نزيف الدماء في الحروب والمعارك الطاحنة في هذا العالم.. لم يعد ينقطع أبداً.. لقد أصبحت دماء الأطفال والنساء والأبرياء.. أشد غزارة من مياه المطر.. وقد جف فعلاً نهر المسيسبي في أمريكا هذا الخريف.. وامتلأ بالمياه المالحة من خليج المكسيك!!
المؤامرة على مصر والدول العربية.. من بروتوكولات حكماء صهيون إلى كيسنجر وبرنارد لويس
لندن: المقاومة حاولت فرض جدول أعمالها الجيوسياسى.. على القوى الإقليمية والدولية
بايدن: لا سلام إلا فى وجود دولتين.. للشعبين الفلسطينى والإسرائيلى
نيويورك تايمز: الفلسطينيون يواجهون خطر النكبة الثانية في غزة والقدس والضفة الغربية
جوتيريش: تحويل غزة إلى محمية تابعة للأمم المتحدة.. ليس هو الحل
لكن المعارك والحروب لا تشتعل من تلقاء نفسها في هذا العالم شديد القبح ودائماً نكتشف عوامل جيوسياسية وراء هذه الحروب والصراعات الرهيبة ومن يتأمل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.. علي الأرض والوجود والبقاء.. لم يولد من فراغ، كما أنها ليس اختراعاً أو افتعالاً فلسطينياً.. بل هي مأساة تعرض لها الشعب الفلسطيني.. وتم فرضها عليه عنوة وبالإكراه.. في مؤامرة عالمية كاملة الأبعاد.. ومع سبق الإصرار والترصد.
وهناك من حاولوا فرض الأجندة الجيوسياسية للشرق الأوسط في العصر الحديث مبكراً جداً.. وكلها تبدو بعيدة تماماً عن تطلعات واحتياجات الشعوب العربية في هذا الجزء من العالم.
ويقول خبراء الاستراتيجية في لندن حالياً إن هجوم المقاومة المفاجئ ضد إسرائيل يوم 7 أكتوبر الماضي.. يؤكد أن الجماعات الإرهابية تحاول أن تفرض جدول أعمالها الجيوسياسي علي الأطراف الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط.
إعادة صنع
ويتحدثون في واشنطن حالياً.. عن الحرب الإسرائيلية علي قطاع غزة.. بأنها الحرب.. التي سوف تعيد صنع الشرق الأوسط.. وتعيد تشكيل النظام الإقليمي في هذا الجزء الملتهب من العالم.
ويتساءلون من الآن بوضوح.. كيف يمكن لأمريكا أن تعيد الاستقرار للمنطقة في شكل جديد.. بما يؤكد أن جدول الأعمال الجيوسياسي في الشرق الأوسط قادم من بعيد.. من الخارج.. وبالتحديد في واشنطن.
.. ومع من.. أو لصالح من؟! هذه قضية أخري.
وقبل هجوم المقاومة المفاجئ يوم 7 أكتوبر 2023 الماضي.. كان يبدو أن هناك رؤية أمريكية قادمة للشرق الأوسط فقد توصلت أمريكا لاتفاق ضمني مع إيران حول برنامجها النووي.. وكان هناك مخطط للتوسع في اتفاقات السلام بين دول الخليج وإسرائيل وخطط الرئيس الأمريكي جوبايدن أخيراً.. لمشروع ممر التنمية الممتد من الهند إلي دول الخليج حتي إسرائيل وأوروبا.. ليكون بديلاً لمشروع الصين.. الحزام والطريق.
وفي النهاية.. اتضح أن الانقسام السياسي الرهيب المزعوم في إسرائيل لم يكن سوي سحابة الدخان الكثيفة التي تخفي وراءها الأطماع الحقيقية لإسرائيل.. في التوسع والاستيطان في القدس والضفة الغربية.. وأخيراً في غزة ولا يوجد مكان.. لأبناء الشعب الفلسطيني علي أرضهم في فلسطين التاريخية.. لأن الهدف النهائي لإسرائيل هو احتلال فلسطين بالكامل من البحر إلي النهر.. علي الأقل في المرحلة الراهنة والمشروع الصهيوني في العالم العربي.. تحت التنفيذ دائماً.. ولكن علي مراحل متباعدة.. وسنوات متقاربة.
عواصف شديدة الانفجار
وجاء هجوم المقاومة المفاجئ.. ليؤكد أن عواصف الانفجارات والأزمات العاتية في الشرق الأوسط يمكن أن تتفجر في وجه الجميع في أي وقت.. وفي كل الظروف.. ومازال توقيت وأهداف الهجوم موضع تساؤل.
ومازال الكثير من البنود الخاصة بجدول الأعمال الجيوسياسي بالمنطقة تتم صياغتها في واشنطن وتحظي دائماً بمباركة دول حلف الناتو في أوروبا الغربية واليابان.
ومن الواضح أن جدول الأعمال الأمريكي في الشرق الأوسط ينص دائماً.. أولاً علي حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة الشعب الفلسطيني صاحب الأرض.. وينص ثانياً علي حق إسرائيل في فرض العقاب الجماعي علي أبناء الشعب الفلسطيني بالحرب وبالقوة المسلحة وعمليات الإبادة.. كما يحدث حالياً في قطاع غزة.. وحتي في القدس والضفة الغربية.
يقولون الآن في واشنطن إن أمريكا لابد لها من أن تضع استراتيجية جديدة للشرق الأوسط.. وجدول أعمال جيوسياسي جديد.. لكن لابد أن يتماشي مع الواقع هذه المرة.. بعد طول تجاهل.
فلم يعد بإمكان صانع القرار السياسي الأمريكي أن يتجاهل القضية الفلسطينية.. ولابد أن تكون هذه هي النقطة المركزية في السياسة الخارجية الأمريكية بالمنطقة.. فلا مستقبل لعلاقات عربية - إسرائيلية بدون تسوية القضية الفلسطينية.. ولا يمكن أن تتحقق التسوية بدون إقامة دولة فلسطينية مستقلة وقادرة علي البقاء داخل القدس والضفة الغربية وغزة.
لكن الأصوات الزاعقة في واشنطن ولندن وعواصم أوروبا تؤكد دائماً.. أنه أولاً.. لابد لإسرائيل أن تحقق النصر المطلق.. ولا يمكن أن يسود السلام في قطاع غزة والشرق الأوسط بدون.. أولاً تدمير حماس.. ثانياً إبعاد السلطة الفلسطينية.. ثالثاً إبعاد وكالة غوث اللاجئين الدولية.
وتؤكد هذه الأصوات أن إسرائيل تحقق النصر الآن فعلاً.. لكن السؤال الأصعب هو.. ماذا بعد الحرب؟!.. هل يمكن لإسرائيل أن تفوز بالسلام أيضاً؟!! والحرب.. أي حرب لا تنتهي عادة بسكوت المدافع!
لم يتأخر الرد
.. ولم يتأخر الرد الأمريكي علي هذه الأسئلة الصعبة كثيراً.. ولم يتأخر الرئيس بايدن بنفسه عن الرد.. بمقال مطول جداً.. وشبه تفصيلي في صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية.. تحت عنوان «أمريكا.. لن تستسلم لبوتين أو حماس».
أكد بايدن في هذا المقال.. أن العالم قد وصل إلي نقطة تحول واشتعال بالحروب والأزمات الساخنة.. وأن الاختيارات الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط.. هي التي سوف تحدد مصير مستقبلنا لأجيال قادمة.
وتساءل.. كيف سيكون العالم عند الطرف الآخر.. أو عند النهاية الأخيرة لهذه الصراعات؟!
وقال.. هل يمكن أن يأتي يوم يعيش فيه الفلسطينيون والإسرائيليون في سلام.. في ظل وجود دولتين لشعبين؟!
واتهم بايدن.. كلاً من بوتين وحماس.. بمحاولة تدمير نظام ديمقراطي.. مجاور.. في كل من أوكرانيا.. وإسرائيل!!
وأكد أن أمريكا لن تسمح بذلك.. من أجل مصالح الأمن القومي الأمريكي ومن أجل العالم أجمع.. وأمريكا دولة مهمة وضرورية للعالم.. ونحن نجمع الحلفاء والشركاء للوقوف ضد المعتدين وصنع التقدم نحو المستقبل الأكثر إشراقاً وسلاماً.
وقال بايدن إن العالم يتطلع لأمريكا من أجل إيجاد الحل لمشكلات وأزمات هذا العصر، وهذا هو واجب القيادة وأمريكا سوف تقود.
ولم ينس الرئيس الأمريكي أن يؤكد أن الدعم الأمريكي لكل من أوكرانيا وإسرائيل هو في واقع استثمار في الأمن القومي الأمريكي!!.. لأن ذلك يمنع الصراعات والحروب الأوسع.. في أوروبا والشرق الأوسط.
ولقد رأينا - كما يقول بايدن - علي مدي التاريخ.. كيف أن الصراعات في الشرق الأوسط يمكن أن تكون لها تداعيات عالمية، ولذلك سوف تقف أمريكا بشكل حازم مع شعب إسرائيل وهو يدافع عن نفسه.. في مواجهة الفناء القاتل.
وأكد أنه مع فريق العمل في البيت الأبيض يعمل ساعة بساعة من أجل الإفراج عن الرهائن الذين قامت حماس باختطافهم.
واعترف بايدن بأن الشعب الفلسطيني يستحق أن تكون له دولة ومستقبل حر.. ومتحرر من حركة حماس وقال إن هدفنا.. ليس فقط وقف الحرب.. بل إنهاء الحرب إلي الأبد ووقف دائرة العنف وأن نقوم ببناء شيئاً أقوي في قطاع غزة.. وفي الشرق الأوسط.. حتي لا يكرر التاريخ نفسه.
المستقبل.. لا مكان فيه لحماس.. ولا للعنف والكراهية.. ومن الواضح تماماً أن حل الدولتين.. هو الطريق الوحيد لضمان الأمن طويل المدي للشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.. إن المستقبل لم يكن يوماً أبعد مما هو عليه الآن.. لكن هذه الأزمة أمر يفرض نفسه.. ولابد من حل الدولتين حتي يتاح للشعبين الفلسطيني - الإسرائيلي العيش جنبًا إلي جنب في حريات متساوية وفرص متساوية وكرامة، وهذا هو الطريق الذي يجب أن يقودنا إليه السلام.
ماذا بعد هذه الحرب المدمرة؟!
لكن الأمريكي- اليهودي ديفيد إيحنانشيسوس، قام مؤخرًا بزيارة لإسرائيل وذهب إلي مقر و،زارة الدفاع الإسرائيلية - الكيرا - في تل أبيب والتقي بقادة الجيش الإسرائيلي هناك، والتقي حتي بكبار ضباط العملية في قطاع غزة، وذهب إلي الجميع هناك وطلب منهم الإجابة علي سؤال واحد، وماذا بعد هذه الحرب المدمرة في قطاع غزة؟!
ومن البداية هو يقول إن مدينة غزة تطل علي البحر المتوسط، وهذا البحر هو الحليف الطبيعي لإسرائيل وإذا فشلت إسرائيل في تدمير شبكة الأنفاق تحت الأرض في غزة بالطائرات والدبابات، فلن يكون هناك حل آخر لتدمير هذه الأنفاق، إلا من خلال استخدام طلمبات ومضخات كبري تقوم بضخ مياه البحر المتوسط وصبها مباشرة إلي داخل الأنفاق في قطاع غزة، بهدف تدميرها وإغراقها بما فيها ومن فيها، ولا يؤجل هذه العملية سوي الخوف علي مصير الرهائن، وضرورة الإفراج عن أكبر عدد منهم أولاً.
وقد دخلت العملية الإسرائيلية في غزة في مرحلة جديدة تستهدف الجزء الجنوبي من غزة خصوصًا في خان يونس، المدينة التي ولد فيها يحيي سنوار قائد حماس.
جنرالات جيش الدفاع الإسرائيلي يعرفون الحرب خصوصًا ضد الشعب الفلسطيني منزوع السلاح، لكنهم يريدون فقط تدمير حماس، لكن شكل الحياة في قطاع غزة بعد كل هذا الدمار والخراب الشامل.. سؤال بلا إجابة.
ليست محمية للأمم المتحدة
.. وفي باريس.. ذكرت لوفيجارو الفرنسية ان السكرتير العام للأمم المتحدة.. جوتريش أكد أنه يرفض تحويل قطاع غزة إلي «محمية» تابعة للأمم المتحدة. وقال إن ذلك ليس حلاً.. ودعا إلي فترة انتقالية بعد هذه الحرب المدمرة في غزة.. بالتعاون بين الولايات المتحدة والدول العربية.. وطالب أيضاً بضرورة أن تتحول مأساة الحرب إلي فرصة.. بالانطلاق علي طريق إقامة حل الدولتين.
في المقابل طالبت لوموند الفرنسية في افتتاحيتها بضرورة أن يتوقف هذا الدمار الذي يحدث في قطاع غزة.. لأن الأطفال والنساء والأبرياء.. لم يبق لهم سوي الموت والدمار علي مدي ٥٤ يوماً من الحرب ويقولون إن مستشفي الشفاء أصبحت منطقة موت.. لكن قطاع غزة كله.. أصبح منطقة موت.. ومذابح ودمار ولا توجد أوصاف أخري في قواميس اللغات العالمية.. الفلسطينيون يعيشون الآن.. صدمة النكبة الثانية في تاريخهم في ٣٢٠٢.. بعد نكبة ٨٤٩١.
وذكرت نيويورك تايمز الأمريكية إن خطر النزوح والتحول إلي لاجئين مشردين.. يطارد أبناء الشعب الفلسطيني.. ليس في غزة فقط.. لكن حتي في القدس الشرقية والضفة الغربية.. الفلسطينيون يعيشون تحت حصار نكبة ثانية مع سبق الإصرار والترصد من جانب إسرائيل.. والقوي العالمية في الولايات المتحدة وأوروبا، لا يوجد تعاطف حقيقي مع الحكومة المشروعة للشعب الفلسطيني في الوجود والحدود والدولة الوطنية المستقلة.. القادرة علي البقاء.
شياطين الصراحة
.. وهنا نكتشف أننا أمام السؤال الأول.. الذي لا توجد له إجابة واضحة، لكن كبار المفكرين في أمريكا أحياناً.. نجدهم في حالة استسلام غير طبيعية.. أمام «شياطين الصراحة».. إذا جاز هذا التعبير.
ومن هؤلاء الأمريكي دانيل ماكارثي.. الذي طالب الغرب بالتوقف عن توجيه اللوم لإسرائيل.. وهي تدافع عن نفسها ووجودها.. بمنتهي الوحشية.. ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.
ويؤكد ماكارثي منذ أيام أن إسرائيل تواجه اليوم المأزق الذي سوف يواجه الغرب الأمريكي- الأوروبي غدا.. في هذا العالم.. خصوصاً في الصراع العالمي.. مع الصين وروسيا.. من أجل الهيمنة علي دول الجنوب العالمي.. دول العالم الثالث سابقاً.
ويقول إن إسرائيل صراحة دولة إمبريالية.. تقوم علي الاستيطان والتوسع.. والولايات المتحدة الأمريكية.. عبارة عن امبراطورية إمبريالية أقيمت في قارة أمريكا الشمالية.. أيضاً بالاستيطان والتوسع.. علي حساب الهنود الحمر ويؤكد أن إسرائيل سوف تنتصر في الحرب.. وسوف تنتصر أيضاً في الحرب التي خسرتها أمريكا في أفغانستان.
إسرائيل تواجه حالياً المأزق الذي سوف يواجه الغرب في الغد.. والمستقبل القادم في القرن الحادي والعشرين.. والصراعات الدولية الكبري.. بدأت.. لن تتوقف .. ويعترف ماكارثي بأنه علي مدي ٠٦ عاماً مضت كان من السهل علي الليبرالية في الغرب الادعاء بأن الإمبريالية والاستعمار.. هي الشر الذي لا ضرورة له، وحين تقوم أمريكا بغزو واحتلال العراق أو أفغانستان.. أو أية دولة أخري لم يكن الليبراليون يطلقون علي ذلك اسم الإمبريالية والاستعمار.. بل كانوا يطلقون عليه اسماء سياسية أنيقة.. مثل «تغيير نظم الحكم».. «وإعادة بناء الدول».. أو إن أمريكا قامت باحتلال العراق من أجل نشر الديمقراطية.. وفي النهاية تعرض العراق للدمار والتفكك والانكسار.. ولم تتحقق الديمقراطية.. ولم تنتشر.
بريق العناوين
وأنفقت أمريكا مبلغ ٧ تريليونات دولار علي عملية احتلال العراق وأفغانستان.. وفشلت في إعادة بناء العراق.. كما ادعت .
من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية تستغل التفوق العسكري الساحق علي الآخرين حول العالم.. وبالإنفاق المالي اللا محدود.. تفرض واشنطن شرعية الإمبريالية الأمريكية علي العالم بالقوة المسلحة.. ولم تستطع أمريكا فرض «الاستعمار الديمقراطي» الزائف علي الآخرين.. ببساطة لأنه استعمار واحتلال وإمبريالية أمريكية والإمبريالية ليست ديمقراطية... ومنذ عصر بوش الابن وباراك أوباما.. استغلت أمريكا.. وهي القوة الأعظم علي وجه الأرض.. كل قوتها وطاقاتها العسكرية الاقتصادية من أجل تحويل الإمبريالية الديكتاتورية إلي واقع علي الأرض.. لكن المنطق القائم علي الأرض في هذا العالم هزمهما.. بوش الابن وباراك أوباما.
ومع ذلك.. أتتعلم القيادات العليا في أمريكا شيئاً من ذلك ولم تستوعب إمبراطورية الأمن القومي الأمريكي شيئاً من الدرس.. رغم أنهم قاموا بوضع «حلم الإمبريالية الأمريكية».. تحت العناوين البراقة لانتشار الديمقراطية الأمريكية، أي أن هذا جزء من الحلم الأمريكي الأصلي.. حلم الثروة السيطرة والهيمنة علي العالم.
الهنود الحمر
.. ويقول الأمريكي دانيال ماكارثي.. إن إسرائيل لا تملك رفاهية أن ترتكب أخطاء وكوارث الحرب الأمريكية في العراق وأفغانستان.. ولا يمكنها تجاهل نتائج ما حدث في غزة.
.. وبعد تدمير غزة.. سيبقي السؤال. كيف يمكن ألا يحدث ذلك مرة أخري؟! يؤكد ماكارثي أن الليبرالية الأمريكية- الأوروبية توصي.. إما بالحكم الذاتي للشعب الفلسطيني.. أو بالاندماج الديمقراطي مع الشعب الإسرائيلي.. داخل إسرائيل ذاتها.
لكن من المستحيل أن يتم تنفيذ ذلك.. أو حتي تخيله في أ›ي مستقبل منظور، ويمكن لإسرائيل أن تحكم غزة حكماً مباشراً بلا ديمقراطية.. ولو بثمن باهظ لإسرائيل وللشعب الفلسطيني ذاته.
المنشورات السياسية في أمريكا تتهم إسرائيل بأنها دولة الاستيطان والاستعمار.. لكن أمريكا أيضاً.. والمهاجرون البيض في أمريكا.. قاموا بالتوسع والاستيطان في أمريكا الشمالية علي حساب الهنود الحمر.. الذين تعرضوا للتصفية الجسدية والقتل بلا رحمة.. وفي النهاية تم توطين بقاياهم.. علي حواف الصحاري والمدن الأمريكية.
لكن إسرائيل ليس لديها المكان الذي يمكن ان تقوم بترحيل وتوطين هنودها الحمر من أبناء الشعب الفلسطيني كما فعلت أمريكا.
وإذا حاولت دفع الشعب الفلسطيني إلي التهجير بالقوة العسكرية إلي الدول العربية.. فإن ذلك سوف يتطلب إجبار الجبران علي قبولهم وهم يرفضون بكل قوة.
السلام والتجارة الحرة
ويقول ماكارثي إنه يحلو لرجال الاقتصاد في واشنطن ان يتخيلوا العالم وقد أصبح غنيا ويعيش في سلام تام من خلال التجارة الحرة والاسواق المفتوحة لكن صعود الغرب إلي القمة الاقتصادية والثروة علي مدي ٥ قرون مضت قد تم بالكثير من الحروب والغزو والاحتلال وانتزاع ممتلكات وأراضي ودول الآخرين كما حدث في الهند وأفريقيا وأسيا.
وقد قامت شعوب أوروبا باستيطان أراضي قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية واستولوا علي ميراث الامبراطورية العثمانية الميتة .
وفي النهاية لم يتحدث أحد عن الليبرالية في الغرب الا بعد ضمان ان أوروبا وأمريكا وأن الجنس الابيض قد حقق التفوق المطلق علي كافة أجناس البشر بالذات تفوق الجنس الابيض للانجلو- ساكسون الناطق بالانجليزية.
إن شعوب أمريكا أوروبا هم الاقلية في هذا العالم مثل اسرائيل في الشرق الاوسط تماما.. وفي النهاية لابد من الاجابة علي السئوال النهائي وهو كيف سوف يواجه الغرب التحدي الرهيب كيف يمكن تبرير سيطرة دول ومؤسسات الغرب.. علي دول وشعوب ترتبط بالقومية والدين مع من يحكمونهم؟!
وهذا هو السئوال النهائي الفاضح لامريكا وللغرب ولاسرائيل لأن الامبريالية الاستيطانية الاسرائيلية أصلها أمريكي- أوروبي.
جذور المؤامرة
وهذا يقودنا إلي جذور المؤامرة علي مصر والدول العربية منذ «بروتوكولات حكماء صهيون» وحتي هنري كيسنجر- حتي اليهودي البريطاني الامريكي برنارد لويس فقد بدأت قصة المؤامرة علي مصر والعالم العربي كله في الظلام الظلام الذي لم نكن نعلم عنه شيئا ظلام ما يتحدث عنه اليهود من مذابح تعرضوا لها في روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر في أوروبا الشرقية وفي ألمانيا هتلر النازية وقد اجتمع حكماء اليهود وعقدوا مؤتمرات سرية في روسيا في جنح الظلام ووضع أسس مبادئ ما أطلقوا عليه بروتوكولات حكماء صهيون.
ورغم انهم ينفون وجودها تماما وأنها لاتزيد علي كونها دعاية معادية لليهود وللسامية إلا أن الواقع العالمي يؤكد أنها أمر واقع مفروض فرضا علي كل دول وشعوب العالم.
وقد اتفق حكماء اليهود الصهاينة في ذلك الوقت علي مبادئ اساسية تقضي بأن يتمكن اليهود من السيطرة علي العالم كله.. من خلال الاستحواذ والسيطرة المطلقة علي ثروات وأموال ورؤوس الاموال في العالم والانفراد بالسيطرة علي الصحافة والدعاية والاعلام في هذا العالم وبالمال والاعلام يمكنهم السيطرة علي العالم وقيادته إلي حيث يريدون من أهداف وغايات.
أهداف مقدسة
ومن البداية حددت الحركة الصهيونية اليهودية أهدافها المقدسة في ضرورة إقامة وطن قومي لليهود يعيشون فيه في أمن وسلام بعيدا عن المذابح.. في روسيا وأوربا الشرقية وألمانيا النازية.
واتفقوا فورا علي إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين ورغم أنهم كانوا يعلمون ان الشعب الفلسطيني العربي المسلم يقيم فعلا علي أرضه إلا انهم رفعوا الشعار الكاذب بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
وبعد وعد بلفور البريطاني في 1917 أصبحت القضية معلنة أمام العالم.
ومنذ ٧٩٨١ تدفق اليهود المهاجرين علي فلسطين بلا انقطاع وارتفع تعدادهم من ٤٪ من السكان في ذلك الوقت إلي ٧١٪ في ٨٤٩١ عند قيام دولة اسرائيل وخلال الفترة من ٩٢٩١ حتي ٩٣٩١ تدفق أكثر من ربع مليون مهاجر يهودي علي فلسطين قاموا بانتزاع أخصب الاراضي الزراعية في فلسطين من أصحابها بالقوة المسلحة واندلعت الثورات الفلسطينية الكبري في حيفاء في القدس عند حائط المبكي وحين استشهد الشيخ عز الدين القسام في حيفا برصاصة الاحتلال الانجليزي أقيمت له جنازة مهيبة وأطلقت حماس علي ميلشياتها اسم كتائب عز الدين القسام.
وتحت ستائر التواطؤ بين الاحتلال والانتداب البريطاني في فلسطين وميليشيات اليهود الصهاينة من الهاجانة وشيرون قام الصهيوني الاسرائيلي ديفيد بن جوريون بإعلان دولة اسرائيل في ٤١ مايو ٨٤٩١.
وكل ذلك يقودنا إلي رجل الزمن الصهيوني الاخير.. اليهودي البريطاني الامريكي برنارد لويس خصوصا في كتابه الذي توج به كل مؤلفاته الصهيونية والتي تحولت إلي جدول أعمال للسياسة الامريكية في الشرق الاوسط والعالم العربي وقد صدر الكتاب تحت عنوان «ملاحظات علي القرن» وقد تراجع فيه عن تفاؤله بإمكانية ان تتمكن الولايات المتحدة الامريكية في النهاية من إعادة تشكيل مستقبل العالم العربي وأكد أن سياسات أمريكا ودبلوماسيتها لاتجد من يرحب بها رغم ان أسلحتنا وأموالنا تفعل مانريد!!
الخطط الشيطانية
وقد تبنت المخابرات المركزية الامريكية خطط برنارد لويس بالكامل واعتبرتها جدول الاعمال الامريكي في الشرق الاوسط والعالم العربي وتقضي الخطة بضرورة تحطيم وتقسيم كل دول الشرق الاوسط حتي الهند علي أسس عرفية ودينية وطائفية ولغوية.
وكانت هذه هي اللعبة الاستراتيجية الامريكية وراء اسقاط شاه ايران في ٩٧٩١ وتسليم السلطة في إيران إلي امام متطرف هو الخميني وكانت هذه الخطة وراء اغتيال رئيسة وزراء الهند أندبراغاندي في ٤٨٩١ هذه وحدها مفاجأة مذهلة.. لكن الرئيس الفرنسي شارل ديجول سقط أيضا في باريس بمؤامرة أمريكية تحت وهم زائف اسمه ثورة الشباب.
وقد توجه برنارد لويس إلي جامعة برنستون الامريكية في 4٧٩١ ومن هناك أصبح المستشار الأوحد للسياسة الخارجية الأمريكية.. وتمكن من إقناع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر بكل الخطط والأفكار الشيطانية الموجودة لديه «أعباء الجوار الاستراتيجي».
وتكشف الوثائق الأمريكية أن برنارد لويس خطط لهدم الاتحاد السوفيتي السابق أيضًا من الداخل من خلال نشر التطرف الديني في الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطي.. بما يؤدي لانقسام جمهوريات الجنوب.
وبعد السقوط السوفيتي العظيم.. تحول برنارد لويس إلي الشرق الأوسط وطالب بضرورة تقسيم مصر وكل الدول العربية المحيطة بإسرائيل إلي دويلات طائفية وعرقية علي الطريقة اللبنانية، وكانت الحرب الأهلية اللبنانية هي النموذج الأول.. الذي تم تطبيقه بعد ذلك في العراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال، والمخطط الشيطاني يمتد حتي إلي دول شمال أفريقيا العربية تونس والجزائر والمغرب.
وقال برنارد لويس إن معظم الدول العربية.. حديثة العهد بالوجود كدول وطنية، وهي دول مصطنعة الوجود والحدود، بما يجعلها دائمًا في حالة ضعف في مواجهة مخاطر التقسيم والانقسام والحروب الأهلية.
وإسرائيل دولة قليلة السكان، ولا يمكنها تحمل أعباء الجوار الاستراتيجي لقوي سكانية كبري، مثل مصر بأكثر من 100 مليون نسمة، أو حتي سوريا والعراق .
.. ومن البداية أكد برنارد لويس أن تزويد جميع الأطراف المتصارعة بالأسلحة يكفي لإشعال حرائق الحروب الأهلية في أية دول عربية، كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن والعراق، وإذا تعرضت السلطة المركزية للضعف كما حدث في سوريا والعراق وليبيا، سوف يختفي وجود المجتمع المدني وتتفكك أوصال الدولة علي مستوي النسيج القومي للشعب، وبالتالي يختفي الإحساس المشترك بالهوية الوطنية، بل ويختفي الإحساس بالانتماء والتبعية للدولة الوطنية.
وهنا تتعرض الدولة الوطنية للانهيار، كما حدث في لبنان وتنتشر الفوضي والنزاعات والحرب بين مختلف الجماعات والطوائف والمناطق وحتي الأحزاب.
القومية العربية
وتكشف الوثائق الأمريكية أن عملية انهيار الشرق الأوسط وسقوط الدولة الوطنية فيه، تمت بسهولة، ليس فقط بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، لكن أيضًا بسبب مفاجئ اسمه انهيار القومية العربية بعد هزيمة يونيو 1967، وكان يحلو لبنيامين نتنياهو أن يردد دائمًا أن إسرائيل والصهيونية العالمية قد تمكنت من هزيمة القومية العربية.. لأنها كانت العدو الأول لوجود إسرائيل.
ويقول برنارد لويس إن رصاصة الرحمة الأولي التي قضت علي القومية العربية بدأت بالحرب الأمريكية علي العراق واحتلال بغداد وإعدام صدام حسين، وكل قيادات حزب البعث.
حرب 73
ويقول لويس إن سلاح البترول كان فعالاً للغاية خلال حرب أكتوبر 1973، تحت شعارات القومية العربية وظهور العرب باعتبارهم القوة السادسة في العالم، كما كان يقول السادات ومجلة تايم الأمريكية اليوم سلاح البترول لم يعد له وجود أو فعالية في الأزمات الراهنة.
ويقولون في واشنطن إن هذا هو أكبر إنجازات برنارد لويس في العالم العربي علي الإطلاق، ولذلك يعتبرونه أعظم خبراء السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط علي الإطلاق هو شيطان الأنجلو-ساكسون في واشنطن ولندن.
ويقول برنارد لويس.. لابد أن يتذكر العالم دائمًا أن التفوق العسكري الأمريكي الساحق لم يكن ضد العراق وحده عند الاحتلال الأمريكي في 2003، لكنه كان في الواقع تفوقًا ساحقًا وشاملاً علي كل دول العالم قاطبة.
إنه التفوق التكنولوجي العسكري الذي يمكن أن يجعل دولاً أوروبية صغيرة مثل هولندا والبرتغال تحكم امبراطوريات واسعة في أفريقيا وآسيا.
يؤكد برنارد لويس أن انهيار القومية العربية قد أدي إلي إزالة خطر واحتمالات التطور الصناعي والاستقلال القومي للدول العربية وطالب بضرورة الحفاظ علي الوضع الاقتصادي للدول العربية كما هو بلا تغيير.. لأن العالم العربي لن يشهد تطورًا علي الإطلاق إلا في إطار ظروف وشروط تضعها القوي الموجودة خارج المنطقة، وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا.
القوة الوحيدة
ويقول برنارد لويس إن الولايات المتحدة سوف تسعي دائمًا كي تبقي هي وحدها قوة الهيمنة المسيطرة في العالم العربي، من الخارج، من خلال القواعد العسكرية والأساطيل البحرية.. والهدف النهائي لأمريكا هو منع ظهور قوة هيمنة إقليمية وحيدة في العالم العربي، وحرمان مصر من أية فرصة ونكتشف أن أمريكا تعطي لتركيا استثناءً وحيدًا، مادام ذلك يصب في خانة منع عودة سوريا كدولة وطنية عربية موحدة مرة أخري، لا يوجد شيء سهل في هذا العالم.
تبقي إسرائيل الدولة الصهيونية القوية هي أهم رصيد استراتيجي لأمريكا في الشرق الأوسط، وهي المحمية الأمريكية وهي أكبر وأقوي حاملة طائرات أمريكية فوق كوكب الأرض.
ويقولون إن استراتيجية كيسنجر ولويس الشيطانية تقوم علي مبدأ توازن القوي، وهذا المبدأ يحظر علي صانع القرار الأمريكي التورط في أية تحالفات مع دول عربية ذات سيادة، تقوم علي مبدأ الالتزام المتبادل بالأمن والتنمية الاقتصادية المشتركة.. كما يحدث بين أمريكا ودول أوروبا.
وفي النهاية يقول برنارد لويس إن الحركات الإرهابية الإسلامية مثل الإخوان والقاعدة وداعش هي السلاح الوحيد الفعال القادر علي هدم وتدمير مفهوم الدولة القومية في الشرق الأوسط، خصوصًا في هذا المحيط العربي كثيف السكان في مصر وسوريا والعراق.
ويحرص برنارد لويس علي ألا تسعي أمريكا للتدخل ومنع انهيار الدول كما حدث في ليبيا وسوريا والعراق، لا يجب أن يتوقع أحد من الغرب أن يتدخل لمنع الفوضي والحروب الأهلية، لأن الغرب هو الذي أشعلها، وهو آخر من يمكن أن يسعي لإطفاء نيرانها.
ولقد تدخل الغرب في السابق لمنع أو للحد ووقف الحروب العربية - الإسرائيلية.. لكن الإسرائيليين لن يكونوا حكماء إذا اعتمدوا علي إمكانية حدوث ذلك في المستقبل.
هذه هي حقائق المؤامرة علي مصر والدول العربية.. من بروتوكولات حكماء صهيون، حتي هنري كيسنجر وبرنارد لويس، ويبقي السؤال هل أدركنا الآن القيمة التاريخية الكبري لثورة 30 يونيو 2013 في مصر؟.. كيف أنقذتنا هذه الثورة من شياطين المخططات الجهنمية لقوي الهيمنة العالمية؟ لكن الحروب والصراعات لا تنتهي، ونزيف الدماء في غزة أصبح أكثر غزارة من هطول المطر.
اترك تعليق