«وربما جاء يوم نجلس فيه معًا لا لكى نتفاخر ونتباهى، ولكن لكي نتذكر وندرس ونعلم أولادنا
و أحفادنا جيلاً بعد جيل، قصة الكفاح ومشاقه مرارة الهزيمة وآلامها وحلاوة النصر وآماله.. نعم سوف يجيء يوم نجلس فيه لنقص ونروي ماذا فعل كل منا فى موقعه.. وكيف حمل كل منا أمانته وأدى دوره، وكيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة فى فترة حالكة ساد فيها الظلام، ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى تستطيع أمتهم أن تعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء…»، كلمات خالدة محفورة في قلوب كل المصريين على مر العصور وبين مختلف الأجيال، قالها الزعيم الراحل محمد أنور السادات في خطاب النصر التاريخي أمام مجلس الشعب فى 16 أكتوبر 1973، ويرددها كل عام ملايين المصريين الذين يشعرون بالفخر والعزة والكرامة كلما استمعوا لهذه الكلمات العظيمة التي خلدها التاريخ.
واليوم وبعد 50 عاماً من النصر العظيم يحتفل المصريون باليوبيل الذهبي لحرب أكتوبر العظيمة، تلك الحرب الفريدة التي أعطت درسا يحتذى به فى فنون الحرب والمعارك، وفي براعة التخطيط الإستراتيجي والقيادة الحكيمة التي استخلصت العبر والدروس واستخدمت عنصر المفاجأة، وحطمت نظرية الأمن الإسرائيلي، فانهار العدو معنويا وعسكريا رغم التحصينات والتسليح الأفضل، ليتوقف التاريخ العسكري أمام تلك الحرب التي نسترجع أحداثها خلال هذه السطور بداية من مرارة هزيمة 67 مرورا بحرب الاستنزاف وصولا للنصر العظيم.
وعلى الرغم من مراراة الهزيمة بعد نكسة يونيو 1967، والحالة النفسية التي عاشها المصريون، وخيبة الأمل التي أحاطت الأمة العربية، إلا أنه بالعزيمة والإيمان والأمل رفضنا الاستسلام، وبعقيدة راسخة أن «ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة» صممنا على تحرير أرض سيناء الغالية وعبرنا النفق المظلم ونجحنا في العودة سريعًا، لتبدأ مرحلة التصحيح والبناء والتنظيم، لاسترداد الأرض والكرامة حيث كان الاعتراف بالهزيمة وأسبابها، والإرادة الشعبية التي وقفت خلف القيادة السياسية والقوات المسلحة، عظيم الأثر في ذلك بالإضافة إلى حرب الاستنزاف التي استمرت أكثر من ألف يوم، تعلمنا منها دروسًا عديدة كانت سببًا في تحقيق انتصار أكتوبر العظيم واسترداد الأرض والكرامة.
وشهدت حرب الاستنزاف التي بدأت عقب نكسة 67 واستمرت حتى 1973 بطولات عديدة بأبناء ورجال القوات المسلحة الشرفاء الذين خاضوا معارك عديدة كسروا خلالها غرور الجيش الإسرائيلي وكبدوه خسائر فادحة في أفراده ومعداته لتعود الثقة للمقاتل المصري في ذاته وامكاناته وقد وصفها الخبراء الإستراتيجيون بأنها كانت بروفة حقيقية لنصر أكتوبر 73 والتي تم من خلالها دراسة أسلوب العدو وأماكن الضعف والقوى وإمكانات الأسلحة وعددها وغيرها من الدروس الكبيرة.
***
الطريق لاسترداد «أرض الفيروز»
تجاوز 67 يونيو.. الإرادة الشعبية.. رفض الاستسلام
خطاب عبدالناصر والاعتراف بالهزيمة
ومظاهرات «رفض التنحى».. ضربة البداية
بعد أيام من يونيو 1967، بدأت الخطوات الأولى لتحرير سيناء، فقبل أن تندلع شرارة حرب أكتوبر بأكثر من ست سنوات شهدت جبهة القتال معارك شرسة كانت نتائجها بمثابة صدمة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، حيث بدأت المواجهة من سبتمبر 1968 وحتى السادس من أكتوبر 1973 حيث انطلقت القوات المصرية معلنة بدء حرب العبور واقتحمت قناة السويس وخط بارليف كان من أهم نتائجها استرداد السيادة الكاملة على قناة السويس، وجزء من الأراضى في شبه جزيرة سيناء، لتبدأ الدولة من بعدها المفاوضات السياسية ممثلة في الدبلوماسية المصرية وتنجح بعد مفاوضات طويلة في اجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل من شبة جزيرة سيناء، وفي 25 إبريل 1982 تم رفع العلم المصري على حدود مصر الشرقية على مدينة رفح بشمال سيناء وشرم الشيخ بجنوب سيناء ويتم إعلان هذا اليوم عيداً قومياً في ذكرى تحرير سيناء الغالية.
وكان خطاب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى الشعب والأمة بإعلان التنحى عن رئاسة الجمهورية، عقب نكسة يونيو 67، والذي اعترف فيه بالهزيمة، وتحمله المسئولية كاملة، بداية التصحيح حيث جاء في نص خطابه « لقد تعودنا معاً فى أوقات النصر وفى أوقات المحنة.. فى الساعات الحلوة وفى الساعات المرة؛ أن نجلس معاً، وأن نتصارح بالحقائق، مؤمنين أنه من هذا الطريق وحده نستطيع دائماً أن نجد اتجاهنا السليم، مهما كانت الظروف عصيبة، ومهما كان الضوء خافتاً، ولا نستطيع أن نخفى على أنفسنا أننا واجهنا نكسة خطيرة خلال الأيام الأخيرة، لكنى واثق أننا جميعاً نستطيع - وفى مدة قصيرة - أن نجتاز موقفنا الصعب، وإن كنا نحتاج فى ذلك إلى كثير من الصبر والحكمة والشجاعة الأدبية، ومقدرة العمل المتفانية، لكننا نحتاج قبل ذلك إلى نظرة على ما وقع؛ لكى نتتبع التطورات وخط سيرها فى ما وصلت إليه».
وأكد الرئيس عبدالناصر في خطابه: «ولقد كانت النتيجة المحققة لذلك أن قواتنا البرية التى كانت تحارب أكثر المعارك عنفاً وبسالة فى الصحراء المكشوفة؛ وجدت نفسها فى الموقف الصعب؛ لأن الغطاء الجوى فوقها لم يكن كافياً إزاء تفوق حاسم فى القوى الجوية المعادية، بحيث إنه يمكن القول - بغير أن يكون فى ذلك أى أثر للانفعال أو المبالغة - إن العدو كان يعمل بقوة جوية تزيد ثلاث مرات عن قوته العادية».
وحدد الزعيم عبدالناصر مهام عاجلة حددها في خطابه قائلاً: «المهمة الأولى، أن نزيل آثار هذا العدوان علينا، وأن نقف مع الأمة العربية موقف الصلابة والصمود. وبرغم النكسة فإن الأمة العربية بكل طاقاتها وإمكاناتها قادرة على أن تصر على إزالة آثار العدوان».. والمهمة الثانية: أن ندرك درس النكسة، وهناك فى هذا الصدد ثلاث حقائق حيوية، هي إن القضاء على الاستعمار فى العالم العربى يترك إسرائيل بقواها الذاتية، ومهما كانت الظروف ومهما طال المدى، فإن القوى الذاتية العربية أكبر وأقدر على الفعل وإن إعادة توجيه المصالح العربية فى خدمة الحق العربى ضمان أولى، فإن الأسطول الأمريكى السادس كان يتحرك ببترول عربى، وهناك قواعد عربية وضعت قسراً - وبرغم إرادة الشعوب - فى خدمة العدوان، وإن الأمر الآن يقتضى كلمة موحدة تسمع من الأمة العربية كلها، وذلك ضمان لا بديل له فى هذه الظروف.
واختتم خطابه: «إن هذه ساعة للعمل وليست ساعة للحزن، إنه موقف للمثل العليا وليس لأية أنانيات أو مشاعر فردية، إن قلبى كله معكم، وأريد أن تكون قلوبكم كلها معى، وليكن الله معنا جميعاً؛ أملاً فى قلوبنا وضياءً وهدى.. والسلام عليكم ورحمة الله.
وتمثلت الإرادة الشعبية التي وقفت خلف الرئيس والقوات المسلحة عقب النكسة، في مظاهرات التي خرجها عشرات الآلاف من الشعب المصري من أغلب ربوع مصر لتبكي وتشجب وتعترض على قرار تنحي الزعيم، وبعد حالة الحزن على الهزيمة، زاد عليهم ألماً رحيل زعيمهم الوطني، وبالفعل كان للمظاهرات الحاشدة التي خرجت لتعلن تمسكها ببقاء الزعيم أثرها في نفوس المصريين، وتراجع «عبد الناصر» عن قراره بالتخلي عن منصبه وبقى رئيسًا للبلاد كما طالبه المصريون.
وبدأت مصر صراعها المسلح في حرب الاستنزاف ضد إسرائيل، والتي بدأت بالصمود، ثم المواجهة تلاها مرحلة جديدة أطلق عليها الاستنزاف أو مرحلة التحدي والردع، وكانت بمثابة المدرسة والبروفة لحرب 1973، والتي تم من خلالها دراسة أسلوب العدو وأماكن الضعف والقوى وإمكانات الأسلحة وعددها وغيرها من الدروس الكبيرة التي كان لها تأثير في تحقيق انتصار أكتوبر العظيم.
**
الصمود.. المواجهة.. الردع
«حرب الألف يوم»
إعادة الثقة للجنود.. تحطيم صورة إسرائيل.. معرفة إمكانات العدو
«حرب الاستنزاف»، هو مصطلح أطلقه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، على الحرب التي اندلعت بين مصر وإسرائيل على ضفتي قناة السويس، بعد احتلال سيناء، وبدأت أحداثها منذ تقدم المدرعات الإسرائيلية إلى مدينة بور فؤاد، لاحتلالها في يوليو 1967، وتصدت لها قوات الصاعقة في معركة «رأس العش»، واستمرت الحرب لنحو 3 سنوات، واصلت قواتنا خلالها استنزاف قوات الاحتلال، وأطلق عليها العدو «حرب الألف يوم»، من ثقل وأعباء تلك الأيام عليهم، وفي 7 أغسطس 1970 انتهت المواجهات بقرار من الرئيس عبدالناصر وقبول مبادرة «روجرز» لوقف إطلاق النار.
الصمود والمواجهة
بدأت مصر صراعها المسلح ضد إسرائيل بمرحلة أطلق عليها مرحلة الصمود، وكان الهدف منها سرعة إعادة البناء، ووضع الهيكل الدفاعي، عن الضفة الغربية لقناة السويس، واستغرقت هذه المرحلة المدة من يونيو 1967 إلى أغسطس 1968، واشتملت على بعض العمليات المهمة، التي كان لها تأثير كبير على المستوى المحلي والعربي والعالمي وهي: معركة رأس العش، والتي وقعت أحداثها في 1 يوليو 1967، وتعتبر الشرارة الأولى للحرب، عندما حاولت المدرعات الإسرائيلية احتلال مدينة بور فؤاد، فصدتها قوات الصاعقة المصرية، وفي يومي 14 و15 يوليو 1967، نفذت القوات الجوية طلعات هجومية جريئة ضد القوات الإسرائيلية في سيناء المحتلة، أحدثت خسائر فادحة، بالإضافة للاشتباك الكبير للمدفعية، والتي ركزت فيه كل إمكاناتها في قطاع شرق الإسماعيلية 20 سبتمبر 1967، وتمكنت خلاله من تدمير وإصابة عدد كبير من الدبابات الإسرائيلية، وقاذفات مدفعية صاروخية، وقتل 25 إسرائيليًا و 300 جريح منهم ضابطان برتبة كبيرة، فضلًا عن إغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية إيلات، في 21 أكتوبر 1967، في منطقة شمال شرق بورسعيد، حيث تم تلغيم الميناء وقتل عدد من العسكريين وإغراق بارجة إسرائيلية، بواسطة رجال الضفادع البشرية المصريين، كما استمرت معارك المدفعية والتراشق بالنيران طوال مرحلة الصمود، إضافة إلى نشاط أفراد القناصة المهرة، الذين قنصوا أفراد الجيش الإسرائيلي وقادته، سواء في نقاط المراقبة، أو أثناء تحركهم على الضفة الشرقية للقناة.
أما مرحلة الدفاع النشط، أو المواجهة فكان الغرض منها تنشيط الجبهة والاشتباك بالنيران مع القوات الإسرائيلية، لتقييد حركة قواتها في الخطوط الأمامية على الضفة الشرقية للقناة، وتكبيدها قدرًا من الخسائر في الأفراد والمعدات، واستمرت من سبتمبر 1968، إلى فبراير 1969 وأرادت مصر خلالها أن تبـدأها بقوة، لتعلن عن نفسها إقليميًا وعالميًا، وتصيب القوات الإسرائيلية بأكبر قدر من الخسائر، وقد شملت أعمال قصف مدفعية مركزة، من مختلف الأعيرة، وشعر العدو لأول مرة أن السيطرة النيرانية قد آلت للقوات المسلحة المصرية، حيث تكبدت إسرائيل خسائر جسيمة.
التحدي والردع
تطور القتال إلى مرحلة جديدة أطلق عليها الاستنزاف أو مرحلة التحدي والردع، وذلك من خلال عبور بعض القوات والإغارة على القوات الإسرائيلية، وشهد مارس 1969، أهم مراحل التصعيد العسكري ما بين الجولتين الثالثة والرابعة في الصراع العربي الإسرائيلي، وقد أديرت هذه المرحلة سياسيًا وعسكريًا بتنسيق متكامل لتحقق الهدف منها ولتتوازن في التصعيد والتهدئة، وتحددت مهامها في تقييد حرية تحركات العدو على الضفة الشرقية للقناة، وإرهاقه وإحداث أكبر خسائر به، وكانت هـذه المرحلة التي امتدت من 8 مارس 1969 إلى 8 أغسطس 1970، طويلة وشاقة، وهي لا تقـل عسكريًا عن أي جولة من جولات الصراع العربي الإسرائيلي، بل تعد أطول جولة في تاريخ هذا الصراع.
ومع توالي الأحداث وتصاعدها، بدأت تتصاعد موجات السخط للشعب الإسرائيلي خصوصًا مع الإعلان عن خسائرها التي تتزايد يومًا بعد يوم وفي داخل القيادة الإسرائيلية نفسها، ولم يأت النقد العنيف من داخل إسرائيل وحدها، بل من الولايات المتحدة الأمريكية أيضًا، التي صدمت من زيادة الوجود السوفياتي في مسرح الشرق الأوسط، وشعرت أوروبا أن تأثيرات الحرب انعكست عليها، خصوصًا بعد أن انتقلت حرب الاستنزاف إلى أبعاد جديدة، بتدمير الحفار الإسرائيلي في ميناء أبيدجان عاصمة ساحل العاج، واحتمال امتداده إلى مناطق بترولية للتأثير على المصالح الغربية.
روجرز
ووجدت الولايات المتحدة الأمريكية أن استمرار الحرب لا يحقق مصالحها أو مصالح إسرائيل، لذلك سعت إلى تقديم مبادرة روجرز، التي تقدم بها وزير الخارجية الأمريكي، 19 يونيو 1970 إلى كل من مصر وإسرائيل، ووجد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أن قبولها أمر ممكن، لإعطاء فرصة للقوات المسلحة لاستعادة كفاءتها القتالية بعد حرب متصلة استمرت قرابة الألف يوم، ووجدت فيها إسرائيل فرصة للخروج من أزمتها وإيقاف نزيف الخسائر الذي تتعرض له، وقبلت الأطراف المبادرة وأُعلن وقف إطلاق النيران اعتبارًا من 8 أغسطس 1970.
وأكد الخبراء العسكريون، أن حرب الاستنزاف هى التى مهدت الطريق لنصر 6 أكتوبر، وأنها كانت المدرسة التي أعدت القوات المسلحة المصرية لحرب أكتوبر المجيدة فقد كشفت لنا كل تجمعات العدو وطريقة اقترابه في الهجوم والشكل القتالي الذي يتواجد به كما كشفت لنا أيضا عدد طائرات العدو المستخدمة في الجو والأخري بالمظلات مما ساعدنا علي إعداد خطة أكتوبر ونجاح القوات المسلحة الباسلة في تدمير طائرات العدو وهي علي الأرض.
*********
خطة فاجأت العدو.. وأبهرت العالم
الخداع الإستراتيجى .. مفتاح النصر
حالة التأهب بالقواعد الجوية.. تسريح 30 ألف جندى.. فتح باب العمرة.. وتنظيم الدورات الرياضية .. مناورات عسكرية
حرب 73 أكتوبر وتحرير سيناء نسيج متكامل من الإعداد والتخطيط والتنفيذ لأبطالنا من أبناء القوات المسلحة، وخطة الخداع الإستراتيجي أحد أهم أسباب النصر العظيم، حيث تم خداع دول كاملة على رأسها إسرائيل التي لم تكن تتوقع أو تتخيل الهجوم المصري عليها.
في يوليو 1972 اجتمع الرئيس السادات مع قادة القوات المسلحة لوضع خطة خداع استراتيجي يسمح لمصر بالتفوق على التقدم التكنولوجي والتسليحي الإسرائيلي عن طريق إخفاء أي علامات للاستعداد للحرب وحتى لا تقوم إسرائيل بضربة إجهاضية للقوات المصرية في مرحلة الإعداد على الجبهة، واشتملت الخطة على ستة محاور رئيسية:
الجبهة الداخلية
المحور الأول يتعلق بالجبهة الداخلية، وتضمن عدة إجراءات منها استيراد مخزون استراتيجي من القمح، عن طريق تسريب معلومات بأن أمطار الشتاء قد غمرت صوامع القمح، وأفسدت ما بها، وتحوّل الأمر لفضيحة إعلامية استوردت مصر على أثرها الكميات المطلوبة، بالإضافة إلى إخلاء المستشفيات تحسباً لحالات الطوارئ، وذلك عن طريق تسريح ضابط طبيب من الخدمة وتعيينه بمستشفى الدمرداش، ليعلن عن اكتشافه تلوث المستشفى بميكروب، ووجوب إخلائها من المرضى لإجراء عمليات التطهير، وفي اليوم التالى نشرت «الأهرام» الخبر معربة عن مخاوفها من أن يكون التلوّث قد وصل إلى مستشفيات أخرى، فصدر قرار بإجراء تفتيش على باقي المستشفيات، وأخليت جميعها.. كما تم استيراد مصادر بديلة للإضاءة أثناء تقييد الإضاءة خلال الغارات، عن طريق تنسيق أحد المندوبين مع مهرب قطع غيار سيارات لتهريب صفقة كبيرة من المصابيح مختلفة الأحجام، وبمجرد وصول الشحنة كان رجال حرس الحدود في الانتظار، واستولوا عليها كاملة وتم عرضها بالمجمعات الاستهلاكية، ومن أجل تقليل الانتباه العام دعا الفريق أول أحمد إسماعيل جميع وزراء الحكومة يوم 27 سبتمبر 1973 لزيارة هيئة الأركان العامة لإطلاعهم على الجديد من الأجهزة المكتبية والحاسبات الآلية.
نقل المعدات للجبهة
المحور الثاني تضمن إجراءات تتعلق بنقل المعدات الثقيلة للجبهة كالدبابات، عن طريق نقل ورش التصليح إلى الخطوط الأمامية، ودفع الدبابات إلى هناك في طوابير بحجة إصابتها بأعطال، كما تم نقل معدات العبور والقوارب المطاطية عن طريق تسريب المخابرات تقريراً يطلب فيه الخبراء استيراد كمية مضاعفة من معدات العبور مما أثار سخرية إسرائيل، وعندما وصلت الشحنة ميناء الإسكندرية، ظلّت ملقاة بإهمال على الرصيف حتى المساء وفي ظل إجراءات أمنية توحى بالاستهتار واللامبالاة، وأتت سيارات الجيش فنقلت نصف الكمية إلى منطقة صحراوية بضاحية «حلوان»، وتمّ تكديسها وتغطيتها على مرمى البصر فوق مصاطب لتبدو ضعف حجمها الأصلي، فيما قامت سيارات مقاولات مدنية بنقل الكمية الباقية للجبهة مباشرة.
خداع ميداني
المحور الثالث، خداع ميداني، وضمن إجراءات منها توفير معلومات حيوية سمحت ببناء نماذج لقطاعات خط بارليف في الصحراء الغربية لتدريب الجنود عليها وخداع الأقمار الصناعية لملء المعسكر بعدد من الخيام البالية والأكشاك الخشبية المتهالكة، ولافتات قديمة لشركات مدنية، وفي يوليو 1972 صدر قرار بتسريح 30 ألف من المجندين منذ عام 1967 وكان معظمهم خارج التشكيلات المقاتلة الفعلية، وفي مواقع خلفية.
التمويه برفع درجة الاستعداد القصوى للجيش وإعلان حالة التأهب في المطارات والقواعد الجوية من 22 إلى 25 سبتمبر، مما يضطر إسرائيل لرفع درجة استعداد قواتها تحسباً لأي هجوم، ثم يعلن بعد ذلك أنه كان مجرد تدريب روتيني حتى جاء يوم 6 أكتوبر فظنت المخابرات الإسرائيلية أنه مجرد تدريب آخر وبدأ القتال تحت ستار المناورة العسكرية المشتركة «تحرير 23»، ثم استبدلت خرائط التدريب بخرائط العملية «بدر» وكانت البرقيات والرسائل المصرية التي تعترضها المخابرات الإسرائيلية تؤكد أنباء تلك المناورة مما أدى إلى استبعاد إسرائيل لفكرة الحرب .
في أكتوبر 1973 تم الإعلان عن فتح باب رحلات العُمْرة لضباط القوات المسلحة والجنود، وكذا تنظيم دورات رياضية عسكرية مما يتنافى وفكرة الاستعداد للحرب، كما شوهد الجنود المصريون على الضفة الغربية للقناة صبيحة يوم الحرب وهم في حالة استرخاء وخمول، ويتظاهر بعضهم بأكل القصب وأكل البرتقال، ولإخفاء نية القوات البحرية في إغلاق مضيق باب المندب، نشر خبر صغير في شهر سبتمبر عام 1973، عن توجه 3 قطع بحرية مصرية إلي أحد الموانئ الباكستانية لإجراء العمرات وأعمال الصيانة الدورية لها، وبالفعل تحركت القطع الثلاث إلى ميناء عدن وهناك أمضت أسبوعاً ثم صدر لهم الأمر بالتوجه إلي أحد الموانئ الصومالية في زيارة رسمية استغرقت أسبوعاً آخر لزيارة بعض الموانئ الصومالية، ثم عادت القطع الثلاث من جديد إلي عدن وهناك جاءتهم الإشارة الكودية في مساء الخامس من أكتوبر 1973 بالتوجه إلى مواقع محددة لها عند مضيق باب المندب في سرية تامة عند نقط تسمح لها بمتابعة حركة جميع السفن العابرة في البحر الأحمر رادارياً وتفتيشها، ومنع السفن الإسرائيلية من عبور مضيق باب المندب طوال الحصار.
خداع سياسى
أما عن الخداع السياسى فقد تم اختيار موعد هجوم تحتفل فيه إسرائيل بعيد الغفران اليهودي، وتغلق خلاله المصالح الحكومية بما فيها الإذاعة والتليفزيون كما اختير على أساس الظروف المناخية والسياسية المواتية، كما كان المجتمع الإسرائيلي منشغلاً بالمعارك الانتخابية التشريعية، كما تم الإعلان عن زيارة قائد القوات الجوية اللواء حسنى مبارك إلى ليبيا يوم 5 أكتوبر، ثم تقرر تأجيلها لعصر اليوم التالي 6 أكتوبر 1973.
وجه المشير أحمد إسماعيل الدعوة إلى وزير الدفاع الروماني لزيارة مصر في الاثنين 8 أكتوبر وأعلن رسمياً أنه سيكون في استقباله شخصياً لدى وصوله إلى مطار القاهرة، كما أعلن رسمياً عن الاستعداد لاستقبال الأميرة مارجريت صباح الأحد 7 أكتوبر.
وعن استعدادات القوات المسلحة فقد اشتملت الخطة على تحييد دور الملحقين العسكريين وضباط المخابرات بالسفارات بوضعهم تحت رقابة صارمة لمنع وصولهم إلى معلومات تمس سرية الاستعداد للحرب، حتى وصل الأمر إلى ترحيل الملحق العسكري الإسباني مصاباً خلال معركة بالأيدي على متن طائرة إسعاف، لنقله تحركات سلاح الطيران المصري دقيقة بدقيقة.
تضليل العدو
أما عن إجراءات تضليل العدو فتم عن طريق توفير المعلومات السرية عن العدو وتضليله عن طريق رجال جهاز المخابرات العامة ومنهم أشرف مروان، ورفعت الجمال «رأفت الهجان»، أحمد الهوان «جمعة الشوان»، كما استخدمت اللهجة النوبية لتشفير الرسائل المهمة بين القوات أثناء المعركة لتضليل معترضي تلك الرسائل.
********
تهيئة الشعب.. الاستعداد العسكرى.. الإعداد السياسى.. الاقتصاد الوطنى
تجهيز قوى الدولة الشاملة
تعبئة الجبهة الداخلية.. رفع الوعى والروح المعنوية.. بث الوطنية.. واقتصاد الحرب.. كلمة السر
جسدت حرب أكتوبر المجيدة وإسقاط الأسطورة الإسرائيلية عبقرية الشعب المصري الحر الأبي وقواته المسلحة التي غيرت مفاهيم الفكر العسكري في العالم حيث أصبحت معركة العبور مرجعًا يدرس في كل جيوش العالم، فقد كانت معجزة عسكرية بكل المقاييس.
بعد 67 وحالة الانكسار التي خيمت على الشعب المصري قررت الدولة تجميع قوى الدولة الشاملة وتعبئة الجبهة الداخلية والالتفاف حول هدف واحد هو تحرير الأرض واسترداد الكرامة، وكان خطاب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، بداية تصحيح المسار حيث اعترف بالهزيمة وتحمله المسئولية معلنًا تنحيه عن الرئاسة ليخرج الملايين في مظاهرات شعبية حاشدة يرفضون التنحي يطالبون بالحرب واسترداد أرض الفيروز، لتبدأ مرحلة إعداد الدولة وتجهيزها للحرب والتي شملت عدة محاور من بينها تهيئة الشعب، وإعداد الأجهزة والمؤسسات، بالإضافة إلى الإعداد السياسى، والإقتصاد الوطنى، وإعادة بناء القوات المسلحة، وتجهيز أرض الدولة كمسرح للعمليات، وجاء من بعدها مرحلة الصمود والاستنزاف.
الشعب
بدأ إعداد الشعب للحرب بإصدار القوانين المنظمة للعلاقة بين الشعب فى جميع فئاته والقوات المسلحة والدولة، مثل إصدار قانون التجنيد وتعديل شروطه وقانون التعبئة العامة للأفراد والمعدات والمنشآت، وألزمت القوانين الأفراد الذين خرجوا من القوات المسلحة ويخضعون لخطة التعبئة والتدريب تم استدعاؤهم للجيش قبل الحرب، كما تمت تعبئة الجيش بأفراد مدنيين يمتهنون مهن معينة مثل الأطباء والممرضين والمهندسين فى بعض التخصصات، وكذلك فقد استدعت القوات المسلحة العديد من وسائل النقل المدنية للحرب، حيث تمت تعبئة سيارات النقل والأتوبيسات العامة ووضعها ضمن خطة التعبئة الشعبية، وكذلك تم رفع الوعى الشعبى لدى المصريين قبل الحرب من خلال مناهج التعليم فى المدارس والجامعات، ولعب الأزهر الشريف والكنيسة دورا وطنيا مهما فى تعبئة الشعب ورفع روحهم المعنوية، وأيضا استخدمت الدولة وسائل الإعلام والتليفزيون فى بث الروح الوطنية من خلال الأناشيد والأغانى الوطنية.
مكاسب دبلوماسية
فترة إعداد الدولة لحرب أكتوبر بدأت عقب نكسة 1967 مباشرة، من خلال سعى مصر السياسى والدبلوماسى الى المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، وقد حققت مكاسب دبلوماسية من هذه التحركات تمثلت فى إدانة العدوان الإسرائيلى على مصر والأراضى العربية، وإصدار القرار رقم 242 من الأمم المتحدة الذى يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضى المحتلة، الا أن اسرائيل لم تنفذ القرار واستمرت فى الاحتلال، كما استمر سعى مصر لقبول مبادرات السلام التى أعلنت فى ذلك الوقت مثل مبادرتى «يارنج» و»روجرز»، بالإضافة الى مبادرات مصرية عديدة للسلام، إلا أن اسرائيل أعلنت من جانبها رفضها هذه المبادرات.
كما بدأت مصر فى تجميع القوى العربية للضغط على المجتمع الدولى وتوصلت الى شعار «ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة» فى توصيات مؤتمر القمة العربية فى الخرطوم، الذى عقد فى 29 أغسطس 1967، بمشاركة رؤساء 11 دولة عربية، وكان للرئيس الراحل أنور السادات دور دبلوماسى كبير استطاع أن يوحد القوى العربية فى تحالف واحد قوى والتنسيق معه على تنفيذ الحرب واستعادة الأرض فى ظل تعنت إسرائيل ورفضها لكل سبل السلام، وتجلت تحركات السادات وعصمت عبدالمجيد فى الأمم المتحدة وكواليسها للتغطية على استعدادات مصر للحرب.
واستطاعت مصر أن تعيد بناء القوات المسلحة وتكوين قيادات ميدانية جديدة، كما تم استحداث الجيشين الثانى والثالث الميدانيين، وإعداد القيادات التعبوية الجديدة، وإعادة تشكيل القيادات فى السلاح الجوى، وإدخال نظم تدريب على كل ما هو أساسى للحرب، والتدريب على مسارح مشابهة لمسرح عمليات الحرب، كما احتفظت القوات المسلحة بالقوة الرئيسية من المجندين، واستعدت للحرب بكل ما هو حديث فى تكنولوجيا التسليح وقامت بتطوير أسلحة المشاة واستبدلت الدبابات القديمة وتم إحلال المدفعية القديمة بأخرى متطورة وتم الدفع بطائرات حديثة فى سلاح الدفاع الجوى وإدخال طرازات جديدة من الصواريخ قصيرة ومتوسطة الى جانب الصواريخ طويلة المدى وكذلك تطوير معدات المهندسين العسكريين وأجهزة الكشف عن الألغام وإدخال أسلحة غير تقليدية ابتكرها مهندسون مصريون مثل قاذفات اللهب المحمولة على الأكتاف ومسدسات المياه التى استخدمت فى هدم خط برليف الرملى، وتم تدريب الجنود على أسلوب اقتحام الموانع المائية والنقاط القوية المشرفة على حمايتها، وأسلوب الدفاع عن مناطق التمركز والوحدات والمعسكرات لمواجهة العناصرالمتمركزة خلف خطوط الدفاع الإسرائيلى، وكذلك إجراء المشروعات سواء على مستوى القيادة التعبوية والإستراتيجية، أو المشروعات التكتيكية للجنود على موضوعات الهجمة المنتظرة من العدو، واستمرار وتكرار هذه المشروعات ضمن ما سمى بـ «خطة الخداع الإستراتيجى» التى وضعها المشير محمد عبدالغنى الجمسى والتى أوحت للعدو وقتها بعدم جدية مصر فى اتخاذ قرار الحرب.
اقتصاد حرب
أما الاقتصاد المصرى فقد تحول قبل حرب أكتوبر الى »اقتصاد الحرب« وهذا يعنى تعبئة جميع المصانع ومنتجاتها لاستيفاء احتياجات اللقوات المسلحة وكان للشعب المصرى دور كبير في تلك المرحلة الفارقة من التاريخ حيث تحمل الكثير، كما كان لتحويل الاقتصاد الى الحرب أثر مباشر على الصناعة المدنية، ولجأت الدولة ضمن خطتها فى خداع العدو الى توقيع تعاقدات دولية لتوريد السلع الاستراتيجية مثل القمح على مدد زمنية غير منتظمة حتى لا تلفت انتباه العدو الى أن الدولة تقوم بتخزينها وقد تم تحقيق الاحتياطى اللازم من هذه السلع ليكفى احتياجات الدولة لمدة 6 أشهر قبل الحرب مباشرة.
مسرح العمليات
وعن مسرح عمليات أكتوبر 73 فقد تم إعداد كل أراضى الدولة كمسرح حرب من خلال إنشاء الطرق اللازمة لتحرك القوات وقد اشتركت كل قطاعات الدولة المدنية والعسكرية فى إنشاء هذه الطرق، وكان يتم وقتها الاعلان عن إنشاء شبكة الطرق طبقا للخطة الخمسية لوزارة النقل والمواصلات فتم إنشاء شبكة طرق كبيرة ومدقات لخدمة المناطق الجبلية فى الضفة الغربية، كما تم إنشاء شبكات كبارى صنعت خصيصا لتتحمل عبور المعدات الثقيلة مثل الدبابات والمدرعات وناقلات المعدات الحربية، وكذلك كبارى حديدية مؤقتة لهذه المهمة وكذلك إنشاء التحصينات على أرض المعركة وزرع الألغام اللازمة لتأمين مسرح العمليات من العدو.
كما استعدت الدولة بإنشاء مطارات عسكرية جديدة وقريبة من الضفة وتحصينها بـ «الدشم» وإنشاء شبكات المواصلات السلكية واللاسلكية وخطوط الإمداد بالوقود والمياه فى مسرح العمليات لتسهيل عملية العبور الى الضفة الشرقية، وإنشاء الملاجئ للمدنيين فى المدن والقرى لحمايتهم من تأثير نيران العدو حول الأهداف الحيوية التى قد يستهدفها فى تلك المناطق.
أجهزة الدولة
دعا الرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى إنشاء مجلس الدفاع الوطنى عام 1968 والذى تكون من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء و5 وزارات أساسية هى (الدفاع، والداخلية، والخارجية، والإعلام، والمالية) بالإضافة الى باقى الوزارات وعدد من الجهات السيادية، وكان الهدف من إنشاء هذا المجلس هو وجود تنسيق فعلى بين مؤسسات الدولة لتذليل العقبات فى سبيل اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة والابتعاد عن الاجراءات الحكومية الروتينية المعروفة، وتسهيل كل العقبات التى تواجه أى خطوة فى الحرب.
******
البطل «أحمد إدريس» صاحب الفكرة العبقرية:
«الشفرة النوبية».. لغة تنطق ولا تكتب.. هزمت الغطرسة الإسرائيلية
المساعد أحمد محمد أحمد إدريس، الشهير بـ «أحمد إدريس»، أحد أبطال حرب أكتوبر 1973، ابن القوات المسلحة، صاحب فكرة «الشفرة النوبية» أو اللغة النوبية التي استخدمت في الحرب، ووقف أمامها العدو الإسرائيلي عاجزاً بكل ما يمكنه من إمكانات.
قصة المساعد أحمد إدريس، كما رواها قبل وفاته، بدأت عندما تطوع بالجيش المصري في سلاح حرس حدود في عام 1954 وحتى عام 1994، وأثناء فترة تولي الرئيس الراحل محمد أنور السادات الرئاسة، كانت توجد هناك بعض المشاكل من أهمها عملية فك الشفرات، فأمر القادة العسكريين لإيجاد حلول جذرية لتلك المشكلة، ومن حسن الحظ كان منتدباً مع رئيس الأركان «أحمد محمد أحمد تحسين شنن»، وفي أحد الأيام سمع ما دار بينه وبين العقيد «عادل سوكة» بخصوص ذلك الموضوع، فاقترح عليه استخدام اللغة النوبية كشفرة غير معروفة، لكونها في الأساس لغة تنطق ولا تكتب، ولن يستطيع أحد فك طلاسمها غير النوبيين فقط، فكان كلامه هذا أحد أسباب استدعائه إلي رئاسة الجمهورية لمقابلة الرئيس محمد أنور السادات، بعدما علم بمدي أهمية ما ذكره بطريقة قد تبدو عفوية، وبالفعل توجه إلى قصر الرئاسة وقابل الرئيس وشرح له بالتفصيل قصة هذه اللغة وكيفية توظيفها واستخدامها لتصبح شفرة غير مفهومة، وذكر له أيضاً النوبيين الذين يتحدثونها بطلاقة تامة علي خلاف غيرهم من الذين تم تهجيرهم بعد عام 1964، وقد أعجب بالفكرة الرئيس، وطلب منه عدم إخبار أي شخص بهذا السر مهما كان، وذلك نظراً لخطورته وأهميته القصوى في تلك الفترة، وبعدها حصل علي إجازة لمدة 10 أيام، عاد للوحدة وفوجئ بخطاب من قيادة الجيش يتضمن إحضار الرقيب أحمد محمد أحمد إدريس بكامل مهماته الي القيادة، وعندما ذهب إلى قيادة الجيش وجد بالفعل العديد من الأفراد النوبيين، ثم تم وضعهم في معسكر مغلق، تدربوا خلاله على استخدام جهاز صغير مع معرفة كيفية إصلاحه، فكانت مهمتهم هي العبور خلف خطوط العدو عن طريق قوارب مطاطية والتمركز في أبيار «صهاريج المياه» التي تتجمع فيها مياه السيول، وذلك لمتابعة تحركات العدو من حيث أعدادهم وأماكن تنقلهم، وبدأوا العمل علي نقل أخبارهم، فضلاً عن حصر عدد مركباتهم حيث كانوا لا يسيرون علي أقدامهم، بل كانوا يستخدمون المدرعات أو الدبابات في السير، وبناءً علي حصر أعدادها كان من الممكن معرفة أعداد هؤلاء الجنود الإسرائيليين الموجودين هناك.
وفي أحد الأيام وقت الظهيرة، سمعوا تحركات شديدة وأصوات الدبابات التي كانت تسير فوق الأبيار التي كنا نمكث فيها، ثم شعرنا بالهدوء فجأةً، فتسللوا لمعرفة ذلك عند الغروب، فوجدوا أكثر من 200 تريلا محملة بالكثير من الدبابات الإسرائيلية الجديدة وهي في طريقها إلي خط الأوسط، فقمنا علي الفور بإبلاغ هذه المعلومة، فقام قائد الطيران آنذاك بإرسال طائرات قامت بضرب هذه التريلا حتى تحولت إلي كتل متهالكة لا تصلح لأي شيء، ونجحت هذه العملية بالفعل في تدميرها بالكامل، وفي مساء اليوم الخامس من شهر أكتوبر تم سحب كل الجنود الموجودين خلف خطوط العدو، وانضموا إلي الوحدات، لتبدأ المعركة بين القوات المصرية والإسرائيلية والتي انتهت بالنصر المبين.
اترك تعليق