رحلة طويلة للفنان الكبير مجدى الحسينى والملقب بملك الأورج ، إمتدت منذ ستينات القرن الماضى حتى الأن ، فعندما تذكر تلك الآلة العجيبة « الأورج « تجد أن
اسم مجدى الحسينى مرتبطاً بها ، فقد كان أول عازف أورج يعرفه الجمهور فى مصر والعالم العربى ، كما كانت له مشاركات عديدة فى كثير من حفلات كبار نجوم الغناء ، واستطاع من خلالها أن يجذب الأنظار بمهارة عزفه الجنونى المتقن ، وسرعة يديه وتنقلها بين أصابع وأدوات « الأورج « حتى أنه دخل موسوعة « جينيس « ضمن أمهر وأسرع عشرة عازفين فى العالم .
وفى لقاء له مع « الجمهورية « كشف مجدى الحسينى عن ثلاث محطات مهمة فى حياته كانت السبب الرئيسى فى شهرته ونجوميته ، وهى تتمثل فى حفلاته مع كوكب الشرق أم كلثوم ، وأيضاً مع العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ ، إلى جانب المحطة الثالثة مع أمير الغناء فريد الأطرش ، والمفاجأة أن محطة فريد الأطرش لم تكن هى المحطة الثالثة ، بل كانت هى البداية أو المحطة الأولى بالرغم أنه لم يعزف إطلاقاُ مع فريد الأطرش فى حفلاته على المسرح ، بل أن فريد الأطرش يعتبر مكتشفه الأول ، ولولا خطوة الأطرش لكانت تعثرت خطوات مجدى الحسينى فى بداياته أو اتأخرت نجوميته .
ابروفة الفرقة الماسيةب
ويعود ملك الأورج مجدى الحسينى لسنوات الطفولة مؤكداً أنه بدأ العزف على آلة البيانو منذ كان طفلاً عمره أربع سنوات ، فقد ولد ووجد تلك الآلة فى منزله ، فقد أعجب بتلك الآلة الموسيقية التى تعزف ألحاناً بديعة ، وعندما التحق بالمدرسة كان المدرسون والطلاب ينظرون له كموهبة فذة لم يروا مثلها فى العزف الموسيقى من قبل ، ويقول عن ذلك :
كنت أعزف كموهبة احترافية ، وبدون دراسة للموسيقى أو نوتة موسيقية ، وعندما وصلت المرحلة الإعدادية أعجب بى مدرس الموسيقى الأستاذ حسن عبدالوهاب ، والذى كان من كبار عازفى ألة الكمان بالفرقة الماسية ، وفوجئت به يوماً يدعونى لحضور بروفة للفرقة الماسية مع الفنان الكبير فريد الأطرش ، ولا أستطيع وصف فرحتى وسعادتى بمشاهدتى الفرقة الماسية لأول مرة فى حياتى ، بل وحضور بروفة لتلك الفرقة التى يشار إليها بالبنان ، كما أن سعادتى تضاعفت بأننى سأرى لأول مرة فى حياتى الفنان الكبير فريد الاطرش .. وما أدراك فريد الأطرش فى ذلك الزمن .. نجومية ساطعة وشهرة واسعة ، وعندما التقيت به كنت منبهراً به كفنان ونجم كبير ، وما كنت أدرى أن لقائى به سيغير مجرى حياتى .
كانت بروفة الفرقة الماسية مع أغنية « ما أتحرمش العمر من عطفك عليا « من الفيلم الشهير « حكاية العمر كله « بطولة فريد الأطرش مع الفنانة الكبيرة فاتن حمامة ، وأنا كنت سعيد الحضورى تلك البروفة وفى تلك السن الصغيرة ، ثم وجدت أن الجميع يأخذون إستراحة ، لأجد نفسى فى القاعة بمفردى مع الآلات الموسيقية ، ولم أتمكن منع نفسى من الاقتراب من آلة البيانو والعزف عليه ، فأنا أعشقه ودائم العزف عليه فى البيت ، فقمت بعزف جملة موسيقية من الأغنية صعبة بإحساس كبير ، ثم فوجئت بالاستاذ فريد الاطرش - الذى لم يكن حاضراً- يصل فجأة فى هذا الوقت واقفاً على الباب ويبدو عليه الاندهاش ، فاعتقدت أنه غضب منى لما أفعله بالعزف على البيانو بدون استئذان ، وبدأت أحاول أن أعتذر له، إلا أنه نظر لى وقال مندهشاً « يا ابن الإيه .. إنت إزاى قدرت تعزف الجملة دى « وهو غير مصدق بأن أستطيع العزف بكل سهولة وبدون الاعتماد على النوتة الموسيقية فاندهشت لاندهاشه بى .
وكانت المفاجأة الثانية عندما قال فريد الأطرش لقائد الفرقة الماسية أحمد فؤاد حسن « الولد ده هوه اللى حيعزف صولو الأغنية « ، فرد أحمد فؤاد حسن ساخراً « ايوه حيعزف كل الصوليهات « معتبراً أن فريد الأطرش يسخر منى ، فرد فريد بأنه يتكلم بجدية ، وطلب منى أعيد ما عزفته ، وبالفعل عزفت بصورة أدهشت أحمد فؤاد نفسه وأعضاء فرقته ، ومن ثم شاركت فى تسجيل اغنية الفيلم ، وبعدها بأسبوع رشحتنى الفرقة الماسية للموسيقار محمد عبدالوهاب للعزف صولو فى أغنيتى « لا تكذبى « و» كل شيء راح وإنقضى « للفنانة نجاة الصغيرة من فيلم الشموع السوداء .
امحطة أم كلثومب
المحطة الثانية كانت مع كوكب الشرق أم كلثوم ، والتى لم أحلم يوماً بأن ألتقى بها وأشاهدها وجهاً لوجه ، وجاء ذلك اللقاء بصورة غير مباشرة ، فقد شاءت الأقدار بأن أكون صديقاً لعازف الجيتار الشاب أحمد السنباطى إبن الموسيقار الكبير رياض السنباطى ، ويبدو أنه حكى عنى لوالده ، فطلبنى لكى يستمع لعزفى ، وبالفعل عزفت أحد ألحانه لأغنية جديدة - وقتها - للفنانة سعاد محمد على آلة الأورج ، ويبدو أيضاً أنه أعجب بعزفى ، إذ لم يمض شهر ووجدت ابنه أحمد يتصل بى ويطلب منى أن أذهب فى اليوم التالى للقاء والده بأستديو « 35 « بالإذاعة ، فاعتقدت أن والده يريدنى أن أعزف مع الفرقة لأحد المطربين أو المطربات ، ولم يكن فى مخيلتى أنه يريدنى للعزف أمام أم كلثوم .
.. وبالفعل ذهبت للأستديو ، ووجدت الموسيقار رياض السنباطى ينتظرنى وجالساً بجوار سيدة ترتدى إيشاربا ونظارة سوداء ، وعندما شاهدتنى فوجئت بها تصيح فى السنباطى وتقوله « إنت جايب حتة عيل يعزف معانا « ، وهنا استشطن غضباً وكدت أحتج على ما تردده تلك السيدة ، إلا أن رياض السنباطى أدرك الموقف فقال : « يالا ياعم مجدى سمع الست أم كلثوم عزفك على الأورج ، وبمجرد ما قال « الست أم كلثوم « وجدت نفسى أعرق وأرتعش مضطرباً غير مصدق بأننى أقف أمام الهرم الكبير أم كلثوم وسأعزف أمامها .
وهنا بدأت أفكر ماذا أعزف للست أم كلثوم كى تقتنع بى ؟ وخاصة أن كل أعمال أم كلثوم ذات مقامات شرقية ، بينما الأورج يختلف فى مقاماته ، فقد كانت فى ذلك الوقت مقاماته مازالت غربية ، وفجأة تذكرت سولو لعمر خورشيد على الجيتار فى أغنية « ودارت الأيام « ، فعزفتها وأنا فى عالم اخر غير مصدق ان ام كلثوم تسمعنى ، وكان كل ما فى مخيلتى أن رياض السنباطى يريد أن ترى كوكب الشرق إمكانياتى على آلة الأورج ، وخاصة أنها لم تعقب بأى كلمة ، ولم يدر فى بالى أننى سأعمل معها . !!
االحفل الأولب
وأضاف: وأذكر عندما ذهبت فى اليوم التالى لمدرستى السعدية الثانوية بالجيزة حكيت لزملائى ما حدث معى ، فلم يصدقوا أن السيدة أم كلثوم سمعت عزفى على الأورج ، ثم بعد ايام وجدت تليفونا من عازف الإيقاع حسين معوض المدير الإدارى لفرقة أم كلثوم يطلب منى الحضور فى اليوم التالى لبروفة أم كلثوم فى إستديو « 35 « بالإذاعة ، فاعتقدت أن أحدهم يريد أن يهرج معى فى صورة مقلب ، فلم أهتم ، وتصادف أن تحادثت مع صديقى أحمد السنباطى فحكيت له محاولة البعض فى السخرية منى ، بأن أم كلثوم تريدنى فى بروفة مع فرقتها ، ففوجئت بأن أحمد السنباطى يؤكد لى أن المكالمة صحيحة ، وغداً بالفعل بروفة مهمة لفرقة ام كلثوم لحفلتها الجديدة ، وذهبت وأنا منبهر وسعيد بأن أشارك مع أم كلثوم فى حفلتها القادمة .
وأذكر أن اكثر شيء أسعدنى عندما قام الإذاعى جلال معوض ساعة الحفل أن أعلن عن أسماء أفراد الفرقة ومن ضمنهم ذكرنى كعضو جديد فى الفرقة ، كما ذكر اسمى أيضاً فى الصحف مع جميع اسماء اعضاء الفرقة الموسيقية ، ثم كانت المفاجأة الأكبر ان الحفلة مذاعة تليفزيونياً ، وهو ما جعلنى فى قمة السعادة والتى كانت بمثابة مفاجأة أخرى لزملائى فى المدرسة عندما وجدونى أعزف وراء كوكب الشرق أم كلثوم .
وهنا أذكر أن اول حفل لى مع أم كلثوم كان فى اغنية «أقبل الليل « ، وكان يعزف على الاورج وقتها د.جمال سلامة ، ولكنه سافر للدراسة فى روسيا ، فجئت بدلا منه ، وعزفت « أقبل الليل « ، وفى نفس الحفل شاركت فى عزف الأغنية الجديدة « الحب كله « لبليغ حمدى ، إذ أن أم كلثوم اعتادت أن تغنى أغنية جديدة مع أغنية سبق أن قدمتها فى حفلاتها السابقة.
امحطة العندليبب
ويقول مجدى الحسينى : كانت بدايتى مع العندليب عبدالحليم حافظ من خلال فيلم « أبى فوق الشجرة « ، وذلك قبل أن ألتقى بأم كلثوم ، فقد كان حليم يريد أن يدخل تلك الآلة العجيبة الجديدة « الأورج « فى أغانى فيلمه الجديد ، لأنه يحب التجديد ، فسأل الفنان عمر خورشيد عمن يملك مهارة العزف على الأورج - وعمر صديقى - فقام بترشيحى له قائلا ً بأننى عازف جيد ورائع ولكنى صغير فى السن ، فسأل حليم عن عمرى ، فقال عمر خورشيد بأن عمرى 16 سنة ، فكان رد حليم بأنه مازال صغيراً فى أن يكون ضمن مجموعة الموسيقيين العازفين لأغانيه ، ولأن آلة الأورج كانت باهظة الثمن طلب من خورشيد ان أحضر بمصاحبة الأورج لكى يعزف عليه أحد الموسيقيين مقابل مبلغ من المال يعطيه ترضية لى ، وبالفعل وجدت عمر خورشيد بيقولى تحب تتعرف على عبدالحليم حافظ ، فقلت له طبعا فعبدالحليم اسطورة ونجم النجوم ، فقال لى حفوت عليك غداً لنحضر بروفة الفرقة وحليم سيكون حاضراً .
وبالفعل جئت فى اليوم التالى ومعى الأورج .. وبدأت أعزف بعض الجمل الموسيقية لأغنية « مشيت على الأشواك « أبهرت الحضور ، وفى ذلك الوقت كان حليم مقبلاً على القاعة فسمع عزفى على الأورج فلم يصدق أننى استطيع العزف بتلك السهولة فاحتضننى وقبلنى وقال « الواد ده جواه عفريت « ، وبالرغم من إعجابهم بى إلا أننى لم أشارك الفرقة الموسيقية فى حفلاتهم على المسرح لأن أعضاء الفرقة كانوا رافضين وإعتبرونى ما زلت صغيراً .
ولكن حدث ما جعلهم يتراجعون عندما شاهدونى أعزف مع فرقة كوكب الشرق أم كلثوم ، وعندها واجههم عبدالحليم حافظ بأننى أعزف مع أم كلثوم بفرقتها الخاصة ، والحفل مذاع مرئى وإذاعى ، وعندها وافقت الفرقة الماسية أن أنضم لهم ، وكانت أول حفل لى مع حليم فى أغنية « مداح القمر « والتى أعتبرها المحطة الثالثة لشهرتى ونجوميتي، ومن هنا احتضننى العندليب فى حفلاته داخل مصر وخارجها ، واعتبرته أبويا الروحى .
احليم صوته حاضرب
وفى سؤال عن الفنان أو المطرب الذى يستحق أن يعزف خلفه بعد أن وقف خلف كبار النجوم فى حفلاتهم ؟
أجاب : هناك أصوات رائعة وحلوة جداً فى الوسط الغنائى الحالى وأرحب بعزفى خلفها ، لكن الموضوع ليس مرتبطا بصوت الفنان ، بل أنها منظومة كاملة ، فالأغنية مرتبطة بالشخصية واللحن والأداء والإحساس ، وأقصد به أحاسيس المطرب ، .. فعبدالحليم لم يكن أحسن صوت ، ولكن كان يمتلك إحساسا ربانيا وهبه له ربنا لم يتواجد حتى هذه اللحظة مع اى مغنى فى العالم ، ولا أقصد قوة الصوت ، فإحساسه لا يستطيع أحد يماثله .. ، هو بسط الأغنية ..أى أحد يستطيع أن يغنى لحليم ولكنه لا يمكن ان يماثله فى إحساسه ، رحل منذ سنوات طويلة .. لكن ما زال صوته حاضرا .
اأصدقاء الوسط الفنيب
من هم أقرب أصدقائك فى الوسط الفنى ؟
وأذكر كنا فى جولة أو رحلة فنية تحت عنوان « فى حب مصر « سنة 1985 بكندا وأمريكا ، وكان معنا الفنانة ياسمين الخيام والفنان سمير صبرى وفرقته ، وعملنا دويتهات لأغان لكل اثنين من خلال عزفى على الأورج ، مثل دويتو فؤاد المهندس مع اسعاد يونس فى حكيم عيون ، واسعاد يونس وشيريهان فى ريا وسكينة ويغنون حسرة عليها ، وفريد شوقى واثار الحكيم فى عينى بيترف وراسى بيتلف ، وكمال الشناوى مع إلهام شاهين فى دويتو سوق على مهلك سوق ، وكنا بنعمل حفلات فى تورنتو ومونتريال بكندا ، وبعدين حفلات فى نيويورك ولوس انجلوس وواشنطن بأمريكا ، واتسجلت الحفلات ودائما ما أظهر بداخلها فى اليوتيوب ، ونحن على اتصال دائم معاً من الأحياء منهم لأن هناك عددا كبيرا من الأصدقاء رحلوا فى السنوات القليلة الماضية .
ماذا عن عملك فى الموسيقى التصويرية للأفلام السينمائية ؟
وبالنسبة للموسيقى التصويرية فى الأفلام والمسلسلات .. فقد جاءت من شعبيتنا من الحفلات انا وعمر خورشيد ، .. ومن هنا بدأ منتج الأفلام ومخرجوها فى طلبنا لوضع الموسيقى التصويرية لأعمالهم .
اتكريم فى أسترالياب
ماذا عن التكريمات فى مشوارك الفنى ؟
كرمت من هيئات كثيرة داخل وخارج البلاد ، وفى دول أخرى خارج مصر ، ولكن أذكر أهم التكريمات لى فى السنوات الأخيرة ، ففى عام 2016 كرمتنى رئيسة وزراء استراليا فى مقر البرلمان مع الملوك والرؤساء اللى تم تكريمهم ، ووضع اسمى فى لوحة الشرف ببوابة البرلمان فى مدينة سيدنى ، وكان تكريما يفوق الخيال ، حتى اننى بكيت متأثراً ، فقد إستقبلونى فى المطار بالورود والناس ، كما أن تكريمى فى البرلمان الأسترالى كان فى حضور كل السفراء العرب ، ثم كرمنى السفراء العرب أيضاً فى مدينة ملبورن ،ومنذ أيام تلقيت دعوة من جامعة سيدنى الأسترالية بتكريمى فى مطلع العام القادم 2024.
ماذا تقول عن ابنك حسام الحسيني؟
قال : حسام ماشى كويس وهو مخرج كليبات ناجح وحصل مؤخراً على جائزة أحسن مخرج ، ولأنه أخذ عنى أو ورث منى أذنى الموسيقية فقد اتجه فى الفترة الحالية للغناء وهو بيغنى راب ، وانا بقوله الراب مش اغنية .. ولكنه الان اصيح موضة ، وإن كان الراب موجودا منذ فترة كبيرة على يد ثلاثى اضواء المسرح فى عدة أغانى مثل الواد خللى بالك منه.
اترك تعليق