ستظل ذكرى معركة الكرامة محفورة فى القلوب وتتناقلها الأجيال لأنها ذكرى من نوع خاص تجلت فيها الإرادة المصرية والعزيمة الحديدية للجندى المصرى
التى لا تقهر والممزوجة بالإيمان القوى الذى لا يتزعزع عن تضحيات وبطولات على أرض سيناء الطاهرة روتها دماء جنودنا البواسل وسطروا قصصا تشيب عند سماعها القلوب وتذوب المشاعر لنسترد الارض وننعم بالأمن والسلام .
عبقرية الجندى المصرى ظهرت ايضا فى تحطيم أسطورة خط بارليف المنيع الذى ازاله الجنود وعبروا فى ملحمة رائعة أظهرت ضعف العدو أمام العبقرية المصرية ومفاجأة العدو فى تخطيط استراتيجى غير مسبوق ، ونحن نحاول من خلال تلك السطور أن نقدم نماذج من هذه البطولات لنعيش لحظات النصر واستعادة الأرض مع أبطال حرب أكتوبر.
**
شهادات الرجال عن أزمنة الجمر والبشارة
البطل عبدالمنعم واصل قائد الجيش الثالث
كان قائدا للجيش الثالث الميدانى أثناء عمليات أكتوبر 1973 قاد قواته إلى العبور والانتصار شارك جنوده فى رفع علم القوات المسلحة فوق حصون العدو على الضفة الشرقية بعد ان وطأها بأقدام جنوده إنه الفريق عبدالمنعم واصل ــ لا تكتمل شهادة عن حرب أكتوبر المجيدة إلا بشهادته.. قبل وفاته التقيت به العسكرى فى داخله فلم يزل كما كان أثناء الحرب وبعدها مباشرة واثق النفس محدد الكلمات امتزج بداخله فروسية الضابط وحضارة المصرى حدثته عن الحرب فقدم شهادة يسجلها التاريخ هى جزء من أعظم أيام الوطن.
البداية..
كان الإعداد لحرب أكتوبر قد بدأ قبل أن تسكت مدافع حرب 67 فالقوات المسلحة فرضت عليها هزيمة ثقيلة لا تعبر عن سمات وقدرات مقاتليها وهذا حديث ليس هذا مجاله ولنعد إلى الإعداد للحرب فنجد انه تم التخطيط لتطوير الإعداد على مراحل كانت المرحلة الأولى التى سميت بمرحلة الصمود وتضمنت هذه المرحلة ثلاث مراحل هى «عزم» و«عزم ب» و»عزم ب المطورة» واتسمت مرحلة الصمود بتراشقات نيرانية مع العدو بالرشاشات والمدفعية مع استمرار اعمال الاستطلاع للحصول على معلومات كما شهدت دفع كمائن للحصول على أسرى كما تم تكثيف حقول الألغام على الضفة الغربية وتأمين الأهداف الحيوية لعمق مصر، وتطورت بعد ذلك خطة الإعداد إلى الخطة 170 الدفاعية بهدف منع العدو من عبور القناة ومنعه من القيام بالهجوم المضاد القوى فى حالة نجاحه.
الخطة 200
وكل ذلك كان خلال عام 67 والفترة من عام 68 إلى 70 تطورت الخطة تطورا إيجابيا كبيرا حيث تم وضع الخطة 200 أو بدء حرب الاستنزاف التى شهدت عمليات مكثفة لدفع الدوريات للحصول على معلومات واسرى من العدو واغارات جريئة على الأهداف الإسرائيلية شرق القناة ومن أمثلة هذه الغارات إنه كان العدو يقوم بانشاء نقطة قوية بعد نقطة عيون موسى فى منطقة تسمى رأس مسلة ولأن موقع هذه النقطة إستراتيجى ولها تأثير سلبى على قواتنا فيما لو تم إنشاؤها فقد قامت كتيبة مدفعية مصرية بالتنسيق مع بطارية السواحل فى منطقة الأدبية بتدمير هذه النقطة تماما كما شهدت هذه الفترة «الاستنزاف» تدمير وإغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات.
عندما بدأ العدو فى إنشاء خط بارليف كان ارتفاع الخط 6 أمتار وصدر الأمر من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بتدمير هذا الخط من أول بورتوفيق حتى بورسعيد وكان ذلك عام 69 وقد شاركت مع سلاح المدفعية فى تحويل هذا الخط إلى خط من الجحيم وتم تدميره تماماً.. مبادرة روجرز كان ينتظرها الجانبان وقد وافقا عليها كل لمصلحته فمصر استغلت المبادرة فى بناء حائط الصواريخ الشهير واستكمال الأعداد كما وافق عليها العدو لاستكمال أسلحتهم التى دمرناها لهم والقيام بإنشاء خط بارليف، فى بداية عام 1972 قال العدو عنا ان أمامنا 50 سنة حتى نحارب، وبدأ العالم ينظر الينا كجثة هامدة، هنا التقى بنا الرئيس أنور السادات فى منزله بالجيزة وطلب منا ان نبدأ على الفور فى إعداد التخطيط للعملية الهجومية، ووضعت الخطة «جرانيت واحد» .
على أساس بدء الهجوم برأس كوبرى لكل فرقة بقوة لواء ثم راس كوبرى جيش وكانت هذه هى خطة الحرب حيث تم الهجوم بخمس فرق كاملة، ولا يفوتنى ان اذكر انه طوال هذه الفترة كانت التدريبات تتم على قدم وساق وبكل الجدية خاصة بالنسبة لتدريبات التغلب على الموانع وقامت القوات الجوية بتصوير النقط القوية للعدو وتم عمل نماذج لها عند الكيلو 55 طريق السويس أما الدبابات فكان يجرى تدريبها فى فرع رشيد لإنشاء الكبارى وعبور المشاة والدبابات والمهندسين وفى بحيرة قارون كان يجرى التدريب على قيادة البرمائيات، وانشأنا خطاً مشابهاً لخط بارليف حيث جرت تجارب لتدميره، كما تم القيام بكافة الأعمال الأخرى من إنشاء شبكة طرق وكبارى ونقاط ملاحظة ومراكز قيادة ومواقع هيكلية، وكانت آخر هذه الأعمال احتلال المنطقة الابتدائية للهجوم.
المهام الرئيسية للجيش الثالث
كانت مهمة الجيش الثالث الميدانى تتلخص فى استغلال نجاح الضربة الجوية والتمهيد المدفعى الذى استغرق 53 دقيقة لاندفاع قوات الجيش لاقتحام القناة والعبور الى الشرق بالتعاون مع القوات البحرية وقوات الدفاع الجوى ووحدات الحرب الإلكترونية وذلك قبل آخر ضوء وهذا ما حدث بالضبط، وبمجرد العبور قامت الفرقة 19 مشاة والفرقة 7 المدرعة بمهمة تدمير قوات العدو المتمركزة فى النقط القوية على الضفة الشرقية وقامت بالاستيلاء على 2 رأس كوبرى فرقة فى منطقتى الشط وجنوب البحيرات بعمق من 8 إلى 10 كيلو مترات ثم قامت وحدات فرعية للواء 130 مشاة ميكانيكى بالعمل ضد اجناب وموخرة العدو كما قامت عناصر الصاعقة بتدمير مراكز مدفعية العدو ومراكز القيادة والسيطرة.
النداء المقدس
لم اعلم بموعد الحرب إلا قبلها بيوم واحد، على الرغم من اننى شاركت فى إعداد ساعة الصفر، وقد وصل إلى مظروف سرى يعلن عن الساعة «س» فى تمام الثانية من صباح 5 أكتوبر، وعلى الفور قمت بالاجتماع بقادة الفرق والألوية لابلاغهم بساعة الصفر كما تم ابلاغها لقادة الكتائب فى المساء وقادة السرايا علموا بها صباح يوم الحرب.
وفى يوم الحرب صباحا التقيت بجنود الجيش الثالث الميدانى لأبث فيهم نداء الوطن المقدس قلت لهم ان ساعة الخلاص قد حانت وان ميعاد الثأر قد أقبل وان مصر تنتظر منكم الآن ان تعيدوا لها أرضها وكرامتها وفى هذا الصباح ايضا كان رجال المهندسين الابطال قد أتموا اغلاق مواسير المواد المشتعلة التى كان العدو سيقوم باطلاقها لتحول صفحة القناة إلى جحيم إذا حاولنا العبور كما تم فتح 150 فتحة شاطئية وفى نفس اليوم أيضا كانت شركة البحرية تعمل فى إنشاء السواتر وتركت البلدوزارات التى كانت تستخدمها فى مكانها حيث تم استخدامها أثناء الحرب فى سحب الدبابات المعطلة بفعل ناتج اهالة خط بارليف بالمياه.
بطولة الشهيد محمد زرد
واجهتنى بعض المصاعب ثانى أيام القتال، بدأت عند استخدام المعديات الصغيرة فى عبور القوات، وهنا وجدنا ان أول موجة استغرقت نصف ساعة والمفروش ان يكون 15 دقيقة حسب الخطة بحيث يتم العبور لكل القوات خلال 6 ساعات وما حدث للموجة الأولى يعنى ان العبور يستغرق 9 ساعات وتم حل هذه المشكلة باستخدام العربات البرمائية فى العبور مما أدى إلى عبور الفرقة 19 والفرقة السابعة فى أقل من 3 ساعات، أما المشكلة الثانية فكانت هى مشكلة المد والجزر لمياه القناة، وكان الفارق بينهما 2 متر ويحدث 4 مرات يوميا، واستغل العدو هذا الموقف فى محاولات عديدة لمنع إنشاء الكوبرى بتكثيف نيران مدرعاته على منزل الكوبرى وهنا ينطلق البطل ــ محمد زرد فى فدائية نادرة ويقوم بتدمير دبابات العدو فى النقطة 149، ويتدفق العبور لتنتقل معه جميع دبابات الفرقة السابعة التى قامت بمساندة عبور الفرقة 19 فى معركة رائعة سميت بمعركة الكبارى التى شهدت استشهاد قائد مصرى عظيم من سلاح المهندسين هو اللواء أحمد حمدى قائد لواء الكبارى.
الأبطال الذين شاهدتهم من رجال الجيش كثيرون فى مقدمتهم الشهداء الذين افتدوا الوطن مثل الشهيد «زرد» والشهيد «أحمد حمدى» لذلك يصعب على ان اذكر أسماء حتى لا انسى أحد منهم، وجميعهم أبطال، على سبيل المثال فقط انه لفت نظرى بشدة أثناء سير العمليات الملازم محيى العارف من سلاح الإشارة.
القوات المسلحة اليوم هى ما كنا نحلم به أثناء حرب أكتوبر انها اليوم تدعو للفخر فقد وصلت إلى المستوى الذى يجعلها جديرة بالانتماء لمصر العظيمة حتى شهدت السنوات الأخيرة تطويرا غير مسبوق.
أما أول اسير وقع فى أيدى قواتنا وكان بعد ساعات من عبورنا للضفة الشرقية واتضح انه دفع أثناء هجومنا بهدف إدارة نيران المدفعية الإسرائيلية وبمجرد القبض عليه وأسره تم إحضاره إلى وكان فى حالة اجهاد واضح فقمت بتقديم سيجارة له وأمرت له بكوب من الشاى وبعد ان هدأ تم استجوابه بأسلوب إنسانى وتم ترحيله للجهات المختصة كذلك فاننا قبل بدء القتال كنا فى لقاءاتنا بالجنود ننبه بضرورة الحفاظ على الأسرى ومعاملتهم بإنسانية.
بعد ذلك بدأ توافد الأسرى وكان أول كشف لهم والذى اذكره جيدا لانى سجلته عندى هو 3 أسرى تم أسرهم فى موقع كبريت و17 فى النقطة 149 و37 فى موقع بورتوفيق.
تلك كانت شهادة أحد القادة الكبار بمعركة النصر المجيد وهو اللواء عبدالمنعم واصل قائد أحد جيشين حققوا المعجزة وهو الجيش الثالث الميدانى جيش الصمود والتحدى.
*****
شهادة اللواء عادل يسرى للتاريخ:
الروح المعنوية العالية .. أحد أسرار انتصار أكتوبر
فى تاريخ الأمم العظيمة أياما يتجاوز أثرها مرور الأحداث وتبقى مع الزمن وهجا من نور تكشف طريق المستقبل وتتجدد فى ذكراها العطرة قيم نبيلة وأصيلة.
هذا النور المنبعث من بطولة اللواء أ.ح عادل يسرى قائد لواء النصر يكشف مدى تجسد الصفات المصرية السامية فى شخص هذا البطل قائد لواء النصر.
اللواء أ.ح عادل سليمان يسرى محمود وهبى ولد فى 12 أكتوبر 1930 بالقاهرة وتعلم فى الإسكندرية وكان متفوقا علميا فى كافة مراحل التعليم ومارس أنواعا متعددة من الرياضة مثل السيف والشيش ــ التجديف ــ الملاكمة ــ ألعاب القوى ــ السباحة ــ كرة الماء، كما كان شبلا وكشافا ورئيسا للكشافة ثم جوالا حتى قامت حرب فلسطين 1948 فتغيرت نظرته إلى تخطى حياته فدخل المدرسة الثانوية العسكرية ثم الكلية الحربية ليتخرج عام 1952 بترتيب السابع على رأس دفعة عددها 500 ضابط والثانى على دفعة سلاح المشاة وعددها 220 ضابطاً، درس البطل دورات متعددة كلها بتقرير امتياز ومنها الصاعقة والمظلات وأول بعثة فى أكاديمية برنوا فى تشيكوسلوفاكيا فى 1958 للتنسيق بين القوات الجوية والبرية، ثم كلية الاركان فى مصر، ثم أكاديمية فرونز فى الاتحاد السوفيتى، وهو عاشق لدراسة الأرض ودارس بعمق لتنظيمات العدو وأساليبه القتالية وأعماله السابقة واحتمالات أعماله القتالية وتصرفاته وإعداد قواتنا فى ضوء هذه الدراسات، ويحكى البطل:
تولى مهمة قيادة اللواء 112 مشاة فى 1 / 1 / 1971 وكان ضمن تنظيم الفرقة 16 مشاة واللواء 112 مشاة لواء احتياط اصلا بينما باقى لواءات الفرقة لواءات عريقة قديمة »اللواء الثالث والسادس عشر« وكان اللواء 112 مشاة عند استلامى له متخصصا فى أعمال الحفر وصيانة المواقع الدفاعية ولهذا سمى أفراد اللواء أنفسهم لواء البدو والرحل لأنهم كالبدو دائمى الترحال وهذا جعل مستوى التدريب منخفضا وحالة المعدات والأسلحة سيئة.
ثم تولى مهمة إعداد اللواء 112 مشاة للقتال وعلى مدار أكثر من عامين تحول اللواء ليكون من أكثر وحدات القوات المسلحة كفاءة تدريبية واستعدادا نفسيا ومعدات وأسلحة على أعلى مستوى وفقاً لنظريات قتالية جديدة تم تعميمها واستخدامها فى القوات المسلحة.
المهمة القتالية للواء النصر
كانت مهمة لواء النصر ومعه وحدات من المدفعية والمهندسين والمدرعات اقتحام قناة السويس فى النسق الاول للفرقة 16 المشاة وعلى يسارها من علامة 90كم »ترقيم قناة السويس« إلى جبل مريم جنوب بحيرة التمساح وتدمير مواقع العدو واحتياطياته ونقطه القوية فى العمق القريب وصد وتدمير هجمات العدو المضادة وعمل رأس كوبرى بعمق حوالى 5كم فى الليلة أولى 6 أكتوبر 1973.
ثم التمسك برأس الكوبرى الأولى وصد الهجمات المضادة حتى يتم عمل الكبارى وعبور الدبابات والوحدات الميكانيكية والمدفعيات الميدانية تحت ستر أعمالنا القتالية.
انتقل اللواء مرة أخرى للهجوم كحد يسار للفرقة مع اندفاع اللواء الثالث على الحد اليمين بيننا وبين اللواء 16 ويدمر احتياطيات العدو ويستولى على الميول الشرقية لكثيب الخيل حيث يتحول مرة أخرى للدفاع وتدمير هجمات العدو المضادة فى منطقة رأس الكوبرى التعبوية.
أوامر الهجوم!
احتل اللواء مواقع دفاعية على مواجهة واسعة، وكان التحول للهجوم يتطلب إعادة تجميع وتشكيل القوات فى مواجهة ضيقة مع دخول وحدات دعم متعددة إلى المنطقة الهجومية للواء، فى هدوء وسرية دون اشعار العدو اليقظ الذى يملك إمكانيات علمية متقدمة للاستطلاع.
ساعة الصفر
ساعة الصفر فى اقتحام قناة السويس، الثانية ظهراً ليبدأ أول مجداف فى القوارب المطاطية أول ضربة له ايذانا للتحرك، لكل قوارب لواءات النسق الأول لتقتحم القناة فى الجيش الثانى والثالث الميدانى.. وتم إعلان التوقيت لكل مستوى من القيادة فى توقيت مختلف وأعلنت للجنود فى توقيت يسمح لهم بنفخ القوارب وتحريكها وإنزالها إلى الماء مع تحميل الأسلحة المختلفة لتكون القوارب جاهزة عند سعت »س« وليس قبل أو بعد هذا التوقيت.. وكانت أكبر مشكلة الروح المعنوية العالية جدا للجنود والضباط ومحاولة السيطرة عليهم حتى لا يندفعوا للقتال قبل سعت »س«.
ومضات من المعركة
حقق لواء النصر مهامه القتالية بنجاح وشرف واستولى على منطقة رأس الكوبرى الأولى وصد ودمر وحدات العدو التى قامت بالهجوم المضاد ليلا أو نهارا ونجح بالاشتراك مع باقى وحدات الفرقة 16 مشاة فى تأمين عمل الكبارى.. ومع باقى وحدات الفرقة تحت قيادة العميد أ.ح عبدرب النبى حافظ فى تطوير الهجوم والاستيلاء على منطقة رأس الكوبرى التعبوى.
الومضة الأولى
اقتحمت كتيبة الدبابات البرمائية »ب م ب« قناة السويس عند جبل مريم جنوب بحيرة التمساح تحت ستر أعمال تأمين قتال من مفارز استطلاع ومهندسين سعت س+15 دقيقة ويتم عبور 29 دبابة برمائية سعت س+35 دقيقة لتكون أول وحدات مدرعة تقتحم قناة السويس.. ولم تعبر أى دبابة قبل 10 ساعات فى الجيش الثانى أو الثالث طبقا للتخطيط وأصبحت هذه القوة احتياطى مدرع للفرقة 16 المشاة بقيادة المقدم محمد السيد فراج ورجال كتيبته الأبطال.
الومضة الثانية
كان يرتدى »شدة القتال« مثل أى جندى ومعه ما يكفى من الطعام والذخيرة لمدة يومين ينزل إلى القارب من موقع الشيخ حنيدق من ارتفاع حوالى 18 متراً ضمن الموجة الأولى حيث صيحات »الله أكبر.. الله أكبر« ونيران المدفعية والصواريخ والأسلحة تتوالى مدمرة أسلحة العدو القريبة ونقط العدو الحصينة يتوالى سقوطها، والطيران يهدر عائدا من سيناء بعد ان دمر مواقع العدو المتقدمة فى المليز وأم خشيب، ثم يدق الجنود الحبال على قمة خط بارليف، وتتدلى ليبدأ الأبطال فى رفع أسلحة المشاة الثقيلة ب10 وب11 و12.7 وفتح الثغرات فى حقول الالغام وعربات اليد فى مجهود بشرى خرافى وتلاحم بطولى من كل الجنود فى أداء وتنسيق نحو هدف واحد هو »النصر أو الشهادة«.
الومضة الثالثة
نقطة حصينة فى العمق القريب بها فصيلة مشاة ومدعمة بحوالى فصيلة دبابات وكان مخططا الهجوم عليها فى الليلة الثالثة، إلا أن لواء النصر فى كتيبة منه وهى الكتيبة 224 مشاة بقيادة المقدم البطل أحمد علم كانوا يهاجمون النقطة القوية فى الليلة الأولى ويتم تدميرها والاستيلاء عليها، ويبدأ وصول الأسرى، ويسقط شهيدا فى هذه المعركة النقيب محسن عبدالمنعم رشدى ثم الشهيد النقيب محمد عاطف الشربينى.
الومضة الرابعة
يقول اللواء عادل يسرى: بينما كنت انا ومعى مجموعة القيادة المتقدمة فى حفر برميلية وسط الرمال، سمعت صوتاً يسأل: تشرب شاى؟ سؤال من ضابط مدفعية لى قبل طلوع الفجر، ويأتى لى كوز صفيح به شاى ميدانى، وإذا بدانة دبابة تخترق الرمال على مسافة قريبة منا تكفى لبقائنا أحياء، واسأل: ما هذه الطلقة؟ وما مصدر الطلقات التى تطلق علينا؟ والإجابة من الجميع »لا نعلم«.
»راقبوا كويس« ونستمر فى الملاحظة ويومض مدفع فى اتجاهنا، وتنام طلقة فى الرمال دون ان تنال منا، فجاة سمعنا اشتباكا أمامنا وسمعنا انفجارات قوية، ثم شاهدنا دبابات وعربات مجنزرة تحترق على مسافة حوالى 800 متر من مركز الملاحظة المتقدم.
وتبين ان كمين مدرع للعدو تسلل ليلا بين كتائب النسق الأول ووقف على بعد 800 متر من مركز ملاحظة قائد اللواء وفتح نيران متقطعة إلى ان اكتشفه النقيب أحمد سليمان ومجموعة ساترة ومجموعة ألغام ومجموعة اقتحام حيث تم تدمير 2 دبابة و2 عربة مجنزرة بما فيهم من أفراد، عدا فرد سقط أسير ارسلوه إلى مركز الملاحظة فسألته عن اسمه فأجاب، وكان معه خريطة حديثة جدا، مصدر معلوماتها الأقمار الصناعية على وجه منها الضفة الشرقية للقناة وعلى الوجه الآخر الضفة الغربية للقناة، والعجيب والغريب ان هذا الجندى الإسرائيلى كان يرتدى 3 أوفرلات فوق بعضها وعندما سألته عن السبب أجاب »بدلا من شدة القتال وعدم إمكان الغسيل« وأمرت محمد متولى ضابط الأمن بحراسته وترحيله فى أمان إلى مركز جمع الأسرى فى الجيش الثانى الميدانى.
الومضة الخامسة
صد رجال ووحدات اللواء سعت 1100 يوم 8 أكتوبر هجوما مضادا للعدو وفى هذه الأثناء يتصل العميد أ.ح عبدرب النبى حافظ قائد الفرقة ويحدد ساعة الصفر لتطوير هجوم الفرقة سعت 1230 أى بعد ساعة ونصف، والمفروض لكى يتحول اللواء من الدفاع للهجوم ان تحدث عملية إعادة تجميع من المواجهة الواسعة إلى المواجهة الضيقة وهذه العملية تحتاج إلى وقت 3/4 ساعة على الأقل ولم تكن المشكلة فى الوقت، بل كيف تتم تحركات إعادة لتجميع والعدو قائم بهجوم مضاد.. وبسرعة أمرت بتشكيل مجموعات قتال مترجلة تسللت بين وحدات العدو المهاجمة.. وعند ساعة الصفر اشتبكت بالنيران مع العدو من الخلف وأصبح العدو بين نيران مجموعات القتال والقوات الأمامية ففر من أرض المعركة بعد خسائر تركها وأصبحت مجموعات القتال مفارز قتال متقدمة كل على محور كتيبة وباقى الكتائب تنهض من مواقعها الدفاعية وتعيد تجميعها للهجوم من الحركة تحت ستر مفارز قتالها المتقدمة، وينتهى اليوم القتالى وقوات لواء النصر قد حققت مهمتها التعبوية واستولت على كثيب الخيل وابو وقفة فى منطقة غرود رملية التى شهدت تدمير أكبر عدد من دبابات العدو وعرباته المجنزرة.
أولاد خفاجة
كان مركز قيادة اللواء قبل الهجوم فى عزبة خفاجة وكان انتشار وحدات اللواء بين العزب والقرى الصغيرة غرب القناة من الدفرسوار حتى بلاغ التعاون وعمقا حتى طريق المعاهد الإسماعيلية، ورغم القرار المنظم لإخلاء المدنيين إلا أنهم ظلوا معنا وتعايشنا، وعملنا مدارس لأطفالهم، واشترك أطباء اللواء فى علاجهم بل وصرفنا لهم بعض الأدوية.. وشكلوا دعماً لأمن قواتنا بل وشاركوا متطوعين فى الإعداد الهندسى، وصاح الرجال الله أكبر وهم يساعدون قواتنا على العبور، وزغردت النساء وهن يقدمن الخبز الفلاحى الساخن وقطع الجبن لجنودنا، وكانت لهم ملاجئهم، وسقط منهم الشهداء والجرحى والأبطال .
الشهيد المبتسم
شهيد أسوان الرائد حسين عبدالعزيز موسى كان البطل قائد سرية فى الكتيبة 334 مشاة وتم اختياره قائداً لمدرسة المعركة فى الفرقة 16 مشاة وعندما علم بقرب الهجوم واستشعر انه لن يهجم مع الموجات الأولى، جاءنى راجيا أن يعود إلى سريته وحاولت اقناعه ورفض ورجوت العميد عبدرب النبى وقبل تحت إلحاحه كان أسمر الوجه أبيض القلب ربع الطول رجلا شجاعا ولسانه قليل الكلام وهجم حسين فى الموجة الأولى واستمر يهجم فى النسق الأول حتى وصل إلى موقعه فى الوقفة التعبوية على كثيب الخيل والتقيت به قبل الإصابة بساعة وكان هادئاً رابط الجأش يبث فى من حوله روحا معنوية عالية، وعلمت عند عودتى من المرور على المفارز الأمامية أن البطل نال الشهادة واستشهد عندما أصابته شظية فى بطنه، وكانت إصابته قاتلة، واستشهد وهو مبتسم
شهيد كويتى
خدمت وحدات من بعض الدول العربية ضمن القوات المسلحة المصرية بعد حرب 1967 وأثناء حرب الاستنزاف وشاركت فى حرب أكتوبر 1973 ومنها الكتيبة الكويتية.. وقد جمعتنى صداقة ببعض قادة هذه الكتيبة التى كان يتم تغييرها كل حوالى 4 شهور ومنهم المقدم الركن جاسم محمد شهاب، وكان دور هذه الكتيبة تأميناً دفاعياً لمنطقة غرب البحيرات المرة الدفرسوار، واستشهد بعض من أفراد هذه الكتيبة منهم قائدها الرائد خالد الجيران.
ساق واحدة سبقتنى إلى الجنة!
تدربت قوات اللواء على ان أى دفاع يمكن أن يخترق وليس معنى ذلك انهيار اللواء.. بل إن أسود اللواء الجائعة قد جاءتها الفرائس بأقدامها تسعى لحتفها ولهذا يجب ان نقطع عليها طريق العودة ونمزقها قطعا قطعا ويتم تدميرها بالتالى، حيث تم مهاجمة لواء النصر بموجات من مدرعات العدو وعرباته المجنزرة واخترقت الوحدات، ليغلق عليها طريق العودة وتبدأ معارك تدمير الدبابات المحاصرة وهى تهرب فى كل اتجاه وتشتعل الدبابة الإسرائيلية، وعندما وصلنا إلى خط المهمة النهائية بعد ظهر يوم 8/10/1973 فى منطقة كثيب الخيل ــ أبوقفة.. وجدت أننا نقف فى السفح وإلى الشرق منا جبال رملية ولهذا أمرت دون تردد بمتابعة الهجوم شرقا حتى نركب الميول الشرقية لكثيب الخيل، وعندما كان النصر حليفنا قدمت ساقى كاملة من أجل سيناء وكم كنت أحمد الله ان وهبنى نعمة السير ولو بساق واحدة على تلك الأرض المقدسة!
اترك تعليق