قال الله تعالي جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا. ولم يقل: جَعَلْنَاهُ ملحًا» لأن مياه الأرض كلها تحتوي علي نسب من الأملاح متباينة. ومن هنا قلَّ الاقتصار علي وصف الماء. الذي لا ينتفع به. بالملح في لغة العرب. وكثيرًا ما كانوا يقرنون هذا الوصف بوصف الأجاج» كما كانوا يقرنون وصف الماء العذب بوصف الفرات. وفي ذلك قال الله تعالي: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبى فُرَاتى سَائِغى شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحى أُجَاجى وَمِن كُلّي تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا "فاطر: 12"
فقابل سبحانه بين العذب والملح. وبين الفرات والأجاج. والماء العذب هو الطيب البارد.والماء الملح هو الذي تغير طعمه. وإذا كان لا ينتفع به في شرب. فإنه ينتفع به في غيره. والماء الفرات ما كان مذاقه مستساغًا. يميل طعمه إلي الحلاوة. بسبب انحلال بعض المعادن والغازات فيه. والماء الأجاج هو الماء الزُّعَاقُ. وهو المرُّ. الذي لا يطاق. ولا ينتفع به في شرب. ولا غيره. لشدَّة مرارته وحرارته. وهو من قولهم: أجيج النار.
الأمر الذي يفسر سر الجمع بين الملح. والأجاج في وصف ماء البحر» إذ لو اقتصر في وصفه علي كونه ملحًا. كان مثل أي ماء يجري علي التربة المتغيرة. ويستقر في أعماق الأرض. ولو اقتصر في وصفه علي كونه أجاجًا. كان ماؤه فاسدًا. لا ينتفع به في شيء مطلقًا.
وكذلك جعل ماء المزن أجاجًا. والمزن هو السحاب الأبيض المثقل بماء المطر. وهو أنقي ماء وأعذب. ولئن اجتمع الإنس والجن بما أوتوا من قوة علي أن يعيدوا هذا الماء بعد جعله أجاجًا إلي حالته الأولي. لعجزوا عن ذلك. ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا.
ومن هنا كان جعل هذا الماء أجاجًا- أي: شديد المرارة والحرارة لوقته دون تأخير- أدلَّ علي قدرة الله تعالي. من جعل الزرع حطامًا. وإن كان الكل أمام قدرة الله سواء. ويدلك علي ذلك أن قوله تعالي: لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا.
اترك تعليق