ستظل ذكرى معركة الكرامة محفورة فى القلوب
وتتناقلها الأجيال لأنها ذكرى من نوع خاص تجلت فيها الإرادة المصرية والعزيمة الحديدية للجندى المصرى التى لا تقهر والممزوجة بالإيمان القوى الذى لا يتزعزع عن تضحيات وبطولات على أرض سيناء الطاهرة روتها دماء جنودنا البواسل وسطروا قصصا تشيب عند سماعها القلوب وتذوب المشاعر لنسترد الارض وننعم بالأمن والسلام .
عبقرية الجندى المصرى ظهرت ايضا فى تحطيم أسطورة خط بارليف المنيع الذى ازاله الجنود وعبروا فى ملحمة رائعة أظهرت ضعف العدو أمام العبقرية المصرية ومفاجأة العدو فى تخطيط استراتيجى غير مسبوق ، ونحن نحاول من خلال تلك السطور أن نقدم نماذج من هذه البطولات لنعيش لحظات النصر واستعادة الأرض مع أبطال حرب أكتوبر.
مازال التاريخ العسكرى فى مختلف دول العالم يضع معركة كبريت كأحد النماذج فى العبقرية العسكرية فى التضحية بلا حدود ، حيث لم تشهد معركة ظروفاً حوصرت فيها قوة عسكرية مثل التى حدثت فى كبريت، حيث قاوم 450 مقاتلاً مصرياً تواجدوا فى موقع لا تزيد مساحته عن كيلو متر مربع فى ظروف بالغة القسوة وانقطاع الإمدادات الحيوية لمدة 134 يوما، ولم يستسلم مقاتل واحد رغم الواقع القاسى والجوع والظمأ وظروف الحصار ، وشهدت ملحمة كبريت أكبر ما يمكن أن نتصوره من معانى التضحية والصمود من أبطال سطروا واحدة من أقوى وأشرس المعارك العسكرية فى التاريخ البشرى والتى انتهت بفشل العدوالصهيونى فى استرداد النقطة الحصينة فى كبريت .
أكد اللواء محمد نور الدين أحد أبطال ملحمة كبريت والذى قام بتحلية المياه المالحة خلال فترة الحصار قدرة الشعب المصرى على تحقيق المعجزات، مشيرا إلى أن حرب أكتوبر المجيدة ستبقى ذكرى خالدة أبد الدهر فى قلوبنا وعقولنا، لأنها تبين انتصار إرادة الشعب المصرى عندما يقرر ويريد أن يفعل شيئا فيحققه، بشرط أن تعطيه الفرصة الصحيحة بشكل كامل، وبعدها سترى قدرة هذا الشعب العجيبة على فعل المستحيل.
«بناء الكبارى»
يقول «نور الدين» انه انضم إلى اللواء 130 مشاة برتبة ملازم وهو اللواء الوحيد المشاة أسطول فى مصر ويعد سلاح بر مائى وكل المنضمين إليه من سلاح الصاعقة أو من أسلحة مختلفة ولكنهم نالوا دورة الصاعقة، وكانت مهام هذا اللواء المنقسم إلى كتبيتين وهما كتيبة 603 وكتيبة 602 وعدده 2000 مقاتل، هو الوصول إلى ممر دجلة وممر الجدى عبر المدرعات البر مائية لصد احتياطيات العدو بعد عبور خط برليف، لتعطيل الجيش الإسرائيلى الذى يتمركز وراء الممرين، لحين وصول الجيش المصرى لكسب الوقت فى بناء الكبارى العسكرية التى أنشئت فى 6 ساعات، وبالفعل تمكنت الكتيبتان من تأدية المهمة بنجاح.
«صد الهجمات»
واضاف «نور الدين» انه بعد انتهاء المهمة واحنا راجعين جاءت الاوامر بأن هناك نقطة للعدو عند منطقة كبريت ما سقطتش كان يوم 8 أكتوبر، والحمدلله حاصرناها واستولينا عليها ودخلنا النقطة ورفعنا علم مصر عليها وأخذنا عشرات الأسرى والباقى هربوا من الخوف و تمركزنا فى النقطة وأقمنا عدة كمائن، ولكن فى يوم 17 أكتوبر فوجئت الكتيبة بالطيران الإسرائيلى يقصف النقطة بكثافة وشدة فى النهار وفى الليل كانت تحاول دبابات العدو اقتحام النقطة ولكن تمكن الجنود المصريون من صد الهجمات بقوة عبر الأسلحة الخفيفة والثقيلة.
«الطيران الاسرائيلى»
اشار الى انه مع بدء محادثات الكيلو 101 التى كان يقودها المشير الجمسى حوصرت الكتيبة من كل جهة بعد وقوع الثغرة ودخول القوات الإسرائيلية إلى السويس، ولم تكن الكتيبة قادرة على التواصل مع الجيش الثالث بعد ضرب أجهزة اللاسلكى ولكن كان يوجد خط واحد للتواصل مع قائد الكتيبة المقدم الشهيد ابراهيم عبد التواب ، وطلب الجانب الاسرائيلى من قيادة الجيش المصرى تسليم المقاتلين المحاصرين بنقطة كبريت أسلحتهم حتى يتم فك الحصار، ورفضت الكتيبة تسليم السلاح وترك المجندين الشهداء، فى تحد أذهل المحتل حتى تمكنت إحدى دوريات الكتيبة المكونة من فردين، من الوصول إلى الجيش الثالث ومقابلة المشير أحمد بدوى قائد الفرقة السابعة وطلبوا منه إخلاء الجرحى الذين كان عددهم وقتها حوالى 42 جريحا، وحين عادت الدورية فرحت الكتيبة وتسلم قائدها جهاز لاسلكى للتواصل من القيادات العسكرية، وتم تجهيز دورية لتسلم الجرحى لتسليمهم للجيش الثالث، وفى طريق العودة دمر الطيران الإسرائيلى الطريق البرى الوحيد الذى يربط بين الكتيبة والجيش الثالث.
«أصعب اللحظات»
وقال اللواء محمد نور الدين ان عبقرية الجندى المصرى تظهر وقت الازمات وهو ما دفعنا إلى صنع زوارق لتربطه بالجيش الثالث، وكان المطلب الأساسى هو الذخيرة وليس الطعام، لاشتباك القوات بشكل يومى مع العدو، وكانت كمية الطعام التى كان يتناولها الجنود قليلة جدًا رغم صومهم فى رمضان إلا أنهم كان همهم القتال، وكان من أصعب اللحظات التى مرت على الكتيبة هى نفاد المياه وعدم وجود أى وسيلة للشرب، حتى جاءت له فكرة تقطير مياه البحر التى تدرس الآن فى كافة الكليات العسكرية بالعالم لكونها أول ماكينة لتقطير المياه فى تاريخ الحروب، وبدأت فى اجراء تجارب حتى استطعت فى النهاية تبخير المياه المالحة وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب.
«استقبال الفاتحين»
واشار الى انه بعد انتهاء الحصار ووصول الجيش المصرى بقيادة الفريق محمد بدوى، تم إجلاء الكتيبة تمهيدًا إلى عودتها إلى مقرها الأساسى بالاسكندرية، وخلال سيرهم بالسويس اطلق المجندون طلقات نارية تحية لصمود الكتيبة أثناء المعركة الجليلة، وحين وصلت الكتيبة إلى الاسكندرية توافد المواطنون إلى المحطة وحملوهم على أكتافهم ورفعوا سيارتهم الجيب من على الطريق من شدة الفرحة والفخر بهم كاستقبال الفاتحين.
الرائد سمير نوح أحد أبطال المجموعة 39 قتال:
موشيه دايان وصفنا بـ«الأشباح».. وأسرنا أول جندى إسرائيلى
انتقمنا لاغتيال
«عبد المنعم رياض»
بتدمير الموقع وقتل 44 جندياً وضابطاً إسرائيلياً
عرفت عنه شجاعته وبطولاته الفذة فهو نوعية خاصة جدا من الرجال بطل فوق العادة أحب وطنه وتفانى فى خدمته ووهب حياته لتحرير ترابه وامن ان جهاده لتحرير وطنه هو جهاد فى سبيل الله وكان هذا هو بداية الطريق هو واحد من اشجع المقاتلين فى فترة حرب الاستنزاف واكتوبر الرائد سمير نوح الذى كان ضمن المجموعة 39 والتى ضمت خيرة مقاتلى الصاعقة والضفادع البشرية فى 73.
قال الرائد سمير نوح احد افراد المجموعة 39 قتال إن القوات المسلحة بدأت إعادة ترتيب الصفوف والاستعداد لمعركة تحرير الوطن واستعادة السيادة الكاملة على أراضيها عقب نكسة 1967 ، والمجموعة كان لها دور كبير أثناء حروب الاستنزاف واكتوبر ، وأطلق عليها موشيه ديان وزير الدفاع الإسرائيلى وقتها اسم «الأشباح» لأنهم لا يتركون أى أثر لهم بعد انتهاء أى عملية ، حيث قمنا بتنفيذ 92 عملية شاركت فى 35 عملية منهم ، وكنت الأول فى السباحة، وكنا نعبر فى النيل بالسلاح وبكامل معداتنا ضد التيار والمياه العذبة وهى أثقل من المياه المالحة ، وأول عملية شاركت بها ضمن مجموعة الضفادع البشرية فى 4 يوليو 1967، وفجرنا أكثر من مليون صندوق ذخيرة ومعدات استولى عليها العدو أعقاب 5 يونيو، حتى لا يستخدم سلاحنا فى محاربتنا.
«جبل مريم»
ويرى «نوح» ان كمين جبل مريم من ابرز العمليات التى نفذتها المجموعة ، حيث رصدت قوات الاستطلاع دوريات راكبة مكونة من عدة عربات جيب تتعمد استفزاز قواتنا غرب القناة ، وتوجهت عناصر من المجموعة 39 قتال إلى هذه المنطقة لرصد عمليات الاستفزاز التى تقوم بها الدورية الاسرائيلية ، وقررت قيادة المجموعة التعرض لاحدى هذه الدوريات بعمل كمين لها فى منطقة جنوب جبل مريم ، وتم زرع ألغام على الطريق ، وإخفاء الأفراد بحفر وقائية ، حتى وصلت دورية العدو المكونة من عربتى جيب إلى منطقة الألغام التى أحسن إخفاءها بمهارة ، فانفجر أحد الألغام باحدى السيارتين وشل حركتها وتم التعامل معها بمختلف الأسلحة ، وقد أسفرت هذه العملية عن مقتل 6 من جنود العدو ، ، بالاضافة إلى أسر العريف يعقوب رونيه ، وطالب موشيه ديان وقتها بمحاكمة الفدائيين المصريين الذين عبروا و نفذوا العملية.
«مهمة مستحيلة»
وأضاف ان مهمة إحضار صاروخ كانت من أكثر المهام الصعبة التى شكلت بالنسبة لنا اختبارا لقدراتنا، فاستخدم الإسرائيليون مجموعة من الصواريخ لها مواصفات خاصة غير معروفة على المستوى الدولى، مما جعل المدربين الروس يطلبون منا مهمة مستحيلة تكمن فى احضار صاروخ لدراسته والتعرف على خواصه وإمكانياته فى محاولة لحصرها وإيقاف عملها ، وتم اختيار ملازم عبد المنعم غلوش من رجال الصاعقة البحرية ، وعند عبوره القناة كان التيار شديدًا وكشف الاستطلاع وقتها أنه حين سيعبر من تلك النقطة سيبتعدون عن الهدف بـ 3 كيلو من شدة التيار وفشلت فكرة الغطس ، وعبر عن طريق السباحة فوق المياه بمساعدة المعدات والتجهيزات الموجودة، وتم ربطة بأحد الحبال من وسطه فى بدلة الغطس حتى يتمكن من إحضار الصاروخ دون أن تؤثر فيه ملوحة المياه ، وبدلًا من أن يحضر صاروخاً واحداً أحضر 3 صواريخ، وأعطى الإشارة فى الجانب الآخر عن طريق تحريك الحبل وتم سحبه ، وهو ما ادهش الخبراء الروس وجعلهم فى حيرة من أمرهم امام الجبروت والإصرار المصرى ، وتم تحديد مدى الصاروخ ، وقمنا بعدها بإبعاد المواقع المستهدفة إلى 2 كم للوراء ، و تم عمل شباك بطول الضفة حتى توقف أى صاروخ يتم ضربه وينفجر فى تلك الشباك ، وبذلك لم يعد للصواريخ الإسرائيلية أى دور.
«لسان التمساح»
واشار الى ان عملية الانتقام والثأر للشهيد عبد المنعم رياض هى أحد أهم عملياتنا ، فبعد الغدر به وقتله أثناء تفقده للكتائب وأبنائه الضباط والجنود ، طلب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الثأر له ، وعبرنا قناة السويس حتى وصلنا إلى موقع القتال لسان التمساح ، الذى أطلق القذائف المباشرة على الشهيد عبد المنعم رياض، وقمنا بإلقاء العديد من القنابل المسيلة للدموع، وهجمنا عليهم فى الدوشمة وكانوا كلهم مختبئون فى الملاجئ، وكانت القنابل الهجومية تخنقهم فيفرون من المخابئ كالفئران ليخرجوا وتمطرهم نيران أسلحتنا وبعد أن قفزت فوق الخندق قمت باصطياد 30 عسكرياً وضابطا وكان معى 9 خزن ذخيرة كل خزنة بها 30 طلقة، يعنى 270 طلقة وخلصنا على كل جنود الدوشمة، بينما تمكن زملاؤنا فى الدوشم الأخرى من قتل 14 جنديا إسرائيليا فقط ، كما قامت المجموعة بتدمير دبابتين كانتا تحاولان دعم الموقع وكنا فرحين بعد نجاح العملية وحصرنا جثث الإسرائيليين، حيث تم القضاء على جنود هذا الموقع كاملاً ، ومازالت أسماؤنا مرصودة حتى الآن ومطلوبين أحياءً أو أمواتاً.
«رأس شراتيب»
ويرى نوح ان من اصعب المواقف التى مر بها فى المجموعة 39 قتال عندما قمنا بضرب مستودعات البترول برأس شراتيب يوم 14 أكتوبر 1973 فى اليوم التاسع للحرب ، حيث تحركت المجموعة من رأس غارب فى الثامنة والربع مساء حتى دخلنا إلى البر، وقام الجميع بالهجوم بالبنادق الآلية والرشاشات، وقذائف آر بى جيه بكثافة عالية على مستودعات البترول، ولكنها لم تنفجر، واتضح أن الخزانات الأمامية الموازية للبحر فارغة، ولكن عند ضرب باقى الخزانات بالداخل انفجرت واشتعلت النيران فيها، واشتبكنا معهم.
«دروس مستفادة»
قال الرائد سمير نوح انه فى ظل الظروف الدقيقة والحساسة التى يمر بها الوطن علينا ان نستلهم روح اكتوبر ، ونتحلى بروح الفريق الواحد التى سادت كل مراحل الاعداد للحرب واثناءها بين الجنود والقادة والتى كانت العامل الحاسم فى تجاوز الصعاب والعراقيل بأقل قدر من الخسائر ، لنستطيع مواجهة تحديات العصر بما يمكن مصر من تجاوز الصعوبات والتحديات الراهنة بذات العزيمة التى مكنتها من تحقيق نصر اكتوبر.
«الأوسمة والنياشين»
وحصل البطل على عدد من الأوسمة والأنواط والنياشين منها نوط الجمهورية العسكرى من الطبقة الثانية من الرئيس جمال عبد الناصر عام 68 عن عملية الكمين، ونوط الجمهورية العسكرى من الطبقه الاولى من الرئيس السادات فى 71 بعد زيارته للمجموعة، إلى جانب نوطيّ الشجاعة من الطبقة الأولى مرتين، فضلاً عن ميدالية الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة، ، وميدالية أكتوبر والعبور.
اترك تعليق