وتستمر احتفالات مصر بذكرى انتصارات السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، وبهذه المناسبة تنفرد «الجمهورية» بنشر صور وحكايات حصرية على ألسنة شباب القوات الجوية
تكليف عاجل لأحمد هاشم بالميراج المصرية..
خطط للطلعة ونفذها بذكاء
المقاتل الشرس «سمير عزيز» واجه 4 طائرات ميراج معادية
بطائرته الـ«ميج 21».. استدرجهم إلى القناة فكانت المفاجأة
قصص واقعية ينقلها: أحـمد سلـيمان
وتستمر احتفالات مصر بذكرى انتصارات السادس من أكتوبر، العاشر من رمضان، وبهذه المناسبة تنفرد «الجمهورية» بنشر صور وحكايات حصرية على ألسنة شباب القوات الجوية الذين كانوا فى العشرينات من أعمارهم، والذين استطاعوا بعزيمة الأبطال وكفاءتهم وطائراتهم «الميج 21» المتواضعة الامكانيات كسر شوكة القوات الجوية المعادية فى حرب اكتوبر 1973 وتمكنوا من فتح باب النصر أمام قواتنا المسلحة بضربة جوية ساحقة واشتباكات جوية عنيفة أسقطوا خلالها أحدث طائرات فى العالم وصلت إسرائيل وقتها وهى الفانتوم الأمريكية، والميراج الفرنسية ليتحقق النصر العظيم الذى ما زالت تتعلم منه جيوش العالم كيف يكون التخطيط والتنفيذ للمعارك الحربية.
كما تنفرد «الجمهورية» بتفاصيل الاشتباكات الجوية وحوارات الطيارين اثناء هذه الاشتباكات.. كما تنفرد بصور حصرية لهؤلاء الأبطال طوال حرب أكتوبر، قبل وأثناء تنفيذ الضربة الجوية.
**
تفاصيل الاشتباكات
وحوارات الطيارين
أثناء الضربة الجوية
> قال لى اللواء طيار نبيل شكرى «قائد أحد الألوية الجوية فى حرب السادس من أكتوبر» : أذكر أننى ذهبت إلى غرفة العمليات فى القاعدة عندى صباح يوم السادس من أكتوبر، وكنت متوترا جدا لأن الاستعداد فى اللواء عندى كان فى حالته القصوى وجميع الطيارين فى طائراتهم داخل الدشم منذ اول ضوء، واذا تسرب الخبر الى اسرائيل اثناء هذه الاستعدادات للهجوم وقامت هى بشن ضربة جوية خاطفة مسبقة فسوف تحدث ارتباكا شديدا قد يعطل عملية الهجوم كلها، وكان ذلك سببا فى توترى بالاضافة الى اننا كنا نضع فى اذهاننا ما حدث عام1967، وحتى لا أظهر توترى أحضرت صحيفة «الجمهورية» وجلست أحل «الكلمات المتقاطعة» وظللت كذلك لمدة طويلة ، وفى الساعة الثانية إلا خمس دقائق ألقيت الجريدة على المنضدة التى أمامى وكان عندى جهاز أستطيع عن طريقه أن أتكلم مع كل واحد فى المطار ويسمعنى عن طريق مكبر الصوت، كما يمكنه الرد عليّ عن طريق جهاز معين، وكنت قد كتبت بيانا صغيراً أعلن فيه عن بداية الحرب ، وعندما أعلنته وقلت إن قواتنا ستقوم بضرية جوية ضد القوات الاسرائيلية سمعت رداً واحداً من كل فرد من الطيارين والمهندسين والميكانيكية والجنود فى لفظ واحد وبلا تنسيق مسبق.. الكل قال «الله أكبر»، وتملكتنى قشعريرة شديدة هزتني، هذه العبارة هى نفسها التى رددها زملاؤهم على بعد مائة وخمسين كيلو متراً اثناء عبورهم قناة السويس، وبدأت الحرب وتم تنفيذ الضربة الجوية بنجاح غير متوقع.
التوجيه الأرضي
> سألت الموجه الأرضى العظيم المقدم محمد الطباخ: ماذا حدث يوم 14 أكتوبر؟
>> قال: كنت أعمل فى التوجيه الأرضى بغرفة العمليات على توجيه المقاتلات وذلك من خلال الخرائط وشاشات الرادار أمامى وأتولى توجيه الطيارين من خلال محطات الرادار، وما حدث يوم 14 أكتوبر كان عبارة عن معركة جوية لم ولن تحدث مرة أخرى وأسميها (السجادة) حيث كانت اسرائيل تريد تنفيذ ضربة جوية شاملة كما فعلناها يوم 6 أكتوبر، فقد فوجئت أنا بشاشة الرادار امامى «مردومة» بنقاط، ولك ان تتخيل عدد الطائرات القادمة من اسرائيل اذا قلت ان نقطة تعادل رأس الدبوس عندما تظهر على الشاشة فانها تعنى 4 طائرات، والذى وجدته على الشاشة هو أن هذه النقاط ملتصقة ببعضها ولا مكان لأى نقاط أخرى بين هذه النقاط، واكتشفت بعد ذلك ان عدد الطائرات الاسرائيلية اكثر من 80 طائرة.
أقلعت من عندنا طائرات من جميع القواعد والمطارات وكانت «ملحمة».. تشكيل من 4 طائرات بقيادة حسن خضر وتشكيل آخر لنصر موسى وتشكيل لرضا اسكندر وتوليت انا توجيه هذه الطائرات الاثنتى عشرة، بمجرد اقلاعها ألقى الطيارون خزانات الوقود الاضافية حتى لا تعيقهم عن الاشتباكات ولا تجعل الطائرات ثقيلة فتصعب عليها تنفيذ المناورات وتنفيذ الاشتباكات الجوية لأنه لا وقت حيث كانت الطيارات المعادية منتشرة من شمال رأس البر وحتى البحر المتوسط إلى بورسعيد وبلطيم أى أن المسافة من المنصورة الى مكانها حوالى 30 كيلومتراً فقط ولا أنسى هذا المنظر فى حياتي.
أفشلنا مهمتهم
> سألته: كيف ميزت طائراتنا من طائرات العدو؟
>> قال: كان يوجد أمامى جهاز تعارف، وأيضا توجد كفاءة الموجه الأرضي، وأيضاً السرعة وحجم النقطة التى تظهر على الشاشة حيث كان فى الكثير من الأحيان تظهر النقطة فاقول ان هذه ميراج وهذه فانتوم وهذه سكاى هوك، والناس تعتقد أننى أوجه طائرة ولكن الحقيقة اننى أوجه نقطة فى حجم رأس الدبوس على نقطة فى حجم رأس دبوس مقابلة، وثلاث رؤوس دبابيس تعنى 12 طائرة ولذلك اقول انها كانت تشبه (السجادة) وقد اشركت اسرائيل طائرات الفانتوم والميراج لكى تدمر مطار المنصورة وقواعد الصواريخ ومطار ابو حماد وكل وسط الدلتا بالكامل ولكن هذه الضربة تم صدها بكفاءة وبسالة طيارينا.
أسقطنا طائرات كثيرة جدا فى هذا اليوم لا اذكر عددها، فعندما جاءت الطائرات الاسرائيلية وجدت الطائرات المصرية فى انتظارها فألقت حمولتها من القنابل والذخيرة و لم تكمل مهمتها لأنه «لا قدر الله» لو أكملت مهمتها لكانت قد دمرت قواعد مصرية عديدة تدميرا تاما ولكن ابطالنا أفشلوا مهمة الطائرات الاسرائيلية وتمكنوا من اسر عدد من الطيارين المعادين، فمثلاً ثتشكيل رضا اسكندر وحده أسقط 4 طائرات ورضا صقر وحسن خضر اسقطوا العديد من الطائرات أيضا.
ضربوا فى بعض
> وقال لى اللواء طيار محمد عبد المنعم همام: فى يوم 15 أكتوبر صدرت لنا الأوامر بالاقلاع الفورى والانضمام الى طائرات مصرية مشتبكة مع طائرات ميراج معادية فى منطقة البحيرات، أقلعنا بأقصى سرعة وكان قائد التشكيل حسن صقر ولا اتذكر رقم 2 وانا رقم 3 ونصر موسى رقم 4، رأيت طائرة ميج 21 وخلفها طائرة ميراج وكذلك رأى حسن صقر طائرة ميج 21 وخلفها طائرة ميراج أيضا، دخلت بسرعة خلف الطائرة الميراج الأولى واطلقت عليها مدفعى حتى يعلم قائدها ان هناك طائرات خلفه فيترك الطائرة المصرية ولا يتعقبها وفعلا هذا ما حدث فنفذ (بريك) أى تغيير اتجاه، وترك الطائرة ميج 21 فانحرفت خلفه لكى اتعامل معه وسمعت صوت نصر موسى فى اللاسلكى يقول «سيبهولى يا عبده سيبهولى يا عبده»، فقلت له «اوكيه يا نصر»، و صعدت انا للأعلى وتركت نصر موسى ليتعامل معه، ثم جاءتنا التعليمات بترك هذه الطائرات لأن هناك تعزيزات من طائرات الميراج قادمة اليها من اسرائيل.
فى هذه اللحظات توجهت الطائرات الميراج المعادية الى حيث جاءت ولكن قابلتها طائرات الميراج التعزيز الاسرائيلية والتقت كلها فوق بورسعيد.. القادمة والذاهبة.. فاعتقدت الطائرات الاسرائيلية القادمة ان الطائرات الذاهبة هى طائرات ميراج مصرية فى طريقها لضرب اهداف داخل اسرائيل فارتبكت الطائرات المعادية واشتبكت مع بعضها وسقطت منها 3 طائرات بايديهم..
استطلاع حتى آخر لحظة
> وقال لى اللواء طيار أمين راضى الذى كان طيارا فى سرب استطلاع ميج 21 ثم انتقل للعمل فى الألوية الجوية: كنا نجمع المعلومات عن العدو عن طريق الاستطلاع الالكترونى والاستطلاع العالى المائل الذى كان يغطى مسافة 30 كيلو مترا داخل سيناء، اما الاستطلاع الالكترونى فكان يحدد مكان الرادارات حتى داخل اسرائيل، وفى شهر سبتمبر 1973 أى قبل موعد الحرب بحوالى اسبوعين زارنا اللواء طيار حسنى مبارك قائد القوات الجوية فى قاعدة انشاص الجوية وطلب منا اعادة تصوير وجمع معلومات عن الاهداف التى سبق تصويرها لتجديد المعلومات ومعرفة ما اذا كان العدو قد غير اهدافه أو نقلها او أى شئ من هذا القبيل.
كان معروفا لكل الطيارين أن الحرب لن تقوم إلا اذا أعيد تصوير أهداف معينة عن طريق طائرات الاستطلاع أى انه لو صدرت اوامر لطائرات الاستطلاع بتصوير هذه الاهداف فمن المؤكد أن الحرب ستكون بعد موعد هذه الطلعة بحوالى ست او ثمانى ساعات وهى المدة اللازمة لتحميض الافلام و نقل المعلومات للقيادة ، لذلك كان طيارو قاعدة انشاص يسألوننا كل يوم: هل صدرت لكم الأوامر بالتصوير؟ وعندما كانت اجاباتنا بالنفى كانوا يتوقعون ان تصدر الاوامر بالتصوير فى اليوم الذى يليه، وظللنا لمدة خمسة ايام متتالية حتى جاء يوم العاشر من رمضان السادس من أكتوبر.
طلبوا منا تنفيذ طلعة الاستطلاع المتوقعة فى الساعة العاشرة صباحا وكانت الطلعات تتم بالدور، فكنا 12 طيارا، وكان يتم تنفيذ الطلعات المطلوبة حسب الترتيب وعندما طلب منا طلعة يوم 6 أكتوبر كان الدور عليّ وكنت وقتها برتبة نقيب طيار فأقلعت كقائد «سيكشن» وكان معى الملازم طيار نشأت نجيب لاستطلاع منطقة الزعفرانة، عندما بحثنا فى المنطقة لم نجد اهدافا معادية وابلغنا القيادة بذلك بعدها صدر أول بيان عسكرى بأن هناك مناوشات فى منطقة الزعفرانة كتخطيط استراتيجى ومبرر للعمليات القادمة، وفى الساعة الثانية عشرة والنصف صدرت الأوامر للطيارين بتحميل الذخيرة إيذانا بتنفيذ الضربة الجوية الساعة الثانية.
أربعون طيارا أقلعوا من قاعدة انشاص الجوية من ممرين رئيسيين وممرين مساعدين فى تنسيق و تناغم غير مسبوق لم ولن يحدث، كنت واقفا فوق احدى دشم الطائرات وأشاهد هذه السيمفونية التى يعزفها طيارونا معا، اقلعوا بارتفاع منخفض وسلكوا اتجاه الشرق نحو سيناء، كل طيار يعرف تماما المطلوب منه والهدف الذى سيتعامل معه وكانت الخسائر المتوقعة من 40٪ حتى 50٪ أى أن حوالى 16 الى 20 طائرة لن تعود من هذه الطائرات الأربعين، قلت بصوت عال: «ربنا معاكم ربنا معاكم».. مرت حوالى 25 دقيقة وبدأت الطائرات فى العودة وأنا ما زلت واقفا أعلى الدشمة، بمجرد وصول الطائرات كنت أحصيها الواحدة تلو الأخرى وظللت أعدها (2-4-6-8-12-16-28-30-40 طائرة) معقول؟!.. الله اكبر، الحمد لله، الكل عاد بسلام بدون ذخيرة أى أن الطائرات نفذت مهامها بدون خسائر، وانسابت الدموع من عيني، ونزلت بسرعة من على الدشمة وتوجهت إلى غرفة العمليات ووجدت كل من فى القاعدة ودموع الفرحة فى عيونهم والفرحة تعم الجميع والكل يتبادل التهانى بنجاح الضربة الجوية الأولى بلا أى خسائر.
كمين «اللوب»
> ويشرح اللواء طيار شاكر فتح الله الفرق بين المناورة الجوية الرأسية والمناورة الأفقية فيقول: لكل طائرة نظرية الطيران الخاصة بها والخواص التى تنفرد بها من حيث الوزن وأطوال الاجنحة والتسليح ولذلك يكون معلوما ان هذه الطائرة بتلك المواصفات عند عمل مناورة افقية يكون الدوران بسرعة كذا وبنصف قطر كذا واذا زادت السرعة او قلت يزيد بالتالى او يقل نصف قطر دوران الطائرة وعند عمل مناورة رأسية بعدد لفات كذا وبسرعة كذا يكون نصف قطر الدائرة كذا، والمناورة الأفقية تكون فى المستوى الافقى فى الطائرتين بالاتجاه يمينا او يساراً، أما المناورة الرأسية فتكون عبارة عن حلقة نسميها (لوب) فعندما أعمل (لوب) أنفذ حلقة لأعلى أى اكون فى وضع افقى ثم اصعد لأعلى وأعود للخلف بظهرى ثم الى الوضع الأصلى فيشكل حلقة بينما طائرات العدو خلفي، فاذا كان نصف قطر الدوران فى الحلقة التى نفذتها انا اقل من نصف قطر دوران الحلقة التى ستنفذها طائرة العدو خلفى فإننى عندما أنفذ دورانين وهو معى سأخرج من المناورة وأنا خلفه بعدما كان هو خلفيفى بداية المناورة، وأستطيع ضربه.
وتعتبر المناورة الرأسية بمثابة مصيدة لطائرات العدو لذلك فإننى بخبرتى أجبر طائرة العدو على الدخول فى مناورة اتفوق فيها عليه وتمكنت فعلا من اسقاط اكثر من طائرة بهذه الطريقة.
الخزانات لم تسقط!
> حكى لى اللواء طيار سمير عزيز الملقب بالمقاتل الشرس ماذا فعل يوم الثامن من أكتوبر فقال: نفذت 3 طلعات فى هذا اليوم وفى الساعة الخامسة مساءً بعد نزولى من الطلعة الثالثة كان مجدى كمال المفروض ان يكون حالة طوارئ أولى لكنه لظروف معينة لم يستطع الاقلاع وطلب منى القيام بهذه الطلعة بدلاً منه فوافقت على الفور وذهبت إلى طائرته وبينما كنت فى طريقى إلى الطائرة ضربت خرطوشة (سكرامبل) أى أمر اقلاع فوري، فقفزت بسرعة داخل الطائرة وأدرت المحرك وأقلعت وقالوا لى ان الطائرات المعادية تضرب قوات الدفاع الجوى فى بورسعيد بعنف، كنت انا الليدر ثم رقم 2 ملازم لا اتذكره ورقم 3 القبانى ورقم 4 همام.
دخلنا على مكان الاشتباك ورأيت 8 طائرات، وصلنا الى ارتفاع خسمة كيلو وقلت لافراد التشكيل ألقوا الخزانات الاحتياطية، لكننى فوجئت بأن خزانات طائرتى لم تسقط بسبب عطل فى زر التحكم فى اسقاطها فكانت طائرتى تطير بـ 3 خزانات مما يصعب مهمتى عند الدخول فى مناورة، طلبت من القبانى الاشتباك مع الطائرات المعادية فانفصل هو وهمام، وفى هذه اللحظة رأيت 4 طائرات ميراج قادمة نحوى من اعلى فدخلت فى مواجهتها ثم فوجئت بـ 4 طائرات ميراج أخرى قادمة فى ناحيتى من اسفل، الطائرات الميراج الأولى دخلت على القبانى وهمام والأربعة الأخرى دخلت خلفى وكنت انا بالنسبة لهم صيدا سهلا لأن طائرتى بثلاثة خزانات ولا استطيع المناورة، فوجدت الطائرات الأربعة تنفصل وكل طائرتين تنفذان مناورة معي، كنت انتظر وانتظر حتى تعتقد أول طائرتين انهما تمكنتا منى فانفذ مناورة حادة للهروب منهما ونفس الحال مع الطائرتين الأخريين وهكذا.
تحدثت إلى غرفة التوجيه الأرضى عندنا وأخبرتهم بأن هناك طائرتين ميراج خلفى بصفة مستمرة فقالوا لى ان هناك 4 طائرات اقلعت من مطار جناكليس وفى طريقها اليك فعرفت اننى سأكون بمفردى بعض الوقت، وبدأت اتعامل على هذا الأساس، حاولت استخدام المدفع ايضا فلم يعمل، هنا تأكدت اننى ميت لا محالة فقلت ان الحل الوحيد ان اصطدم فى طائرة ميراج معادية و نموت معا حتى لا اموت (ببلاش)، حاولت 3 مرات الاصطدام بهم فعلا ولم يحدث فقلت احاول الافلات منهم.
ارتفعت بالطائرة لأعلى ثم وجهت مقدمتها فى اتجاه الأرض للنزول بسرعة حتى وصلت الى فوق سطح المياه وانا اعرف ان الميراج يصعب عليها تنفيذ هذه الحركة لملاحقتى ثم توجهت الى مطار المنصورة بارتفاع منخفض جدا، بعد ثلاث ثوان سمعت القبانى يقول لي: (انا ورايا طيارات يا فندم) فنفذت دورانا للعودة اليه وبمجرد الارتفاع لأعلى وعندما رأيت القبانى زدت من سرعتى فوجدت اصطداما شديدا فى طائرتى ونيرانا حولى من كل مكان، نظرت خلفى فلم أجد ذيل الطائرة ووجدت نيرانا وبدأت طائرتى تدور بشكل حلزونى وتسقط فى اتجاه المياه بلا اى تحكم منى فيها.
قررت القفز بالكرسى المنطلق وهنا كانت المفاجأة، فالطائرة التى كانت معى هى طائرة مجدى كمال وهو اضخم جسمانيا وكان قد اعد الكرسى المنطلق بالأحزمة حسب حجم جسمه وعندما اقلعت مكانه وكان جسمى اقل منه حجما لم تكن احزمة الكرسى المنطلق مُحكمة عليّ لأننى اقلعت بسرعة ولم اتأكد من ان هذه الأحزمة ممسكة بجسمى تماما، لذلك بمجرد ان قفزت بالكرسى المنطلق شعرت بألم شديد فقد انكسر عمودى الفقر، فقرة مكسورة وأخرى مضغوطة وأصبت بشلل فى نصفى الأسفل وشعرت بألم مرعب وبينما كنت اسقط بالباراشوت رأيت طائرات ميراج تدخل ناحيتى لقتلي، لكن وصول طائرات التعزيز من جناكليس جذب انتباههم فتركونى ودخلوا فى اشتباك معهم.
تكليف عاجل
> كشف لى اللواء طيار أحمد هاشم ما حدث يوم الحادى عشر من أكتوبر فقال: كنت أطير على طائرات الميراج المصرية التى كانت ضمن الاحتياطى الاستراتيجى للقوات الجوية حيث لم يكن لدى مصر هذا النوع من الطائرات ولكن تمت استعارتها من ليبيا خلال فترة الحرب واستقرت فى مطار طنطا وما حدث فى هذا اليوم انه تم تكليفى بشكل عاجل بمهمة ضرب الموقع الرئيسى للقيادة الشمالية المعادية فى سيناء وكان التكليف الساعة الثانية صباحا.
اخترت أحد الطيارين وخططت للطلعة بذكاء، اقلعنا من مطار طنطا بينما اول ضوء لم يكن قد ظهر بعد لكنه يكون قد ظهر فى سيناء بسبب فرق التوقيت.. اقلعنا على ارتفاع منخفض وبسبب كثرة طيراننا فوق الدلتا كنا نحفظ اماكن اعمدة الكهرباء ذات الضغط العالى واعمدة التليفونات ومآذن المساجد، توجهنا الى كفر الشيخ ثم دمياط واكملنا السير فوق البحر لمسافة مائة كيلو ثم اتجهنا شرقا ثم غرب العريش لمسافة 30 كيلو ودخلت سيناء فوق الموقع كأننى طيار اسرائيلى قادم اليهم من الشرق وليس من الغرب، وزاد من احكام هذه الخطة ان طائرتى كانت ميراج كالطائرات الاسرائيلية وكان يصعب التفرقة بينها وبين الطائرات الاسرائيلية لدرجة ان الجنود الاسرائيليين فى هذا الموقع كانوا يلوحون لنا بايديهم اعتقادا منهم بأننا اسرائيليون قادمون من داخل اسرائيل، وبالتالى لوحنا لهم ايضا.
ظللنا نطير لمدة 4 دقائق حتى وصلنا فوق الموقع تماماً و دخلنا عليه، ألقينا حوالى 4 أطنان من القنابل على هذا الموقع وتم تدميره تماما ومات فيه اشهر قائد اسرائيلي، وبعد الانتهاء من ضرب الموقع ذهبنا فى طريق العودة، وبدلاً من ان نسير فى اتجاه بورسعيد ـ رغم وجود طائرات حماية فى انتظارنا- اتجهنا شمالا حوالى سبع او ثمانى دقائق بسرعة الف كيلو ثم غربا ناحية الاسكندرية ثم الى طنطا بينما كل الطائرات الاسرائيلية التى خرجت لملاحقتنا سارت فى اتجاه بورسعيد وهو الطريق المعتاد لعودة الطائرات المصرية، وحدث اشتباك بينها وبين طائرات الميج 21 التى كانت تنتظرنا لحماية عودتنا.
عندما عدنا لمطار طنطا كان بعض الطيارين ما زال نائما باستثناء طيارى حالات الاستعداد، ذهبنا لتناول الافطار وكانت الساعة السادسة صباحا وعندما شاهدنى الطيارون سألونى «إنت لابس كده ليه؟ وعرقان كده ليه؟» قلت: «أنا لسة ضارب وجاي» لم يصدقوا وعندما حكيت لهم ما حدث هنأونى على نجاح هذه العملية.
العجلة لا تنزل!!
> أما اللواء طيار ضياء الحفناوى الذى أسقط ثلاث طائرات فى ثلاثة اشتباكات فقال لي: يوم 19 أكتوبر الموافق الثالث والعشرين من رمضان اقلعنا الساعة الرابعة والنصف عصرا وكانت المهمة «بحث و قنص حر» أى كل طيار يبحث عن طائرة معادية و يحاول النيل منها.. بمجرد اقلاعى من الممر وعندما حاولت رفع عجل الطائرة وجدت العجلة اليسرى ارتفعت اما اليمنى فلم ترتفع، حاولت عدة مرات عمل بعض التصرفات الفنية لأرفع هذه العجلة لكنها لم ترتفع وكانت سرعة الطائرة قد زادت وقتها مع تأثير ذلك على العجلة المنسابة فى الهواء والعمود الذى يمسكها.
أنزلت الذراع المسئولة عن رفع العجلة فى الكابينة بقوة ثم اعدت رفعه بقوة فارتفعت العجلة لكنها مع شدة اندفاع الطائرة ومقاومة الهواء دخلت العجلة مكانها بقوة مع اعوجاج فى العامود الذى يمسكها فاستقرت فى مكانها ولكن حدث التواء بالعمود بما يعوق اعادة نزولها مرة أخري.. لم اهتم، وتفرغت للمهمة التى اقلعنا من اجلها، دخلت مع تشكيلى منطقة الثغرة، ارتفع الليدر ورقم 2 خلف طائرتى فانتوم، وارتفعت انا و رقم 4 خلف طائرتى فانتوم أخريين، وعندما شاهدنا الطيارين الاسرائيليين خلفهما انفصلا، فانفصلت انا و رقم 4 وكل منا جرى خلف طائرة فانتوم وعندما كانت المسافة بينى وبين الفانتوم حوالى 150 مترا وبعد خمس دقائق مناورات حادة، اطلقت عليها النار واصبتها ثم وجدت نفسى بمفردي.
مفاجأتان
ناديت على زملائى فى التشكيل فلم يرد احد فنزلت على ارتفاع منخفض فى طريق عودتى الى انشاص وكانت اول مفاجأة ان الوقود لن يكفينا، فقررت النزول فى مطار القطامية وابلغت غرفة العمليات بذلك وكان فيها العقيد طيار نبيل شكرى قائد اللواء، وقبل دخولى على الممر فى القطامية كانت المفاجأة الثانية.. عجلة الطائرة لا تنزل، نزلت العجلة اليسرى اما اليمنى فلم تنزل لأنها كانت (محشورة) بعد ما حدث اثناء اقلاعى فى بداية الطلعة، ابلغت العقيد نبيل شكرى فعندما علم بفشل كل محاولات انزال العجلة، امرنى بالارتفاع لمسافة 2 كيلو وتوجيه الطائرة للصحراء والقفز بالكرسى المنطلق لكننى طلبت منه السماح بأن انزل ببطن الطائرة على ممر الرمال الجانبى للممر الرئيسى وهو ما نطلق عليه (بيلى لاندنج) فأخبرنى ضابط المراقبة فى المطار الذى كان معنا على الخط بأن الـ (بيلى لاندنج) لن يصلح لأن ممر الرمال غير ممهد.
حاولت النزول بالطائرة (بيلى لاندنج) حتى لا نخسرها، لكن العقيد نبيل شكرى رفض وعنفنى بشدة ودار فى مخيلتى كيف أننى لم اقفز من الطائرة اثناء الاشتباك ثم اقفز منها فوق المطار و كان موقفا انسانيا جداً، وكان لابد من تنفيذ الأوامر، فارتفعت لأعلى ووجهت الطائرة للصحراء ولكن قبل القفز منها فتحت بابا صغيرا امامى ومددت يدى واخذت خزينة الفيلم الموجود بالكاميرا التى صورت المعركة الحربية واسقاطى للفانتوم لأن هذا الفيلم هو الدليل على أننى اسقطت طائرة فانتوم.
قلب الأم
أخذت خزينة الفيلم ووضعتها فى الأفرول ثم قفزت بالكرسى المنطلق، بعدها جاءتنى سيارات المطافئ والاسعاف فى المكان الذى نزلت به وتم اصطحابى لمكتب العقيد نبيل شكري، دخلت عليه، اديت التحية، وقدمت له خزنة الفيلم و قلت له: «طيارة فانتوم يا فندم» فلمحت فى عينيه فرحة وسعادة بما حققته وفوجئت به يخلع ساعة يده وكانت ثمينة جدا ويعطيها لى هدية ثم قام واحتضننى وهنأني.
بعد الحرب وعندما نزلت اجازة واثناء جلوسى مع والدتى قالت لي:»اننى احسست فى احد الأيام بعد صلاة العصر بشئ كالنار فى قلبى و انقبض قلبى ودعوت الله ان ينجيكم»، أخذت اسألها عن اليوم والساعة التى حدث فيها هذا الموقف فعرفت انه كان يوم 19 أكتوبر بعد العصر واكتشفت ان هذا هو نفس التوقيت الذى قفزت فيه من الطائرة عندما لم ينزل العجل.. فعلاً إنه قلب الأم.
اترك تعليق