تُعتبر الكورسات التعليمية عبر الإنترنت من أهم أدوات التعلم في عصرنا الحالي، فهي تتيح للناس فرصة اكتساب مهارات جديدة ومعرفة متخصصة بسهولة ومرونة. ومع ذلك، تثار العديد من التساؤلات حول الجانب الشرعي لمشاركتها، خاصة مع انتشار ظاهرة مشاركة الاشتراكات بين عدة أشخاص.
وتقوم تلك الظاهرة على قيام مجموعة من الأشخاص بالاشتراك في أحد كورسات تعلم الفوتوشوب، واتفقوا على أن يشترك واحدٌ منهم فقط، ثم يقومون بتوزيع ثمن الكورس عليهم جميعًا، وعند موعد بدء الكورس يجلسون معًا لمشاهدته، وذلك باعتبار أنهم جميعًا شخص واحد، فما حكم ذلك شرعًا؟
اجابت دار الإفتاء: "لا يجوز شرعًا لغير المشترك إشراك غيره معه في مشاهدة (الكورسات التعليمية) ما لم يأذن صاحبها فيها؛ لأنها من قبيل الحقوق الذهنية الثابتة لأصحابها شرعًا وعرفًا، فإن أذن صاحبها جاز وإلا فلا".
حرص الإسلام على المحافظة على المال، وجعل ذلك من المقاصد الكلية العُليا التي جاءت الشريعة بتحقيقها وضرورة حفظها، وهي (الدِّين والنفس والعقل والعِرض أو النسل والمال)، وهي مقاصد جاءت بالمحافظة عليها كل الشرائع السماوية؛ كما في "الموافقات" للإمام الشاطبي في (2/ 10، ط. دار المعرفة).
ومن محاسن الشريعة أنها ارتقت بها من رتبة الحقوق إلى رتبة الواجبات؛ فلم تكتفِ بجعلها حقوقًا للإنسان حتى أوجبت عليه اتخاذ وسائل الحفاظ عليها.
من المقرر شرعًا أنَّ كل ما له منفعة وقيمة فهو داخل في معنى المالية، كما نص عليه الفقهاء؛ قال الإمام الزَّرْكَشِي في "المنثور في القواعد الفقهية" (3/ 222، ط. أوقاف الكويت): [المالُ ما كان مُنتفعًا به أي مُستَعدًّا؛ لأن يُنْتَفع به وهو إمَّا أعيانٌ أو منافعُ] اهـ؛ فالمالية تشمل ما كان أعيانًا أو منافع أو حقوقًا.
وحقوق الملكية الفكرية والأدبية والفنية وبراءات الاختراع والأسماء والعلامات والتراخيص التجارية (والتي اصطُلِح على تسميتها بالحقوق الذهنية) هي من الحقوق الثابتة لأصحابها شرعًا وعرفًا، سواء أقلنا إنَّها من قبيل الأموال، أم قلنا إنَّها من قبيل المنافع التي تُعَدُّ أموالًا بورود العقد عليها مراعاةً للمصلحة العامة.
ولذلك: يجب على طالب الخدمة أن يتقيد بما يحدده مقدموها وأن يلتزم بشروطهم وضوابطهم، ولا يجوز له مشاركة غيره في مشاهدة تلك المادة إلا بإذنهم ورضاهم، وذلك للأدلة الآتية:
أولًا: قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» أخرجه الإمام البيهقي في "سننه".
ويقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 188].
ثانيًا: أن الطريقة التي تقدم بها هذه الكورسات من خلال إرسال رابط لشخص محدد هو المشترك فقط، والأصل في العقود والاتفاقات بين الناس القائمة على التراضي والتوافق وهي ملزمة لأطرافها، ليس لأحدهم أن يرجع فيها أو أن يعدلها من تلقاء نفسه، يدل عليه: الأمر المطلق بالوفاء بالعقود في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «المسلمون على شروطهم» رواه الترمذي.
ثالثًا: أن في مشاهدة الكورسات لغير المشتركين فيها بدون إذن مقدمها نوع غشٍّ، حيث إن صاحب هذه الكورسات قد أذن للمشترك فقط في المشاهدة والانتفاع بها، فإذن المشترك لغيره في المشاهدة معه دون إذن صاحبها إيهام غش له بأنَّ المشترك وحده هو المشاهد لهذه المادة دون غيره.
رابعًا: أن الإذن للمشترك في المشاهدة من قبيل تمليك الانتفاع لا المنفعة، والفرق بينهما أنَّ مالك الانتفاعِ مأذون له في أن يَنْتَفِع بِنَفسه فقط، ومالِك المنفعةِ مأذون له في أن ينتفع بنفسه ويُمكِّن غيره منه أيضًا،
بناءً على ذلك وفي واقعة السؤال: فلا يجوز لغير المشترك إشراك غيره معه في مشاهدة (كورسات الفوتوشوب) ما لم يأذن صاحبها فيها، فإن أذن جاز وإلا فلا.
والله سبحانه وتعالى أعلم
اترك تعليق