الفكرة بسيطة جدا، لكنها عميقة في مغزاها، فمن خلال استحضارنا للماضي، تتداعى إلى الذهن مباشرة مآسي الحاضر، وذلك عبر مشاهدتنا لقطات من أفلام ومسلسلات ومسرحيات، واستماعنا إلى أغاني الماضي، تكون المقارنة بين ما كنا فيه وما أصبحنا عليه.
التقط الفنان تامر عبد المنعم الفكرة، وقام بتنفيذها من خلال خيط درامي بسيط، في تجربته التي قدمها مع فرقة السامر بمشاركة عدة فرق للفنون الشعبية من بورسعيد وروض الفرج وأسيوط وسوهاج، لتكون سهرة مبهجة، وأسيانة كذلك، أي بقدر ما كان فيها من البهجة بقدر ما كان فيها من الأسى، وربما كانت الدعوة إلى الاحتفاظ بالمناديل طوال العرض لتجفيف الدموع، في موضعها وليست على سبيل المبالغة.
الحنين للماضي ليس عيبا، بل هو شعور إنساني طبيعي، فأنت تعرف موقعك الآن من خلال استدعاء ماضيك، والمقارنة بينه وبين ما تعيشه هنا والآن، والمسألة لا علاقة لها باختلاف أذواق، أو اختلاف أجيال، فالحلال بين والحرام بين، كما يقولون.
يبدأ العرض بشخصية عبده (خالد محروس) الذي تحاصره هموم الحاضر، ويأسى على الماضي، فينام ويحلم به، لنشاهد معه ذكرياتنا في الثمانينيات والتسعينيات، من خلال أفلام ومسرحيات ومسلسلات تليفزيونية، وأغاني عبر شرائط الكاسيت، التي كانت أماكن بيعها تشهد زحاما كبيرا من المواطنين كلما تم إصدار شريط جديد لأحد مطربي هذين الجيلين.
استعدنا في العرض كل تلك الذكريات، وكل تلك الأعمال، التي بمقارنتها بما يحدث الآن، نكتشف كم تراجعنا فكريا وفنيا وإنسانيا، عشنا لحظات مبهجة مع أفلام وأعمال فنية وفنانين أثروا في وجداننا بعيدا عن التشوهات الفنية والإنسانية التي نشهدها الآن. وذلك كله من خلال تسلسل درامي منضبط بعيدا عن عشوائية الاختيار.
مجموعة طيبة من الممثلين والراقصين، قدموا عملا دراميا مبهجا ومنضبطا، ولم يكن مطلوبا منهم أكثر من ذلك، مدعومين بعناصر فنية تم توظيفها لخدمة العرض، ديكورات للفنان محمد جابر، وإضاءة عز حلمي، وملابس رنا عبد الحميد، وغيرها من العناصر التي تضافرت معا لتقدم هذه الفرجة التي تفصلنا عن الحاضر ولو للحظات، لنستعيد فيها أجمل ذكرياتنا وأجمل ما شاهدنا من أعمال، واستمعنا إلى أغان ارتبطنا بها وما زلنا.
العمل يصعب تصنيفه، هل هو عمل مسرحي، أم سهرة فنية، أم شو مسرحي، وبغض النظر عن ذلك كله، فهو عمل جيد، ومصنوع بعناية، وبرغبة حقيقية في تقديم شيء يسعد الناس، وليس مطلوبا منه أكثر من ذلك، فقد كان المسرح محتشدا عن آخره بالجمهور الذي خرج راضيا وسعيدا، وحتى من لم يعاصروا تلك الفترة، تعرفوا عليها ليكون ذلك بمثابة تنبيه لهم لينصتوا جيدا إلى ما أنتجه السابقون من أعمال جيدة ورصينة، على عكس ما نشاهده الآن من أعمال سطحية لا تسهم في تطوير الوعي وترقية الذوق، إلا من رحم ربي.
هناك بالتأكيد ملاحظات على الاختيارات، فمثلا مشهد اصطحاب محمود الخطيب لحسن شحاتة والذهاب به إلى الجماهير، من اللقطات الدالة على الروح الرياضية الطيبة التي كانت سائدة تلك الفترة، هذا المشهد كان يجب تعميقه أكثر لتصل الرسالة بشكل واضح، فضلا عن أن هناك أعمالا تم تجاهلها، وهذا أمر يتعلق بزمن العرض، وربما بوجهة نظر المخرج، لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ثم إنها أعمال جيدة في أغلبها ولا يوجد من يختلف حولها.
كذلك كان يمكن استغلال الشاشات الموجودة لاستعراض لقطات من الشارع المصري تلك الفترة لتكتمل الصورة.
استدعاء الماضي لم يكن عبر الفني فقط بل كان عبر الإنساني أيضا ممن خلال اللمحات التي قدمها العرض عن الترابط الأسرى على سبيل المثال، ذلك الترابط الذي كاد يندثر بفعل وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت كل فرد في الأسرة الواحدة منعزلا عن غيره من أفراد الأسرة.
نوستالجيا عمل مبهج، ومصنوع باحترافية، ويتناول قضايا تخص الناس وتتوجه إليهم، وقد تلقاه الناس، كما شاهدت، بسعادة وفرح، واستعان أغلبهم فعلا بالمناديل لتجفيف الدموع.
اترك تعليق