بقلم الدكتور عبدالقادر سليم مدير الدعوة بأوقاف كفرالشيخ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على البشير النذير السراج المنير الصادق الوعد الأمين وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم.
أما بعد:
فإن ن من أهم الضرورات التي لا تستقيم الدنيا إلا بها ضرورة حفظ حق الحياة للناس، فإن لم يُحفظ هذا الحق فإنه يحدث فساد كبير وتهارج عظيم. ولهذا فإن لحق الحياة في الإسلام قيمة كبرى، تظهر في تحقيق الأمن والأمان والسلم والسلام لكل الناس. ولهذا فقد اهتم الإسلام بحق الحياة الكريمة للإنسان وذلك من خلال دعوته إلى ما يلي:
أولا: الله وحده هو الذي منح الحياة للناس فليس لأحد أن يسلبها منهم إلا بإذنه
************
حيث قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الجاثية: 26] وقال أيضا: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: 2] وقال عز وجل: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28]
فإذا كان الله تعالى هو الذي يحيي ويميت فليس لأحد من البشر أن يعتدي على هذا الحق الإلهي، إلا بإذن منه سبحانه وتعالى، وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الإذن في قوله: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة". [متفق عليه] ففي هذه الأحوال تقوم الدولة ممثلة في سلطاتها المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية الناس من شر هؤلاء المتجاوزين المعتدين، وليس لآحاد الناس أن يفعلوا ذلك.
ثانيا: دعت الشرائع السماوية إلى حفظ حق الحياة
**************
ففي التوراة وصية صريحة تقول: لا تقتل، ومَنْ ضَرَبَ إِنْسَانًا فَمَاتَ يُقْتَلُ قَتْلاً". وفي الإنجيل: "لا تقتل، ومَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ" أي العقوبة. وفي الإسلام قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: 151] سواء كانت هذه النفس هي نفسك أنت أو نفس الآخرين. فقد جرم الإسلام هذا الاعتداء واعتبر أن إزهاق الروح بغير وجه حق جريمة ضد الإنسانية كلها، كما أن إنقاذها من الهلاك يعتبر إحياءً للإنسانية كلها. فقد قال تعالى ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]
ولهذا فقد توعد الإسلام من قتل النفس بالعقاب الشديد. حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]
أما عقاب من قتل نفسه وهو المنتحر. ففيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهو في نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا. [متفق عليه]
ثالثا: دعا الإسلام الدولة إلى حماية حق الحياة لأفرادها
***************
ويتجلى ذلك في صورتين، الأولى: حماية حق الحياة لأفرادها من أنفسهم فسن القوانين اللازمة لمنع التعدي على حياة الناس وشرع القصاص في كل أنواع التعدي، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] وقال أيضا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]
وبين سبحانه وتعالى أن في هذا القصاص إقامة للحياة فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179] وهذا القصاص ليس متروكا لآحاد الناس في اتباع الأهواء والأخذ بالثأر، وإنما تقوم به الدولة بعد تحري الشروط اللازمة له.
والثانية: من واجب الدولة في حماية الحياة لأفرادها أن تقوم بإعداد الجيوش الوطنية التي تحمي حق الحياة لأفراد هذا الشعب، وتدفع عنه اعتداء المعتدين، فقد أمر الله بالجهاد وإعداد القوة لمواجهة الأعداء فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60] وتطبيقا لذلك أعد الرسول صلى الله عليه وسلم الجيش، وخاض به الغزوات الكثيرة، وكان يعقد مسابقات الرماية والمصارعة بين أصحابه حتى يؤهلهم لمواجهة العدو الذي يعتدي على حياة الناس ويهددها.
رابعا: دعا الإسلام كل إنسان إلى المحافظة على حياته بحسن بنائها وحمايتها
*************
أما البناء فالغذاء الجيد والبدن القوي، فعلى الإنسان أن يحافظ على حياته بأكل الطيبات والبعد عن الخبائث، حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172] وقال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] وأكد النبي صلى الله عليه وسلم على ضرورة بناء الجسد القوي فقال: "المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ المؤمنِ الضَّعيفِ وفي كلٍّ خيرٌ" [رواه مسلم]
وأما ضرورة الحماية للنفس من الهلاك فقد حرص عليها الإسلام حين حرم على كل إنسان قتل نفسه، ودعاه إلى مواجهة أي اعتداء عليه ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 190] بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكد أن مات وهو يدافع عن حياته ودينه وماله وعرضه فهو شهيد، وذلك في قوله: "منْ قُتلَ دُونَ دمِهِ فهُو شهيدٌ، وَمَنْ قُتِل دُونَ دِينِهِ فَهو شهيدٌ، ومنْ قُتِل دُونَ أهْلِهِ فهُو شهيدٌ، ومنْ قُتِل دُونَ مالِهِ فهُو شَهيدٌ". [أبو داود والترمذي]
خامسا: دعا الإسلام إلى حفظ حق الحياة الكريمة وعدم الرضا بالمذلة
**************
إن الناظر في الحديث السابق يجد أنه قد تحدث عمن مات مدافعا عن نفسه ودينه وأهله وماله، وبين أنه من الشهداء. وهذه الأشياء هي التي تعبر عن الحياة الحقيقية، فليست الحياة في الدفاع عن النفس فقط، لأن من عاش بغير دين يطمئن قلبه، وبغير مال يسير حياته وبغير قدرة على حماية أهله وعرضه فهو ذليل، والإسلام يرفض هذه الحياة الذليلة، حيث كرّم الحق سبحانه وتعالى الإنسان فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70] فإذا كان الله تعالى قد كرّم الإنسان ورفع شأنه وسخر الكون له وحدد أجله وضمن رزقه؛ فإن هذا الإنسان لا ينبغي أن يذل نفسه لأحد، بل يكون صاحب همة وعزة وكرامة، وفي هذا قال الإمام الشافعي رحمه الله:
أَنا إِن عِشتُ لَستُ أَعدَمُ قوتاً... وَإِذا مُتُّ لَستُ أَعدَمُ قَبرا
هِمَّتي هِمَّةُ المُلوكِ وَنَفسي... نَفسُ حُرٍّ تَرى المَذَلَّةَ كُفرا.
فليس في الإسلام ما يدعو إلى الرضا بالحياة الدنيئة، بل فيه ما يدعو إلى بناء الحياة الحقيقية المصانة بالكرامة الإنسانية.
سادسا: دعا الإسلام إلى حفظ حياة غير المسلم ما دام مسالما
***************
فقد وضع الحق سبحانه وتعالى دستورا يحمي حق الحياة لغير المسلمين فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 8-9] ودعا الحق سبحانه وتعالى إلى تأمين من يطلب الأمان، فقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6] وقال أيضا: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 61]
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل غير المسلم ما دام مسالما، فقال: "مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يُرح رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مسيرة أربعين عاماً". [البخاري]
ولم يكتف الرسول صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى حفظ حياة غير المسلمين؛ وإنما دعا إلى توفير الحياة الكريمة لهم، وعدم ترويعهم أو أذيتهم، فقال عليه الصلاة والسلام: "ألا من ظَلمَ معاهَدًا أوِ انتقصَه أو كلَّفَه فوقَ طاقتِه أو أخذَ منهُ شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ فأنا خَصمهُ يومَ القيامةِ" [أبو داود] وقال عليه الصلاة والسلام: "من آذى ذميا فقد آذاني". وفي هذا تأكيد على حرمة أذية المسالمين من غير المسلمين من أجل حفظ حقهم في إقامة الحياة الكريمة.
سابعا: لم يكتف الإسلام بالتأكيد على حفظ حق الحياة للإنسان وحده؛ بل دعا إلى حفظ حياة الحيوانات المسالمة أيضا، وأكد أن المساهمة في حفظ حياتها له ثواب عند الله وأجر عظيم
*************
فعَنْ أبي هُريرةَ رضي اللهُ عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «بينما رجلٌ يمشي بطريقٍ اشتدَّ عليه العطشُ، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشَرِبَ، ثم خرج فإذا كلبٌ يلهثُ، يأكلُ الثَّرَى من العَطشِ، فقال الرَّجلُ: لقد بلَغَ هذا الكلبُ من العطشِ مثلَ الذي كان قد بلَغَ منِّي، فنزل البئرَ فملأ خُفَّه ماءً، ثم أمْسكَه بفِيه، حتَّى رَقَى فسَقَى الكلبَ، فشَكَرَ له، فغَفَرَ له» قالوا: يا رسولَ اللهِ إنَّ لنا في البهائمِ أجرًا؟ فقال: «في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ». متفق عليه. ففي الحديث تأكيد على الأجر العظيم والثواب الجزيل لمن حرص على حفظ حياة الحيوان. وفي مقابل ذلك حذّر الإسلام من أذية الحيوان، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض". [متفق عليه] فإذا كانت هذه هي القاعدة الإسلامية في حفظ حق الحياة للإنسان والحيوان؛ فإن الدساتير والقوانين الدولية الحديثة قد أقرت حق كل مواطن في إقامة الحياة الكريمة وحفظها وحمايتها من التهديد. ولهذا فإن من خرج على هذه القواعد والقوانين وهدد حياة الناس بالقتل أو قتل الأبرياء بغير حق فإنه مجرم وآثم أمام الشرع والقانون.
نسأل الله تعالى أن يحفظ مصر وأهلها وأن يجعلها في أمانه وضمانه واحة للأمن والأمان والاستقرار .
اترك تعليق