعورية مختلفة ما بين الحنين إلى الماضي والشغف بالمستقبل، ما بين الفرح والتحدي.


ومن هنا ومن زمن تعالت فيه أصوات الضجيج أتمنى تأسيس أكاديمية متخصصة ، تحت إشراف الموسيقار عمر خيرت، تجتمع عليها الأذواق وتنصت لها القلوب قبل الآذان.


إننا اليوم نجد أنفسنا في مواجهة أزمة جمالية تهدد الإرث الثقافي والسمعي للمجتمع العربي، بسبب انحدار مستوى ما يقدم تحت مسمى الفن من بعض الدخلاء عليه حتى باتت الضوضاء تقدم كإبداع.


من هنا تبرز الحاجة، بل الضرورة، إن تأسيس "أكاديمية عمر خيرت للفن الصوتي" ولن يكون مجرد مشروع تعليمي، بل هو مبادرة حضارية تستعيد دور الفن في بناء الإنسان، وتعيد الفن الراقي وسط هذا الزخم من الأصوات لتكون الأكاديمية راعية للمواهب سواء التي تقدمها الجهات الاكاديمية الفنية المختلفة أو غيرها حتي تكون بمثابة بوصلة ترشدهم للطريق الصحيح.


إن الأمل معقود على من يؤمن بأن الفن ليس ترفا، بل ضرورة وطنية وأخلاقية وثقافية لاننا بحاجة اليوم إلى إحياء الموسيقى التي تلامس المشاعر، وتمنحها بعدا إنسانيا يليق بها.
ا.د. ميريت رستم 
زميل كلية الدفاع الوطني





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق