مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

"آل عيسى" و "آل بشير" بـ "خطارة" نقادة.. حبايب
الصلح بين عائلتين بقرية الخطارة قنا
الصلح بين عائلتين بقرية الخطارة قنا

عادت حمائم السلام ترفرف من جديد على قرية "الخطارة" التابعة لمركز نقادة بمحافظة قنا، بعدما تكللت جهود لجنة المصالحات هناك بالنجاح لتنهي خصومة ثأرية عمرها 7 سنوات، بدأت أحداثها في لحظة شيطان، بين شابين في مقتبل العمر بسبب خلاف مالي بينهما، لتنتهي الأحداث بسقوط أحدهما قتيلًا، والآخر يقضى أجمل سنوات العمر خلف القضبان.


أحداث واقعة قرية الخطارة منذ 7 سنوات

تفاصيل الواقعة دارت أحداثها قبل 7 سنوات في قرية الخطارة بمركز نقادة، تلك القرية الهادئة التي تُعرف في كافة ربوع محافظة قنا بأنها بلد "العلم" نظرًا لارتفاع نسبة التعليم بها مقارنة بغيرها من قرى المركز، إلى أن جاءت ساعة شيطان لتشق هدوء القرية بعد وقوع مشادة كلامية بين شابين في مقتبل العمر، أحدهما يدعى نور إبراهيم الدسوقي "21 سنة" من عائلة "آل عيسي" والآخر يدعى حسام عزت بشير جاد "21 سنة" من عائلة "آل بشير"، لتتطور المشادة الكلامية إلى مشاجرة وتشابك بالأيدي قبل أن يقوم الثاني باستخدام سلاح أبيض ويسدد عدة طعنات في جسد صديقه "نور" ليسقط غارقًا في الدماء ويلفظ أنفاسه الأخيرة في الحال.

تجمع أهالي القرية والكل يضرب كفًا بكف، كيف يحدث ذلك في بلد العلم، والكل يخشي من تبعات هذه الكارثة التي حلت بالبلدة التي لم تألف مثل هذه الأحداث من قبل.

ضبط المتهم والسلاح المستخدم في الواقعة

تلقت أجهزة الأمن في محافظة قنا إخطارًا بالواقعة، وعلى الفور انتقلت قوة أمنية من مباحث مركز شرطة نقادة وتم نقل الجثة لمشرحة مستشفى نقادة المركزي، فيما تمكنت من ضبط المتهم والسلاح المستخدم في الواقعة.

وعقب ذلك باشرت النيابة العامة تحقيقاتها في الواقعة، وانتهت إلى إحالة المتهم إلى محكمة جنايات قنا، بتهمة الضرب الذي أفضى إلى الموت، وبعد تداول القضية أصدرت المحكمة حكمها بحبس المتهم 7 سنوات.

وكانت عائلة "آل بشير" المنتمي لها المتهم، قد قررت ترك منازلها بالقرية لحين عودة الهدوء ومنعًا لأى تصاعد للأحداث أو اشتباك مع عائلة المجني عليه، خاصة أن العائلتين أبناء عمومة واحدة، ومن أجل إفساح المجال للجنة المصالحات لتمارس دورها في التقريب بين الطرفين ورأب الصدع ووأد الفتنة من أجل أن يعيش الجميع في أمن وسلام.

لجنة المصالحات

وفي هذا الإطار بدأت لجنة المصالحات برئاسة فضيلة الشيخ السيد أحمد الإدريسي، وعضوية العمدة ياسر محمود أحمد عمدة قرية الخطارة، وفضيلة الشيخ عبدالناصر مناع الأزهري، واعظ مركز نقادة، والسيد محمد أبوالوفا – أعضاء لجنة المصالحات – وبمشاركة عدد من أهل الخير وأعضاء لجان المصالحات بمركز نقادة وقرية الخطارة في عقد الجلسات العرفية بين الطرفين، وكانت البداية مع عائلة المجني عليه، لتبذل اللجنة جهودًا مضنية عرضت خلالها كافة الحلول على والد القتيل من أجل إتمام الصلح بين الطرفين امتثالًا لأوامر ديننا الحنيف الذي يدعو إلى التسامح ونبذ العنف.

كانت لجنة المصالحات تسابق الزمن من أجل الوصول إلى توافق بين الطرفين، خاصة مع قرب انتهاء فترة عقوبة المتهم، حيث أن اللجنة تسعى جاهدة إلى حقن الدماء من أجل أن ينعم الجميع بالأمن والأمان .

وفي تلك الأثناء .. كان المتهم يعد الأيام مع قرب انتهاء فترة عقوبته، وما إن جاءت الساعة التي غادر فيها محبسه، وجد نفسه خرج من سجن إلى سجن أكبر، فها هو يقف عاجزًا عن استنشاق هواء الحرية.. وكيف له أن يشعر بها وهو يواجه المصير المجهول الذي ينتظره خارج الأسوار!

ومن أجل ذلك؛ كثفت لجنة المصالحات جهودها من أجل الوصول إلى حل يرضي والد المجني عليه وإخوته وكافة أفراد العائلة، وبعد عرض كافة الحلول المتاحة والمقترحة من لجنة المصالحات، وافق والد المجني عليه على قبول الصلح عن طريق "القودة" حيث يقوم المتهم بحمل كفنه على يده ويقدمه له على مرأى ومسمع.. وعلى الفور وافق المجني عليه على ذلك بمجرد إبلاغه من لجنة المصالحات بعدما أبدى ندمه على فعلته التي حدثت في وقت غضب لم يكن يقصد خلالها قتل صديق عمره مؤكدًا حزنه الشديد على فراقه.

وبعد قبول الطرفين لبنود الصلح، وعقب إخطار الأجهزة الأمنية، أقيم سرادق كبير في قرية "الخطارة" بحضور القيادات الأمنية والتنفيذية والشعبية، وعمد ومشايخ القري وعواقل العائلات بمحافظتي قنا والأقصر، وأكثر من خمسة آلاف مواطن من أهالي قرية الخطارة والقرى المجاورة، وبينما كان الهدوء يعم أرجاء المكان.. هب الجميع بالوقوف مع لحظة دخول لجنة المصالحات ويتوسطها المدعو "حسام عزت بشير" حاملًا كفنه علي يده "القودة" حتى وصل بها إلى مقدمة السرادق حيث يقف الحاج إبراهيم الدسوقي – والد المجني عليه – وإلى جواره أشقاء المجنى عليه، ليطلب القاتل العفو والسماح من والد القتيل الذي تحل بأخلاق الإسلام وامتثل إلى أوامر الله ورسوله ليعلن أمام الجميع عفوه عن قاتل نجله وهو يقول "عفونا عنك لوجه الله" ويتسلم الكفن منه ويتعانق الطرفان وتنهمر دموع القاتل وهو يرتمي في حضن والد المجني عليه، ويعلن ندمه على فعلته التي حدثت دون قصد، لتتعالي تكبيرات الحضور مرديين "الله أكبر ولله الحمد" في صوت واحد هز كافة أرجاء الخطارة، لتعود حمائم السلام ترفرف من جديد على القرية التي ظلت تكتم أنفاسها طيلة 7 سنوات ماضية، وقد آن لها أن تنعم بالأمن والأمان والسلام بفضل الله عز وجل، ثم جهود لجنة المصالحات وأهل الخير الذين اجتهدوا من أجل هذه اللحظة.

بوابة "الجمهورية أون لاين" التقت أعضاء لجنة المصالحات، لترصد كواليس الجلسات العرفية التي عقدتها مع طرفي الخصومة وصولًا إلى عقد الصلح الذي كان حديث كل أبناء محافظات الصعيد.

وقال فضيلة الشيخ السيد أحمد الإدريسي، رئيس لجنة المصالحات، إن الخصومة بين الطرفين وقعت أحداثها قبل 7 سنوات، بعد نشوب مشاجرة بين شابين بسبب خلاف مالي بينهما، وكان من تبعات ما حدث هجرة عائلة القاتل التي تضم أكثر من 10 أسر، للقرية خشية حدوث أي مناوشات بينها وبين عائلة المجني عليه، ومن أجل افساح المجال للجنة المصالحات لتمارس دورها في رأب الصدع، وبفضل الله سبحانه وتعالي وجهود المخلصين من أعضاء لجنة المصالحات بدأنا في عقد عدة جلسات عرفية مع عائلة المجني عليه، وقد واجهنا في البداية رفضًا من والد القتيل وإخوته، ولكننا لم نكل أو نمل من الجلوس معهم مرارًا وتكرارًا حتي وفقنا المولى عز وجل، في إقناعهم بقبول الصلح بعدما عرضنا عليهم كافة الحقوق الشرعية، إلا أن والد المجني عليه رفض قبول "الدية" وتمسك بـ "القودة" على أن يقوم القاتل بحمل كفنه على يديه ويقدمه لوالد القتيل، وبالعرض على القاتل وافق على ذلك، في ساعة رضا من الطرفين.

وأضاف فضيلة الشيخ السيد أحمد الإدريسي، بعدها بدأنا في الإعداد لمراسم الصلح وتم تحديد المكان والزمان بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية حيث تم توثيق محاضر الصلح العرفية لتصبح ملزمة للطرفين، وعُقدت جلسة الصلح في مشهد يعكس امتثال ولي الدم لأوامر الله عز وجل ويقرر التسامح والعفو، بمجرد أن تقدم إليه القاتل أمام جميع الحضور حاملًا كفنه على يده طالبًا منه العفو، حيث أعلن على مرأى ومسمع من الجميع "العفو لوجه الله"، ونسأل الله عز وجل أن ينعم على القرية وسائر بلاد المسلمين بالأمن والأمان .. مؤكدًا أن التسامح والعفو من أخلاق الكرام، الذين يبتغون الأجر من الله حيث يقول المولى عز وجل: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا"، بالتسامح والعفو من صفات النبلاء، مطالبًا الجميع بأن يلجأوا دائمًا للعفو والتسامح وألا يطيعوا الشيطان في إثارة الشحناء وغرس جذورها واستمراها، وعليهم بمحاربته بكل ما استطاعوا من قوة حتى تعود القلوب إلى حالها وتسود المودة والمحبة بين الجميع.

وأشار العمدة ياسر محمود أحمد – عمدة قرية الخطارة - إن الطرفين أبناء عمومة واحدة، وقد حدثت الواقعة في لحظة غضب بين الشابين لخلاف على مبلغ مالي زهيد لا يتجاوز 100 جنيه، ولم يكن المتهم يقصد قتل صديقه، ولكنها شاءت الأقدار أن يحدث ما حدث، وعقب لك وجدنا التزام من الجميع بالهدوء، وبدأنا في عقد جلسات الصلح العرفية التي وصلت لأكثر من 20 جلسة، حيث كان هناك رفض من والد المجني عليه وإخوته في بادئ الأمر، لكننا واصلنا الجلسات وتقريب وجهات النظر، إلى أن قبل الطرفين بنود الصلح دون أي ضغوط من لجنة المصالحات، معربًا عن خالص تقديره لأسرة المجني عليه التي ضربت أروع الأمثلة في التسامح والعفو عند المقدرة، مشيدًا بالموقف الرجولي لكل أهل الخطارة والبلدان المجاورة وكافة قرى مركز نقادة ومحافظتي قنا والأقصر الذين حضروا مراسم الصلح، مؤكدًا أن كل من شهد الصلح هو شريك في إتمام المصالحة.

وأكد فضيلة الشيخ عبدالناصر مناع الأزهري – واعظ مركز نقادة وعضو لجنة المصالحات – إن التسامح والعفو عند المقدرة من شيم الأفاضل والكرماء والراغبين فيما عند الله امتثالًا لقول المولى عز وجل: "فمن عفا وأصلح فأجره على الله"، فرغم ما واجهناه من صعوبات في بداية الأمر، إلا إننا وجدنا فيما بعد الحرص على العفو من أجل أن تجتمع القلوب وحتى تعم المودة بين أبناء العمومة من طرفي الخصومة.. مشيرًا إلى أنه بدأ المفاوضات برفقة محمد أبوالوفا عضو لجنة المصالحات، من أجل التمهيد لعقد الجلسات العرفية للوصول إلى بنود الصلح، وبفضل الله، ثم جهود لجنة المصالحات برئاسة فضيلة الشيخ السيد أحمد الإدريسي، والعمدة ياسر محمود عمدة قرية الخطارة، وفقنا المولى عز وجل في الوصول إلى قبول الطرفين للصلح لطي صفحة الماضي وبدء صفحة جديدة يزينها الحب والتسامح والمودة.

وأوضح الشيخ عبدالناصر الأزهري، إن الدية مشرعة في الإسلام، ولكن عائلات وقبائل الصعيد بعاداتها وتقاليدها لا تقبل الدية رغم إنها شرع الله سبحانه وتعالى، فتلجأ إلى "القودة" وهي ليست منافية للإسلام، لأن عندنا أحكام وهى أصول التشريع، وتشمل (القرآن – السنة – الإجماع – القياس – الاستصحاب – المصالح المرسلة - العرف) وفي العرف؛ نقول: "المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا" وفي العرف يقول المولى عز وجل: " خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين"، فالدية شرع، والقودة عرف، والقودة هدفها ومرساها إنهاء الثأر ووقف سلسال الدم، وهى لا تتعارض مع شرع الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فالهدف منها الوصول إلى العفو، ونحن دائمًا عندما نلجأ إلى "القودة" نرفض تمامًا الممارسات الخاطئة مثل اقتياد القاتل بـ "حبل" كالبهائم، أو تطويق عنقه بشاش، أو أن يضع يده خلف ظهره، أو ذبح خروف أو جمل أو عجل بجانبه ثم وضع السكين على رقبته، فهذه أمور تخالف شرع الله في تكريم الإنسان، ونحن نحاربها بكل قوة، ودائمًا فضيلة الشيخ أحمد الإدريسي يؤكد على مخالفتها لشرع الله ويرفضها تمامًا لمخالفتها للإسلام والشريعة ولم ولن نلجأ إليها في مصالحة، حيث تقتصر مراسم "القودة" المتبعة في جلسات الصلح على مرافقة لجنة الصلح للقاتل وهو يحمل كفنه على يده حتى يشعر بالأمان إلى أن يصل لولي الدم ويطلب منه العفو أمام الجميع.. ونحن دائمًا شعارنا في أي صلح يعلنه فضيلة الشيخ الإدريسي: "اللهم أجعل هذا العمل خالصًا لوجهك الكريم".

وقال محمد أبوالوفا – عضو لجنة المصالحات بمركز نقادة – بفضل الله عز وجل كانت جلسة الصلح مبهجة للجميع، لأن كل الجهود بُذلت بصدق والنوايا كانت خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، مؤكدًا أن لجنة المصالحات عزمت منذ البداية على أن لا تترك للشيطان مدخلًا ليزيد حالة الاحتقان بين طرفي الخصومة من آل بشير وآل عيسى، ورغم الصعوبات التي واجهناها في بداية الأمر، إلا أن توفيق الله سبحانه وتعالى كان يحالف لجنة المصالحات، إلى أن وافق الطرفين على قبول الصلح، موجهًا الشكر للعائلتين على نبذهما التعصب وقبولهما للصلح، مشيرًا إلى أن العفو عند المقدرة هو قمة الفضل والإحسان، وهذا الخلق الكريم هو سمة من سمات وأخلاق ديننا الإسلامي الحنيف.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق