ونحن نحتفل بالانتصار العظيم الذى تحقق فى 6 أكتوبر بدماء وعرق جنودنا البواسل من أبطال القوات المسلحة الذين سطروا ملاحم بطولية أبهرت العالم وحررت الأرض وأعادت للعسكرية المصرية كرامتها وهيبتها كان هناك ملحمة بطولية أخرى على التوازى يسطرها الجيش الأبيض من أطباء مصر وممرضيها يحققون النصر تلو الاخر بانقاذ أرواح الجنود المصابين ومداواة الجرحى وبث روح التحدى لمواصلة القتال يتحركون تحت النيران دون أن تخيفهم أصوات المدافع والقنابل.
وفى إطار الاستعداد لحرب التحرير كان من الضرورى اخلاء المستشفيات الكبرى المدنية تحسباً للطوارئ خاصة فى منطقة الدلتا والقاهرة تمهيداً لنقل المصابين إليها عند بدء العمليات دون أن يعكس ذلك الاستعداد للحرب لذلك وضعت المخابرات خطة خداع استراتيجى يمكن وصفها بالسرية العلنية فى نفس الوقت وبشكل لم يكن معروفاً من قبل بدأت الخطة بتسريح ضابط طبيب من الخدمة وأعيد للحياة المدنية ثم عين بمستشفى الدمرداش وبعد تسلمه العمل أعلن عن اكتشاف تلوث المستشفى بميكروب التيتانوس فاسرع بإخلائها من المرضى لاجراء عمليات التطهير وفى اليوم التالى نشرت الصحف الخبر معربة عن مخاوفها من أن يكون التلوث قد وصل إلى مستشفيات أخرى وبالفعل صدر قرار باجراء تفتيش على باقى المستشفيات وظلت الصحافة تهاجم وزارة الصحة لمدة 3 أشهر وتطالب باستقالة الوزير بعد أن تفشى التيتانوس فى عدد من المستشفيات وكانت الصحافة الإسرائيلية أيضاً تسخر من الأمر ولم يأت أول أكتوبر حتى كان العدد المطلوب من المستشفيات قد تم إخلاؤه وأصبحت جاهزة لاستقبال مصابى حرب أكتوبر.
وبالإضافة إلى جهود وبطولات أطباء وجهاز الخدمات الطبية بالقوات المسلحة فى ميدان المعركة كان هناك انقاذ المصابين لمدد تصل إلى 24 ساعة على مدار 17 يوماً دون الاهتمام بأماكن النوم أو الأكل وغيره وكان هناك انجاز فى طريقة إخلاء مستشفيات القاهرة وأقل من ساعة إلى مستشفيات الدلتا وهذا انجاز فى ظل حرب ضارية يشترك فيها جميع الأسلحة ومع اليوم الثالث لمعركة حرب أكتوبر عندما قام العدو بهجومه المضاد وتصدى له جنودنا البواسل وأفشلوه بدأت أعداد المصابين فى الزيادة.
بطولات الأطباء والممرضات
وهناك قصص عظيمة لكفاح الأطباء والممرضات والفنيين الذين كانوا يعملون تحت القصف المستمر وطوال 24 ساعة فى مستشفى السويس الميدانى الذى كان يوجد به 20 طبيباً و78 ممرضة يداوون جروح المرضى من الجنود والمدنيين وعلاجهم بكل حماس وحب للعمل وكان لهم دور عظيم فى شفاء الكثير رغم المعاناة من ندرة المياه فى تلك الظروف القاسية فكانوا يقومون بتقسيم جيركن مياه على عدد ضخم من العاملين فى المستشفى وكان كل فرد يأخذ 500 سم مياه فقط طوال اليوم ولم يخرجوا من المستشفى طوال 3 أشهر كاملة وفى بعض الأوقات كانوا ينسون الطعام والشراب بسبب إنشغالهم فى علاج المرضي.
ونفس الأمر تكرر فى مستشفى الزقازيق العام، حيث ظلت أطقم الأطباء والتمريض تعمل وقت الحرب لمدة 3 أشهر دون إجازات وعلى مدار 24 ساعة كل يوم.
وظل أطباء مصر بجوار الجنود والمقاتلين يتحركون أسفل النيران سلاحهم الدواء يحاولون به إنقاذ مصابى الحرب من جنودنا الأبطال حتى سقط منهم 17 طبيباً شهيداً وثقت النقابة العامة للأطباء أسماءهم بلوحة شرف داخل مقرها تكريماً لما قدموه فى معركة النصر والكرامة للدفاع واستعادة جزء غال من أرض مصر وهؤلاء الأبطال هم:
الدكتور لويس عجايبى - الدكتور عادل إبراهيم أبوسنة - الدكتور رشاد مرزوق تادروس - الدكتور فتحى المتولى حلاوة - الدكتور حسين صبرى أحمد - الدكتور كمال لبيب شنودة - الدكتور سمير وهبه كرلس - الدكتور شريف رمزى عباس - الدكتور نبيل فهمى - الدكتور مجدى زكى مسعود - الدكتور صفوت زارع محروس - الدكتور السيد محمد حسين قاسم - الدكتور حسن حافظ أحمد شيبوب - الدكتور حسن محمد مصطفى رشدى - الدكتور نبيل عبدالحميد الحمامى - الدكتور محمد أيوب حسين - الدكتور رضا فؤاد غالي.
كما أوفدت وزارة الصحة أكبر فوج من البعثات الطبية إلى منطقة قناة السويس لدعم العمل بمستشفيات بورسعيد والإسماعيلية والسويس تضم البعثة عدداً كبيراً من الأطباء والممرضين والممرضات مزودين بالمعدات الطبية وكميات وافرة من الدم والبلازما وأفلام الأشعة وصفهم وزير الصحة وقتها بأنهم يعتبرون جبهة من الجيش الشعبى الممثل للقطاع الصحي.
ابتكارات طبية
كانت المعركة قد فجرت طاقات هائلة فى أعماق هذا الشعب العملاق، ففى خلال 48 ساعة فقط قام العاملون بالورش المركزية بوزارة الصحة بإعداد الجبائر للمصابين واستخدموا فى صنعها الصناديق والأخشاب الموجودة بالمخازن ولم تتكلف الدولة شيئاً وفى نفس الوقت قامت الورش بإعداد خمسين موتوسيكلاً كعربات إسعاف للطوارئ مع وحدات جراحية متنقلة.
أما العاملون بشركة العبوات الدوائية، فقد أمكنهم من خلال عمل متواصل لمدة 24 ساعة يومياً من إنجازات ضخمة من بينها عمل الأنابيب الحنجرية وأنابيب التخدير وسماعات الأطباء الشفط والأوكسجين التى يتم تصنيعها لأول مرة فى مصر وقام العاملون بأقسام البلاستيك بمصانع العبوات الدوائية بإنتاج صينية إفطار خاصة للمرضى مزودة بالأطباق والملاعق والسكاكين والأكواب البلاستيكية.
وتم تشكيل وحدات من طلبة كليات الطب للمعاونة فى أعمال المستشفيات والمرور اليومى لحصر احتياجات كل مستشفى ونقل التموين الطبى إليها فوراً مع تزويد الطلبة بكافة وسائل النقل وفى نفس الوقت تم تشكيل لجان فرز خاصة بالمعونات الطبية التى تتلقاها مصر من كل أنحاء العالم وتوزيعها طبقاً لاحتياجات الطوائ ومندوبين من شركات الأدوية لمراجعة موقف الدواء مرة كل أسبوع وكذلك المرور على الصيدليات الخاصة لمعرفة الاحتياجات الجماهيرية ولجان أخرى للمرور على صيدليات المستشفيات لتلافى الاختناقات وحلها وتشكيل لجنة لاستخدام النوادى الرياضية المختلفة كأماكن للنقاهة للجرحى وتقوم وزارة الصحة بإعدادها من الناحية الفنية ويقوم أعضاؤها بالعمل الاجتماعي.
كما تم تخصيص مستشفى المعلمين بالقاهرة لحالات الطوارئ ووضع تحت تصرف اللجنة العليا للمعركة مع تزويده بالمعدات والأدوية وماكينات الإنارة وتوصيلات المياه الجوفية لتكامل المستشفى فى حالة الظروف الطارئة وتقرر تحويل مدرسة إعدادية وأخرى ابتدائية فى كل محافظة إلى مستشفى للطوارئ وقام وزير الصحة فى ذلك الوقت الدكتور محمود محفوظ بتفقد العمل فى أقسام الطوارئ فى مستشفيات الساحل والمنيرة ومركز إسعاف القاهرة.
المسئولون وسط الأبطال
كما قامت جيهان السادات حرم رئيس الجمهورية رئيس شرف الهلال الأحمر والدكتورة عائشة راتب وزيرة الشئون الاجتماعية بعقد اجتماع مع عضوات الاتحاد لبحث دور ومسئوليات كل لجان الجمعيات فى ضوء وظروف الحرب كما قامت على رأس بعثة الهلال الأحمر بزيارة جرحى المسشتفيات العسكرية المتقدمة واطمأنت على رعاية الجرحى من الجنود رعاية كاملة والتقت بجنودنا الأبطال فى المستشفيات خاصة مستشفى القبة العسكرى ونقلت لهم تحيات الرئيس السادات وقدمت لهم هدايا عينية ولمست روحهم المعنوية المرتفعة وكانت مطالبهم تنحصر فى العودة إلى ميدان القتال وتم تزويد العنابر بجهاز تليفزيون وراديو ليتسنى لجنودنا متابعة أنباء المعارك.
ناشدت الدكتورة زينب السبكى مديرة بنك الدم وقتها الشعب بالتبرع بالدم نظراً لظروف المعركة التى تقودها قواتنا الظافرة وتنظيماً لهذه العملية يتوجه المتبرعون بالدم إلى مراكز نقل الدم بالعجوزة أو مركز نقل الدم بالقصر العينى أو مستشفى الدمرداش أو بجمعية الهلال الأحمر.
التبرع بالدم
وقررت نقابة الصحفيين تنظيم حملة للتبرع بالدم من بين أعضائها لصالح المعركة وتوفير النقابة الأجهزة الطبية والمتخصصين كما نظمت النقابات المهنية مراكز للتبرع بالدم مثل نقابة المحامين والمعلمين والزراعيين والتجاريين والمهندسين كما تبرع أعضاء مجلس الشعب والعاملين بالمجلس فى المركز الطبى للإسعاف بالمجلس وقام نصف مليون عامل فى الشركات والمصانع بأكبر حملة منظمة للتبرع وكذلك تلقى نادى القضاة اسماء المتبرعين من رجال القضاء وتوافز المصريون بالخارج على السفارات للتبرع بالدم لصالح معركة التحرير وطالب الأطباء المصريون والعرب نقلهم إلى جبهة القتال كما تدفقت جموع المواطنين على مراكز التبرع بالدم التى لجأت الى قوائم الانتظار بعد أن امتلأت أوعية الدم مما دعا وزير الصحة وقتها إلى مناشدة المواطنين لتنظيم عملية الاقبال على التبرع بالدم بتسجيل اسمائهم وعناوينهم لاستدعائهم عند الضرورة.
وحدد وزير الصحة 15 مستشفى بالقاهرة والجيزة لتلقى تبرعات طلبة الجامعات بالدم لخدمة المعركة فى القاهرة مستشفيات الجلاء والهلال الأحمر وبولاق العام والدمرداش وقصر العينى وحلوان وأحمد ماهر ودار الشفاء والساحل والليسيه بباب اللوق وفى الجيزة مستشفى العجوزة وجامعة القاهرة وأم المصريين وإمبابة ومعهد القلب.
وتلقى مستشفى الهلال الأحمر المصرى 37 ألف زجاجة دم قدمها الصليب الأحمر الدولى لمصر وتسلم الدكتور محمود محفوظ وزير الصحة وقتها من سفير ألمانيا الديمقراطية بالقاهرة سيارة إسعاف كبيرة كاملة المعدات مهداة إلى الشعب المصرى تأييداً لنضاله فى تحرير أرضه وقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة مساعدات طبية تشمل 25 طبيباً وكميات من الدم والمساعدات الطبية وغرف عمليات جراحية وتشتمل القافلة على مستشفى 90 سريراً هو الأول من نوعه فى الشرق الأوسط مزود بالأدوية والكيماويات وقطع الغيار لتشغيله.
واستقبل وزير الصحة سفراء ألمانيا الديمقراطية وبولندا وتشيكوسلوفاكيا التى قدمت دعماً طبياً لمصر وكذلك سفراء السودان والمجر ورومانيا وبلغاريا وصرح الوزير بأن هناك 14 دولة عربية وآسيوية وأوروبية قد قدمت مساعدات طبية مختلفة لمصر.
كما وجد جنود وجرحى العدو فى المستشفيات المصرية أحسن رعاية طبية وأفضل معاملة إنسانية رغم الجرائم التى ارتكبوها فى حق المدنيين والأطفال فى مدرسة بحر البقر الابتدائية ومصنع الحديد والصلب بأبو زعبل وسكان مدن القناة.
المستشفيات جنان رحمة
وهكذا لم تكن الجهود المبذولة مقتصرة على الجنود في ميدان القتال بل شارك كل مصرى في الحرب كل حسب وظيفته والمساحة المتاحة له وعلى رأسها بالطبع الطاقم الطبى الذي بذل جهودا كبيرة في تضميد الجراح وإنقاذ المصابين حتى ان طلاب كليات الطب الذين لا يمتلكون خبرة إكلينيكية كافية لأنهم لم يمارسوا المهنة في المستشفيات ذهبوا إلى المستشفيات التى تستقبل المصابين وكانت المساعدة مقتصرة على تغيير الأسرة وتنظيف الأرض ونقل بعض الأشياء من مكان لآخر ورغم بساطة المسؤوليات فإنه كان يصاحبها إحساس كبير بأهمية المشاركة في هذا اليوم
فى الأيام الأولى كانت عنابر المستشفيات فارغة تقريبا ومع بداية اليوم الثامن والتاسع من أكتوبر بدأ المستشفيات في استقبال الجنود المصابين من شراسة المعارك وكان الجميع سعيد بسماع رواياتهم عن الحرب وما حدث ورغم كثرة وشدة الجروح التي تعرض لها الجنود إلا أن شعور الندم لم يكن موجودا بين المصابين وكانوا فخورين بما بذلوه ويتمنون العودة إلى ميدان القتال فى أسرع وقت
وكان الشعور بالفخر بالتكاتف العربى واضاحا عندما أستقبلت المستشفيات جنودا مصابين من الدول العربية خاصة الجزائر شاركوا بشجاعة فى المعارك الضارية
فكل إنقاذ جندى نصر جديد فقد تحولت مستشفيات الجيش ومراكز الطب فى مصر كلها في حرب أكتوبر إلى جنان رحمة تنقذ الجنود وتبث فيهم الروح من جديد لمواصلة القتال من أجل الوطن الجيش الأبيض في كل معركة هو بطل في ميدان الحياة والموت ينتشل رصاصات الغدر ويداوي بروحه المقاتلين في سنوات طويلة مرت وما زالت ذكريات حرب أكتوبر حاضرة فى وجدان كل من عاشها وشارك فيها
اترك تعليق