العمل‭ ‬الذى‭ ‬ننتظره‭.. ‬بطولة‭ ‬‮٠٤‬‭ ‬مليونًا‭ ‬عن‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭..‬ ‮«‬فن‭ ‬الانتصار‮»‬‭.. ‬بدأ‭ ‬عام‭ ‬‮«٧٦»‬

بعد نصف قرن من العبور العظيم ما تزال حكايات النصر لم تكشف بعد.. ولم نقدم منها إلا أقل القليل.. وإذا كانت الفنون كلها تسابقت لكى ترصد الحدث الأبرز فى تاريخنا الحديث.


. بالأغنية والفيلم والمسلسل والمسرحية والكتاب.. لكنها ما تزال لم تقترب من البطل الأول فى هذه الحرب وهو المواطن المصرى البسيط أو قل الـ ٠٤ مليون نسمة تعداد البلد تقريبا فى هذا الوقت.. الذى تحمل المعاناة.. أولاده وآبائه فى الخدمة العسكرية وأغلب موارد الدولة تذهب إلى المجهود الحربي.. وهو بمرتبه.. البسيط يساهم فيها بأقصى ما يملك.. يفعلها عن طيب خاطر وبنفس راضية واثقة فى نصر الله.. يتجاوز لحظات إحباط ما بعد نكسة ٧٦.. بالصبر والعرق والشغل.

الشعب هو البطل الغائب الذى لم تقف أمامه الفنون بما يليق بعظمته وبطولاته.. وكيف كانت أمهات البيوت يتجاوزن مصاعب الحصول على المواد الغذائية باختراع أكلات بديلة.. تلتف حولها الأسرة راضية مرضية ومنها وفيها من يمثلها على جبهة القتال وهى تنتظر عودته رافعا رايات النصر.. وهو ما تحقق بعد ٦ سنوات ما أصعبها وما أجملها.. وقد كشفت أنبل وأجمد ما فينا كشغب.. لا تعرف أصالة معدنه.. إلا فى الشدائد والأحوال الاستثنائية.. وقد رأيت بعينى وعشت ساعات ضرب مصنع الحديد فى أبى زعبل ومعسكر القوات الجوية القريب منها عام ٩٦٩١.. وكيف كان الناس ينقلون صناديق الذخائر فى أحضانهم بعيدا عن النيران ويساعدون المصاب.. ويحملون الشهداء.. فى ملحمة لا يمكن لكاتب مهما كانت قدراته أن يرصدها.. حتى تم اكتمال حائط الدفاع الجوي.. وقطع دابر الطيران الإسرائيلى أن يقترب من داخلنا فى وقت كانت فيه قوات الصاعقة تقوم بعملياتها خلف خطوط العدو.

نصر أكتوبر بدأ بعد أسابيع من نكسة ٧٦.. وأرجعوا إلى ما جرى فى جزيرة شدوان وضرب المدمرة إيلات.. وفى نفس الوقت أخذت أم كلثوم على عاتقها جمع المال للمجهود الحربى وانطلقت فى رحلاتها الداخلية والخارجية وهى تغنى من أشعار نزار قبانى «أصبح عندى الآن بندقية».. وكان جمال عبدالناصر يقولها على الملأ «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة» وهو ما كان.

وغنى عبدالحليم فى تلك الأيام للشاعر الكبير محسن الخياط ابن جريدة الجمهورية: لفى البلاد يا صبية بلد بلد.. نادى الولاد يا صبية ولد ولد وهو أيضا من قال: سكت الكلام والبندقية اتكلمت والنار وطلقات البارود شدت على ايدين الجنود وابتسمت.. واحنا جنودك يا بلدنا وحبنا.. ماشيين على طول الطريق اللى رسمناه كلنا.. جيت لك وأنا ضامم جراح الأمس.. حالف ارجعلك عيون الشمس يا بلدي».

العصفور يتنبأ

وعندما قدم يوسف شاهين فيلم «العصفور» الذى يحكى عن فترة ما بعد حرب ٧٦.. كلف الشاعرة نبيلة قنديل بكتابة أغنية لحنها زوجها الموسيقار على إسماعيل مؤلف الموسيقى التصويرية للفيلم عام ٢٧٩١.. وتقول كلماتها: رايحين ماشيين.. شايلين فى ايدنا سلاح.. باسمك يا بلدى قبلنا التحدي.. راجعين شايلين رايات النصر.

وكانت هى أغنية النصر فعلا.. فقد أخذها يوسف شاهين وذهب إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون وقابل الإعلامى الكبير وجدى الحكيم وكانت من أوائل أغانى العبور مع ما قدمه عبدالرحيم منصور وبليغ حمدى بعد ساعات من العبور وانهيار خط بارليف ووقفت وردة تقول: وأنا على الربابة باغنى وقبلها كانت أصوات المجموعة تنشد: بسم الله الله أكبر.. ونظرا لظروف الحرب.. أشرك بليغ بعض الموظفين ومهندس الاستديو فى الكورال.. لكى تخرج الأغانى للنور فى التو واللحظة وتعيش إلى يومنا هذا بصدقها الخالص.. وعند الدقائق الأولى من الحرب واجتياز أبطالنا الساتر المنيع وضرب العدو بمفاجأة أذهلته وشلت يده.. ولم يجدوا فى مكتبة الإذاعة أفضل من أغنية محمد فوزى بلدى أحببتك يا بلدى وهى أيضا من كلمات محسن الخياط.. وكانت تجسد روح أكتوبر الواثقة المشحونة بالعاطفة بعيدا عن الانفعال والافتعال.

رصاصة ياسين

الأفلام التى ركزت فى موضوعاتها على فترة حرب أكتوبر وما سبقها من استعدادات وتدريبات.. اتخذت لنفسها غالبا نفس المسار قصة حب.. مرتبطة بقصة البلد من خلال جندى أو ضابط يشارك فى المعركة وانعكاس آثار ذلك على حياته الخاصة والعسكرية يتشابه فى ذلك «الرصاصة لا تزال فى جيبي» لإحسان عبدالقدوس.. و»حتى آخر العمر» ليوسف السباعى وهو أيضا صاحب قصة «العمر لحظة» الذى أنتجته ولعبت بطولته ماجدة مع أحمد مظهر وأحمد زكى وناهد شريف.. يضاف إلى ذلك «الوفاء الغظيم» لفيصل ندا أو «بدور» للمخرج نادر جلال وهو صاحب القصة لكن هناك ما يشبه الاجتماع على أن أفضل أفلام أكتوبر «أبناء الصمت» و»أغنية على الممر» وهما يتحدثان عن فكرة حرب الاستنزاف وإن جرى تقديمهما بعد 1973 وأنه أضيف إليهما فيلم «الطريق إلى إيلات» للكاتب فايز غالى لأنه رصد قصة ضرب ميناء إيلات بتفاصيل شديدة الدقة قدمتها المخرجة إنعام محمد على وهى المشهورة بصغائر الأمور فى أعمالها.. ولها من أفلام أكتوبر أيضاً «حكايات الغريب» ولولا أنه من إنتاج التليفزيون لدخل فى المنافسة على المراكز الأولى فى أفلام أكتوبر.. فقد كتبه الأديب الكبير جمال الغيطانى الذى عمل كمراسل حربى فى تلك الفترة وعاشها وبالتالى رسمها عن قرب بأسلوبه الفنى الرفيع.

وبذلك يحق للمخرجة إنعام محمد على أن تفخر بأنها أكبر منافس للمخرج على عبدالخالق.. بالفيلمين اللذين قدمتهما باحترافية عالية وتميز فى الكتابة والتمثيل والإخراج واختيار الموسيقى وأماكن التصوير مع العلم أن قطاع الإنتاج كان يقدم الأفلام السينمائية ويعرضها فى دور السينما مع عرضها على الشاشة.. تحت إدارة شهبندر الإنتاج المرحوم ممدوح الليثى وقد فعل هذا معى فى فيلم لصوص خمس نجوم الذى كتبت له السيناريو وأخرجه الكبير أشرف فهمى وأقام حفلاً لافتتاحه فى سينما كايرو.. وكان «الطريق إلى إيلات» أكثر حظاً فى الاحتفال به وعرضه سينمائياً.. بعكس ما جرى مع «حكايات الغريب» الذى كتبه المبدع محمد حلمى هلال عن قصة الغيطانى وقد استوحاها من سائق فى جريدة الأخيار استشهد وهو يؤدى عمله.. ويقوم بتوصيل المحرر العسكرى إلى الجبهة.. وجرى البحث عنه فى كل مكان.. وظلت عملية البحث مستمرة طوال ست سنوات والناس فى كل مكان تؤكد وجوده هنا وهناك.. حتى تحقق النصر وفى ذلك من الرمز ما يعنى الكثير وتلك هى حرفية الغيطانى وصنعته الإبداعية فى تحويل حدث بسيط إلى قصة تقول الكثير وهو ما دفع إنعام محمد على لكى تخرج العمل.. لكى يتصدر أعمال أكتوبر رغم عدم إذاعته كما يجب قياساً بفيلمها الآخر «الطريق إلى إيلات» والغريب لا يقل عنه جمال.

من الثعلب إلى الحفار

لا يمكن تجاهل أفلام المخابرات والجاسوسية فهى بكل المقاييس حربية لأن المعلومة التى يقدمها العميل السرى هى أساس الخطط.. ومسلسلات وأفلام: رأفت الهجان، دموع فى عيون وقحة، الحفار، الثعلب، فخ الجواسيس، الصعود إلى الهاوية، السقوط فى بئر السبع، إعدام ميت، الزئبق، هجمة مرتدة وغيرها.. وهى بشكل أو بآخر ترصد بطولات ساهمت فى النصر العظيم.. وقصة أشرف مروان تدخل تحت هذا العنوان لكن البطولة الكبرى التى لم تقدمها فى الروايات والمسرحيات.. والأفلام والمسلسلات.. تلك التى ننتظرها وهى قصة هذا الشعب العظيم الذى يعشق تراب بلده ويتحمل الكثير قبل الحرب فى ذروة اشتعالها ثم بعدها.. وهو يعرف أنها تستحق منا الغالى والنفيس.





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق