أكتوبر‭ ‬73‭ .. ‬رجال‭ ‬صنعوا‭ ‬التاريخ

حرب‭ ‬الاستنزاف‭.. ‬بوابة‭ ‬العبور‭ ‬للنصر‭ ‬العظيم

«وربما جاء يوم نجلس فيه معًا لا لكى نتفاخر ونتباهى، ولكن لكي نتذكر وندرس ونعلم أولادنا


و أحفادنا جيلاً بعد جيل، قصة الكفاح ومشاقه مرارة الهزيمة وآلامها وحلاوة النصر وآماله.. نعم سوف يجيء يوم‭ ‬نجلس‭ ‬فيه‭ ‬لنقص‭ ‬ونروي‭ ‬ماذا‭ ‬فعل‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬فى‭ ‬موقعه‭.. ‬وكيف‭ ‬حمل‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬أمانته‭ ‬وأدى‭ ‬دوره،‭ ‬وكيف‭ ‬خرج‭ ‬الأبطال‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬وهذه‭ ‬الأمة‭ ‬فى‭ ‬فترة‭ ‬حالكة‭ ‬ساد‭ ‬فيها‭ ‬الظلام،‭ ‬ليحملوا‭ ‬مشاعل‭ ‬النور‭ ‬وليضيئوا‭ ‬الطريق‭ ‬حتى‭ ‬تستطيع‭ ‬أمتهم‭ ‬أن‭ ‬تعبر‭ ‬الجسر‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬اليأس‭ ‬والرجاء‮…»‬،‭ ‬كلمات‭ ‬خالدة‭ ‬محفورة‭ ‬في‭ ‬قلوب‭ ‬كل‭ ‬المصريين‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬العصور‭ ‬وبين‭ ‬مختلف‭ ‬الأجيال،‭ ‬قالها‭ ‬الزعيم‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬في‭ ‬خطاب‭ ‬النصر‭ ‬التاريخي‭ ‬أمام‭ ‬مجلس‭ ‬الشعب‭ ‬فى‭ ‬16‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973،‭ ‬ويرددها‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬ملايين‭ ‬المصريين‭ ‬الذين‭ ‬يشعرون‭ ‬بالفخر‭ ‬والعزة‭ ‬والكرامة‭ ‬كلما‭ ‬استمعوا‭ ‬لهذه‭ ‬الكلمات‭ ‬العظيمة‭ ‬التي‭ ‬خلدها‭ ‬التاريخ‭.‬
واليوم‭ ‬وبعد‭ ‬50‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬النصر‭ ‬العظيم‭ ‬يحتفل‭ ‬المصريون‭ ‬باليوبيل‭ ‬الذهبي‭ ‬لحرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬العظيمة،‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬الفريدة‭ ‬التي‭ ‬أعطت‭ ‬درسا‭ ‬يحتذى‭ ‬به‭ ‬فى‭ ‬فنون‭ ‬الحرب‭ ‬والمعارك،‭ ‬وفي‭ ‬براعة‭ ‬التخطيط‭ ‬الإستراتيجي‭ ‬والقيادة‭ ‬الحكيمة‭ ‬التي‭ ‬استخلصت‭ ‬العبر‭ ‬والدروس‭ ‬واستخدمت‭ ‬عنصر‭ ‬المفاجأة،‭ ‬وحطمت‭ ‬نظرية‭ ‬الأمن‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬فانهار‭ ‬العدو‭ ‬معنويا‭ ‬وعسكريا‭ ‬رغم‭ ‬التحصينات‭ ‬والتسليح‭ ‬الأفضل،‭ ‬ليتوقف‭ ‬التاريخ‭ ‬العسكري‭ ‬أمام‭ ‬تلك‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬نسترجع‭ ‬أحداثها‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬السطور‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬مرارة‭ ‬هزيمة‭ ‬67‭ ‬مرورا‭ ‬بحرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬وصولا‭ ‬للنصر‭ ‬العظيم‭.‬
وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مراراة‭ ‬الهزيمة‭ ‬بعد‭ ‬نكسة‭ ‬يونيو‭ ‬1967،‭ ‬والحالة‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬المصريون،‭ ‬وخيبة‭ ‬الأمل‭ ‬التي‭ ‬أحاطت‭ ‬الأمة‭ ‬العربية،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬بالعزيمة‭ ‬والإيمان‭ ‬والأمل‭ ‬رفضنا‭ ‬الاستسلام،‭ ‬وبعقيدة‭ ‬راسخة‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ما‭ ‬أخذ‭ ‬بالقوة‭ ‬لا‭ ‬يسترد‭ ‬إلا‭ ‬بالقوة‮»‬‭ ‬صممنا‭ ‬على‭ ‬تحرير‭ ‬أرض‭ ‬سيناء‭ ‬الغالية‭ ‬وعبرنا‭ ‬النفق‭ ‬المظلم‭ ‬ونجحنا‭ ‬في‭ ‬العودة‭ ‬سريعًا،‭ ‬لتبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬التصحيح‭ ‬والبناء‭ ‬والتنظيم،‭ ‬لاسترداد‭ ‬الأرض‭ ‬والكرامة‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالهزيمة‭ ‬وأسبابها،‭ ‬والإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬خلف‭ ‬القيادة‭ ‬السياسية‭ ‬والقوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬عظيم‭ ‬الأثر‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬التي‭ ‬استمرت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ألف‭ ‬يوم،‭ ‬تعلمنا‭ ‬منها‭ ‬دروسًا‭ ‬عديدة‭ ‬كانت‭ ‬سببًا‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬انتصار‭ ‬أكتوبر‭ ‬العظيم‭ ‬واسترداد‭ ‬الأرض‭ ‬والكرامة‭.‬
وشهدت‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬عقب‭ ‬نكسة‭ ‬67‭ ‬واستمرت‭ ‬حتى‭ ‬1973‭ ‬بطولات‭ ‬عديدة‭ ‬بأبناء‭ ‬ورجال‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الشرفاء‭ ‬الذين‭ ‬خاضوا‭ ‬معارك‭ ‬عديدة‭ ‬كسروا‭ ‬خلالها‭ ‬غرور‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وكبدوه‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة‭ ‬في‭ ‬أفراده‭ ‬ومعداته‭ ‬لتعود‭ ‬الثقة‭ ‬للمقاتل‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬ذاته‭ ‬وامكاناته‭ ‬وقد‭ ‬وصفها‭ ‬الخبراء‭ ‬الإستراتيجيون‭ ‬بأنها‭ ‬كانت‭ ‬بروفة‭ ‬حقيقية‭ ‬لنصر‭ ‬أكتوبر‭ ‬73‭ ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬دراسة‭ ‬أسلوب‭ ‬العدو‭ ‬وأماكن‭ ‬الضعف‭ ‬والقوى‭ ‬وإمكانات‭ ‬الأسلحة‭ ‬وعددها‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدروس‭ ‬الكبيرة‭.‬

***

الطريق‭ ‬لاسترداد‭ ‬‮«‬أرض‭ ‬الفيروز‮»‬
تجاوز‭ ‬67‭ ‬يونيو‭.. ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭.. ‬رفض‭ ‬الاستسلام
خطاب‭ ‬عبدالناصر‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالهزيمة‭ ‬
ومظاهرات‭ ‬‮«‬رفض‭ ‬التنحى‮»‬‭.. ‬ضربة‭ ‬البداية

بعد‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬1967،‭ ‬بدأت‭ ‬الخطوات‭ ‬الأولى‭ ‬لتحرير‭ ‬سيناء،‭ ‬فقبل‭ ‬أن‭ ‬تندلع‭ ‬شرارة‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭ ‬شهدت‭ ‬جبهة‭ ‬القتال‭ ‬معارك‭ ‬شرسة‭ ‬كانت‭ ‬نتائجها‭ ‬بمثابة‭ ‬صدمة‭ ‬للمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬حيث‭ ‬بدأت‭ ‬المواجهة‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬1968‭ ‬وحتى‭ ‬السادس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬حيث‭ ‬انطلقت‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬معلنة‭ ‬بدء‭ ‬حرب‭ ‬العبور‭ ‬واقتحمت‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬وخط‭ ‬بارليف‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬نتائجها‭ ‬استرداد‭ ‬السيادة‭ ‬الكاملة‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬وجزء‭ ‬من‭ ‬الأراضى‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء،‭ ‬لتبدأ‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬بعدها‭ ‬المفاوضات‭ ‬السياسية‭ ‬ممثلة‭ ‬في‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬المصرية‭ ‬وتنجح‭ ‬بعد‭ ‬مفاوضات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬اجبار‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬الانسحاب‭ ‬الكامل‭ ‬من‭ ‬شبة‭ ‬جزيرة‭ ‬سيناء،‭ ‬وفي‭ ‬25‭ ‬إبريل‭ ‬1982‭ ‬تم‭ ‬رفع‭ ‬العلم‭ ‬المصري‭ ‬على‭ ‬حدود‭ ‬مصر‭ ‬الشرقية‭ ‬على‭ ‬مدينة‭ ‬رفح‭ ‬بشمال‭ ‬سيناء‭ ‬وشرم‭ ‬الشيخ‭ ‬بجنوب‭ ‬سيناء‭ ‬ويتم‭ ‬إعلان‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬عيداً‭ ‬قومياً‭ ‬في‭ ‬ذكرى‭ ‬تحرير‭ ‬سيناء‭ ‬الغالية‭.‬
وكان‭ ‬خطاب‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬إلى‭ ‬الشعب‭ ‬والأمة‭ ‬بإعلان‭ ‬التنحى‭ ‬عن‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية،‭ ‬عقب‭ ‬نكسة‭ ‬يونيو‭ ‬67،‭ ‬والذي‭ ‬اعترف‭ ‬فيه‭ ‬بالهزيمة،‭ ‬وتحمله‭ ‬المسئولية‭ ‬كاملة،‭ ‬بداية‭ ‬التصحيح‭ ‬حيث‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬خطابه‭ ‬‮«‬‭ ‬لقد‭ ‬تعودنا‭ ‬معاً‭ ‬فى‭ ‬أوقات‭ ‬النصر‭ ‬وفى‭ ‬أوقات‭ ‬المحنة‭.. ‬فى‭ ‬الساعات‭ ‬الحلوة‭ ‬وفى‭ ‬الساعات‭ ‬المرة؛‭ ‬أن‭ ‬نجلس‭ ‬معاً،‭ ‬وأن‭ ‬نتصارح‭ ‬بالحقائق،‭ ‬مؤمنين‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الطريق‭ ‬وحده‭ ‬نستطيع‭ ‬دائماً‭ ‬أن‭ ‬نجد‭ ‬اتجاهنا‭ ‬السليم،‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الظروف‭ ‬عصيبة،‭ ‬ومهما‭ ‬كان‭ ‬الضوء‭ ‬خافتاً،‭ ‬ولا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نخفى‭ ‬على‭ ‬أنفسنا‭ ‬أننا‭ ‬واجهنا‭ ‬نكسة‭ ‬خطيرة‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لكنى‭ ‬واثق‭ ‬أننا‭ ‬جميعاً‭ ‬نستطيع‭ - ‬وفى‭ ‬مدة‭ ‬قصيرة‭ - ‬أن‭ ‬نجتاز‭ ‬موقفنا‭ ‬الصعب،‭ ‬وإن‭ ‬كنا‭ ‬نحتاج‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الصبر‭ ‬والحكمة‭ ‬والشجاعة‭ ‬الأدبية،‭ ‬ومقدرة‭ ‬العمل‭ ‬المتفانية،‭ ‬لكننا‭ ‬نحتاج‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬نظرة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬وقع؛‭ ‬لكى‭ ‬نتتبع‭ ‬التطورات‭ ‬وخط‭ ‬سيرها‭ ‬فى‭ ‬ما‭ ‬وصلت‭ ‬إليه‮»‬‭.‬
وأكد‭ ‬الرئيس‭ ‬عبدالناصر‭ ‬في‭ ‬خطابه‭: ‬‮«‬ولقد‭ ‬كانت‭ ‬النتيجة‭ ‬المحققة‭ ‬لذلك‭ ‬أن‭ ‬قواتنا‭ ‬البرية‭ ‬التى‭ ‬كانت‭ ‬تحارب‭ ‬أكثر‭ ‬المعارك‭ ‬عنفاً‭ ‬وبسالة‭ ‬فى‭ ‬الصحراء‭ ‬المكشوفة؛‭ ‬وجدت‭ ‬نفسها‭ ‬فى‭ ‬الموقف‭ ‬الصعب؛‭ ‬لأن‭ ‬الغطاء‭ ‬الجوى‭ ‬فوقها‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كافياً‭ ‬إزاء‭ ‬تفوق‭ ‬حاسم‭ ‬فى‭ ‬القوى‭ ‬الجوية‭ ‬المعادية،‭ ‬بحيث‭ ‬إنه‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ - ‬بغير‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬أى‭ ‬أثر‭ ‬للانفعال‭ ‬أو‭ ‬المبالغة‭ - ‬إن‭ ‬العدو‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬بقوة‭ ‬جوية‭ ‬تزيد‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬عن‭ ‬قوته‭ ‬العادية‮»‬‭.‬
وحدد‭ ‬الزعيم‭ ‬عبدالناصر‭ ‬مهام‭ ‬عاجلة‭ ‬حددها‭ ‬في‭ ‬خطابه‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬المهمة‭ ‬الأولى،‭ ‬أن‭ ‬نزيل‭ ‬آثار‭ ‬هذا‭ ‬العدوان‭ ‬علينا،‭ ‬وأن‭ ‬نقف‭ ‬مع‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬موقف‭ ‬الصلابة‭ ‬والصمود‭. ‬وبرغم‭ ‬النكسة‭ ‬فإن‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬بكل‭ ‬طاقاتها‭ ‬وإمكاناتها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تصر‭ ‬على‭ ‬إزالة‭ ‬آثار‭ ‬العدوان‮»‬‭.. ‬والمهمة‭ ‬الثانية‭: ‬أن‭ ‬ندرك‭ ‬درس‭ ‬النكسة،‭ ‬وهناك‭ ‬فى‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬ثلاث‭ ‬حقائق‭ ‬حيوية،‭ ‬هي‭ ‬إن‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الاستعمار‭ ‬فى‭ ‬العالم‭ ‬العربى‭ ‬يترك‭ ‬إسرائيل‭ ‬بقواها‭ ‬الذاتية،‭ ‬ومهما‭ ‬كانت‭ ‬الظروف‭ ‬ومهما‭ ‬طال‭ ‬المدى،‭ ‬فإن‭ ‬القوى‭ ‬الذاتية‭ ‬العربية‭ ‬أكبر‭ ‬وأقدر‭ ‬على‭ ‬الفعل‭ ‬وإن‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬المصالح‭ ‬العربية‭ ‬فى‭ ‬خدمة‭ ‬الحق‭ ‬العربى‭ ‬ضمان‭ ‬أولى،‭ ‬فإن‭ ‬الأسطول‭ ‬الأمريكى‭ ‬السادس‭ ‬كان‭ ‬يتحرك‭ ‬ببترول‭ ‬عربى،‭ ‬وهناك‭ ‬قواعد‭ ‬عربية‭ ‬وضعت‭ ‬قسراً‭ - ‬وبرغم‭ ‬إرادة‭ ‬الشعوب‭ - ‬فى‭ ‬خدمة‭ ‬العدوان،‭ ‬وإن‭ ‬الأمر‭ ‬الآن‭ ‬يقتضى‭ ‬كلمة‭ ‬موحدة‭ ‬تسمع‭ ‬من‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬كلها،‭ ‬وذلك‭ ‬ضمان‭ ‬لا‭ ‬بديل‭ ‬له‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭.‬
واختتم‭ ‬خطابه‭: ‬‮«‬إن‭ ‬هذه‭ ‬ساعة‭ ‬للعمل‭ ‬وليست‭ ‬ساعة‭ ‬للحزن،‭ ‬إنه‭ ‬موقف‭ ‬للمثل‭ ‬العليا‭ ‬وليس‭ ‬لأية‭ ‬أنانيات‭ ‬أو‭ ‬مشاعر‭ ‬فردية،‭ ‬إن‭ ‬قلبى‭ ‬كله‭ ‬معكم،‭ ‬وأريد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قلوبكم‭ ‬كلها‭ ‬معى،‭ ‬وليكن‭ ‬الله‭ ‬معنا‭ ‬جميعاً؛‭ ‬أملاً‭ ‬فى‭ ‬قلوبنا‭ ‬وضياءً‭ ‬وهدى‭.. ‬والسلام‭ ‬عليكم‭ ‬ورحمة‭ ‬الله‭.‬
وتمثلت‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬التي‭ ‬وقفت‭ ‬خلف‭ ‬الرئيس‭ ‬والقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬عقب‭ ‬النكسة،‭ ‬في‭ ‬مظاهرات‭ ‬التي‭ ‬خرجها‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬من‭ ‬أغلب‭ ‬ربوع‭ ‬مصر‭ ‬لتبكي‭ ‬وتشجب‭ ‬وتعترض‭ ‬على‭ ‬قرار‭ ‬تنحي‭ ‬الزعيم،‭ ‬وبعد‭ ‬حالة‭ ‬الحزن‭ ‬على‭ ‬الهزيمة،‭ ‬زاد‭ ‬عليهم‭ ‬ألماً‭ ‬رحيل‭ ‬زعيمهم‭ ‬الوطني،‭ ‬وبالفعل‭ ‬كان‭ ‬للمظاهرات‭ ‬الحاشدة‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬لتعلن‭ ‬تمسكها‭ ‬ببقاء‭ ‬الزعيم‭ ‬أثرها‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬المصريين،‭ ‬وتراجع‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬الناصر‮»‬‭ ‬عن‭ ‬قراره‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬منصبه‭ ‬وبقى‭ ‬رئيسًا‭ ‬للبلاد‭ ‬كما‭ ‬طالبه‭ ‬المصريون‭.‬
وبدأت‭ ‬مصر‭ ‬صراعها‭ ‬المسلح‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬والتي‭ ‬بدأت‭ ‬بالصمود،‭ ‬ثم‭ ‬المواجهة‭ ‬تلاها‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬الاستنزاف‭ ‬أو‭ ‬مرحلة‭ ‬التحدي‭ ‬والردع،‭ ‬وكانت‭ ‬بمثابة‭ ‬المدرسة‭ ‬والبروفة‭ ‬لحرب‭ ‬1973،‭ ‬والتي‭ ‬تم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬دراسة‭ ‬أسلوب‭ ‬العدو‭ ‬وأماكن‭ ‬الضعف‭ ‬والقوى‭ ‬وإمكانات‭ ‬الأسلحة‭ ‬وعددها‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدروس‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬انتصار‭ ‬أكتوبر‭ ‬العظيم‭.‬


**

الصمود‭.. ‬المواجهة‭.. ‬الردع
‮«‬حرب‭ ‬الألف‭ ‬يوم‮»‬
إعادة‭ ‬الثقة‭ ‬للجنود‭.. ‬تحطيم‭ ‬صورة‭ ‬إسرائيل‭.. ‬معرفة‭ ‬إمكانات‭ ‬العدو

‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬الاستنزاف‮»‬،‭ ‬هو‭ ‬مصطلح‭ ‬أطلقه‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر،‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬اندلعت‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬وإسرائيل‭ ‬على‭ ‬ضفتي‭ ‬قناة‭ ‬السويس،‭ ‬بعد‭ ‬احتلال‭ ‬سيناء،‭ ‬وبدأت‭ ‬أحداثها‭ ‬منذ‭ ‬تقدم‭ ‬المدرعات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬إلى‭ ‬مدينة‭ ‬بور‭ ‬فؤاد،‭ ‬لاحتلالها‭ ‬في‭ ‬يوليو‭ ‬1967،‭ ‬وتصدت‭ ‬لها‭ ‬قوات‭ ‬الصاعقة‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬‮«‬رأس‭ ‬العش‮»‬،‭ ‬واستمرت‭ ‬الحرب‭ ‬لنحو‭ ‬3‭ ‬سنوات،‭ ‬واصلت‭ ‬قواتنا‭ ‬خلالها‭ ‬استنزاف‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وأطلق‭ ‬عليها‭ ‬العدو‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬الألف‭ ‬يوم‮»‬،‭ ‬من‭ ‬ثقل‭ ‬وأعباء‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬عليهم،‭ ‬وفي‭ ‬7‭ ‬أغسطس‭ ‬1970‭ ‬انتهت‭ ‬المواجهات‭ ‬بقرار‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬عبدالناصر‭ ‬وقبول‭ ‬مبادرة‭ ‬‮«‬روجرز‮»‬‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭.‬
الصمود‭ ‬والمواجهة
بدأت‭ ‬مصر‭ ‬صراعها‭ ‬المسلح‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل‭ ‬بمرحلة‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬مرحلة‭ ‬الصمود،‭ ‬وكان‭ ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬سرعة‭ ‬إعادة‭ ‬البناء،‭ ‬ووضع‭ ‬الهيكل‭ ‬الدفاعي،‭ ‬عن‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬لقناة‭ ‬السويس،‭ ‬واستغرقت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬المدة‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬1967‭ ‬إلى‭ ‬أغسطس‭ ‬1968،‭ ‬واشتملت‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬العمليات‭ ‬المهمة،‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬لها‭ ‬تأثير‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المحلي‭ ‬والعربي‭ ‬والعالمي‭ ‬وهي‭: ‬معركة‭ ‬رأس‭ ‬العش،‭ ‬والتي‭ ‬وقعت‭ ‬أحداثها‭ ‬في‭ ‬1‭ ‬يوليو‭ ‬1967،‭ ‬وتعتبر‭ ‬الشرارة‭ ‬الأولى‭ ‬للحرب،‭ ‬عندما‭ ‬حاولت‭ ‬المدرعات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬احتلال‭ ‬مدينة‭ ‬بور‭ ‬فؤاد،‭ ‬فصدتها‭ ‬قوات‭ ‬الصاعقة‭ ‬المصرية،‭ ‬وفي‭ ‬يومي‭ ‬14‭ ‬و15‭ ‬يوليو‭ ‬1967،‭ ‬نفذت‭ ‬القوات‭ ‬الجوية‭ ‬طلعات‭ ‬هجومية‭ ‬جريئة‭ ‬ضد‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬في‭ ‬سيناء‭ ‬المحتلة،‭ ‬أحدثت‭ ‬خسائر‭ ‬فادحة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬للاشتباك‭ ‬الكبير‭ ‬للمدفعية،‭ ‬والتي‭ ‬ركزت‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬إمكاناتها‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬شرق‭ ‬الإسماعيلية‭ ‬20‭ ‬سبتمبر‭ ‬1967،‭ ‬وتمكنت‭ ‬خلاله‭ ‬من‭ ‬تدمير‭ ‬وإصابة‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الدبابات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وقاذفات‭ ‬مدفعية‭ ‬صاروخية،‭ ‬وقتل‭ ‬25‭ ‬إسرائيليًا‭ ‬و‭ ‬300‭ ‬جريح‭ ‬منهم‭ ‬ضابطان‭ ‬برتبة‭ ‬كبيرة،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬إغراق‭ ‬المدمرة‭ ‬البحرية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬إيلات،‭ ‬في‭ ‬21‭ ‬أكتوبر‭ ‬1967،‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬شمال‭ ‬شرق‭ ‬بورسعيد،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬تلغيم‭ ‬الميناء‭ ‬وقتل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العسكريين‭ ‬وإغراق‭ ‬بارجة‭ ‬إسرائيلية،‭ ‬بواسطة‭ ‬رجال‭ ‬الضفادع‭ ‬البشرية‭ ‬المصريين،‭ ‬كما‭ ‬استمرت‭ ‬معارك‭ ‬المدفعية‭ ‬والتراشق‭ ‬بالنيران‭ ‬طوال‭ ‬مرحلة‭ ‬الصمود،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬نشاط‭ ‬أفراد‭ ‬القناصة‭ ‬المهرة،‭ ‬الذين‭ ‬قنصوا‭ ‬أفراد‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬وقادته،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬نقاط‭ ‬المراقبة،‭ ‬أو‭ ‬أثناء‭ ‬تحركهم‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬للقناة‭.‬
أما‭ ‬مرحلة‭ ‬الدفاع‭ ‬النشط،‭ ‬أو‭ ‬المواجهة‭ ‬فكان‭ ‬الغرض‭ ‬منها‭ ‬تنشيط‭ ‬الجبهة‭ ‬والاشتباك‭ ‬بالنيران‭ ‬مع‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬لتقييد‭ ‬حركة‭ ‬قواتها‭ ‬في‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬للقناة،‭ ‬وتكبيدها‭ ‬قدرًا‭ ‬من‭ ‬الخسائر‭ ‬في‭ ‬الأفراد‭ ‬والمعدات،‭ ‬واستمرت‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬1968،‭ ‬إلى‭ ‬فبراير‭ ‬1969‭ ‬وأرادت‭ ‬مصر‭ ‬خلالها‭ ‬أن‭ ‬تبـدأها‭ ‬بقوة،‭ ‬لتعلن‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬إقليميًا‭ ‬وعالميًا،‭ ‬وتصيب‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬بأكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الخسائر،‭ ‬وقد‭ ‬شملت‭ ‬أعمال‭ ‬قصف‭ ‬مدفعية‭ ‬مركزة،‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأعيرة،‭ ‬وشعر‭ ‬العدو‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬أن‭ ‬السيطرة‭ ‬النيرانية‭ ‬قد‭ ‬آلت‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬المصرية،‭ ‬حيث‭ ‬تكبدت‭ ‬إسرائيل‭ ‬خسائر‭ ‬جسيمة‭.‬
التحدي‭ ‬والردع
‭ ‬تطور‭ ‬القتال‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬أطلق‭ ‬عليها‭ ‬الاستنزاف‭ ‬أو‭ ‬مرحلة‭ ‬التحدي‭ ‬والردع،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬عبور‭ ‬بعض‭ ‬القوات‭ ‬والإغارة‭ ‬على‭ ‬القوات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وشهد‭ ‬مارس‭ ‬1969،‭ ‬أهم‭ ‬مراحل‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الجولتين‭ ‬الثالثة‭ ‬والرابعة‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وقد‭ ‬أديرت‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭ ‬سياسيًا‭ ‬وعسكريًا‭ ‬بتنسيق‭ ‬متكامل‭ ‬لتحقق‭ ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬ولتتوازن‭ ‬في‭ ‬التصعيد‭ ‬والتهدئة،‭ ‬وتحددت‭ ‬مهامها‭ ‬في‭ ‬تقييد‭ ‬حرية‭ ‬تحركات‭ ‬العدو‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية‭ ‬للقناة،‭ ‬وإرهاقه‭ ‬وإحداث‭ ‬أكبر‭ ‬خسائر‭ ‬به،‭ ‬وكانت‭ ‬هـذه‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬من‭ ‬8‭ ‬مارس‭ ‬1969‭ ‬إلى‭ ‬8‭ ‬أغسطس‭ ‬1970،‭ ‬طويلة‭ ‬وشاقة،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تقـل‭ ‬عسكريًا‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬جولة‭ ‬من‭ ‬جولات‭ ‬الصراع‭ ‬العربي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬بل‭ ‬تعد‭ ‬أطول‭ ‬جولة‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭.‬
ومع‭ ‬توالي‭ ‬الأحداث‭ ‬وتصاعدها،‭ ‬بدأت‭ ‬تتصاعد‭ ‬موجات‭ ‬السخط‭ ‬للشعب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬خصوصًا‭ ‬مع‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬خسائرها‭ ‬التي‭ ‬تتزايد‭ ‬يومًا‭ ‬بعد‭ ‬يوم‭ ‬وفي‭ ‬داخل‭ ‬القيادة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬نفسها،‭ ‬ولم‭ ‬يأت‭ ‬النقد‭ ‬العنيف‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬إسرائيل‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أيضًا،‭ ‬التي‭ ‬صدمت‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬الوجود‭ ‬السوفياتي‭ ‬في‭ ‬مسرح‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وشعرت‭ ‬أوروبا‭ ‬أن‭ ‬تأثيرات‭ ‬الحرب‭ ‬انعكست‭ ‬عليها،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬انتقلت‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬إلى‭ ‬أبعاد‭ ‬جديدة،‭ ‬بتدمير‭ ‬الحفار‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬ميناء‭ ‬أبيدجان‭ ‬عاصمة‭ ‬ساحل‭ ‬العاج،‭ ‬واحتمال‭ ‬امتداده‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬بترولية‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬المصالح‭ ‬الغربية‭.‬
روجرز
ووجدت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يحقق‭ ‬مصالحها‭ ‬أو‭ ‬مصالح‭ ‬إسرائيل،‭ ‬لذلك‭ ‬سعت‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬مبادرة‭ ‬روجرز،‭ ‬التي‭ ‬تقدم‭ ‬بها‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكي،‭ ‬19‭ ‬يونيو‭ ‬1970‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬ووجد‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر‭ ‬أن‭ ‬قبولها‭ ‬أمر‭ ‬ممكن،‭ ‬لإعطاء‭ ‬فرصة‭ ‬للقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬لاستعادة‭ ‬كفاءتها‭ ‬القتالية‭ ‬بعد‭ ‬حرب‭ ‬متصلة‭ ‬استمرت‭ ‬قرابة‭ ‬الألف‭ ‬يوم،‭ ‬ووجدت‭ ‬فيها‭ ‬إسرائيل‭ ‬فرصة‭ ‬للخروج‭ ‬من‭ ‬أزمتها‭ ‬وإيقاف‭ ‬نزيف‭ ‬الخسائر‭ ‬الذي‭ ‬تتعرض‭ ‬له،‭ ‬وقبلت‭ ‬الأطراف‭ ‬المبادرة‭ ‬وأُعلن‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النيران‭ ‬اعتبارًا‭ ‬من‭ ‬8‭ ‬أغسطس‭ ‬1970‭.‬
وأكد‭ ‬الخبراء‭ ‬العسكريون،‭ ‬أن‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬هى‭ ‬التى‭ ‬مهدت‭ ‬الطريق‭ ‬لنصر‭ ‬6‭ ‬أكتوبر،‭ ‬وأنها‭ ‬كانت‭ ‬المدرسة‭ ‬التي‭ ‬أعدت‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬المصرية‭ ‬لحرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬المجيدة‭ ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬لنا‭ ‬كل‭ ‬تجمعات‭ ‬العدو‭ ‬وطريقة‭ ‬اقترابه‭ ‬في‭ ‬الهجوم‭ ‬والشكل‭ ‬القتالي‭ ‬الذي‭ ‬يتواجد‭ ‬به‭ ‬كما‭ ‬كشفت‭ ‬لنا‭ ‬أيضا‭ ‬عدد‭ ‬طائرات‭ ‬العدو‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬الجو‭ ‬والأخري‭ ‬بالمظلات‭ ‬مما‭ ‬ساعدنا‭ ‬علي‭ ‬إعداد‭ ‬خطة‭ ‬أكتوبر‭ ‬ونجاح‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬الباسلة‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬طائرات‭ ‬العدو‭ ‬وهي‭ ‬علي‭ ‬الأرض‭.‬


*********

خطة‭ ‬فاجأت‭ ‬العدو‭.. ‬وأبهرت‭ ‬العالم
الخداع‭ ‬الإستراتيجى‭ .. ‬مفتاح‭ ‬النصر‭ ‬
حالة‭ ‬التأهب‭ ‬بالقواعد‭ ‬الجوية‭.. ‬تسريح‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬جندى‭.. ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬العمرة‭.. ‬وتنظيم‭ ‬الدورات‭ ‬الرياضية‭ .. ‬مناورات‭ ‬عسكرية


حرب‭ ‬73‭ ‬أكتوبر‭ ‬وتحرير‭ ‬سيناء‭ ‬نسيج‭ ‬متكامل‭ ‬من‭ ‬الإعداد‭ ‬والتخطيط‭ ‬والتنفيذ‭ ‬لأبطالنا‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬وخطة‭ ‬الخداع‭ ‬الإستراتيجي‮ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬النصر‭ ‬العظيم،‭ ‬حيث‭ ‬تم‭ ‬خداع‭ ‬دول‭ ‬كاملة‭ ‬على‭ ‬رأسها‭ ‬إسرائيل‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تتوقع‭ ‬أو‭ ‬تتخيل‭ ‬الهجوم‭ ‬المصري‭ ‬عليها‭.‬    
في‭ ‬يوليو‭ ‬1972‭ ‬اجتمع‭ ‬الرئيس‭ ‬السادات‭ ‬مع‭ ‬قادة‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬لوضع‭ ‬خطة‭ ‬خداع‭ ‬استراتيجي‭ ‬يسمح‭ ‬لمصر‭ ‬بالتفوق‭ ‬على‭ ‬التقدم‭ ‬التكنولوجي‭ ‬والتسليحي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إخفاء‭ ‬أي‭ ‬علامات‭ ‬للاستعداد‭ ‬للحرب‭ ‬وحتى‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬إسرائيل‭ ‬بضربة‭ ‬إجهاضية‭ ‬للقوات‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬الإعداد‭ ‬على‭ ‬الجبهة،‭ ‬واشتملت‭ ‬الخطة‭ ‬على‭ ‬ستة‭ ‬محاور‭ ‬رئيسية‭:‬
الجبهة‭ ‬الداخلية
المحور‭ ‬الأول‭ ‬يتعلق‭ ‬بالجبهة‭ ‬الداخلية،‭ ‬وتضمن‭ ‬عدة‭ ‬إجراءات‭ ‬منها‭ ‬استيراد‭ ‬مخزون‭ ‬استراتيجي‭ ‬من‭ ‬القمح،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تسريب‭ ‬معلومات‭ ‬بأن‭ ‬أمطار‭ ‬الشتاء‭ ‬قد‭ ‬غمرت‭ ‬صوامع‭ ‬القمح،‭ ‬وأفسدت‭ ‬ما‭ ‬بها،‭ ‬وتحوّل‭ ‬الأمر‭ ‬لفضيحة‭ ‬إعلامية‭ ‬استوردت‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬أثرها‭ ‬الكميات‭ ‬المطلوبة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬إخلاء‭ ‬المستشفيات‭ ‬تحسباً‭ ‬لحالات‭ ‬الطوارئ،‭ ‬وذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تسريح‭ ‬ضابط‭ ‬طبيب‭ ‬من‭ ‬الخدمة‭ ‬وتعيينه‭ ‬بمستشفى‭ ‬الدمرداش،‭ ‬ليعلن‭ ‬عن‭ ‬اكتشافه‭ ‬تلوث‭ ‬المستشفى‭ ‬بميكروب،‭ ‬ووجوب‭ ‬إخلائها‭ ‬من‭ ‬المرضى‭ ‬لإجراء‭ ‬عمليات‭ ‬التطهير،‭ ‬وفي‭ ‬اليوم‭ ‬التالى‭ ‬نشرت‭ ‬‮«‬الأهرام‮»‬‭ ‬الخبر‭ ‬معربة‭ ‬عن‭ ‬مخاوفها‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬التلوّث‭ ‬قد‭ ‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬مستشفيات‭ ‬أخرى،‭ ‬فصدر‭ ‬قرار‭ ‬بإجراء‭ ‬تفتيش‭ ‬على‭ ‬باقي‭ ‬المستشفيات،‭ ‬وأخليت‭ ‬جميعها‭.. ‬كما‭ ‬تم‭ ‬استيراد‭ ‬مصادر‭ ‬بديلة‭ ‬للإضاءة‭ ‬أثناء‭ ‬تقييد‭ ‬الإضاءة‭ ‬خلال‭ ‬الغارات،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تنسيق‭ ‬أحد‭ ‬المندوبين‭ ‬مع‭ ‬مهرب‭ ‬قطع‭ ‬غيار‭ ‬سيارات‭ ‬لتهريب‭ ‬صفقة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬المصابيح‭ ‬مختلفة‭ ‬الأحجام،‭ ‬وبمجرد‭ ‬وصول‭ ‬الشحنة‭ ‬كان‭ ‬رجال‭ ‬حرس‭ ‬الحدود‭ ‬في‭ ‬الانتظار،‭ ‬واستولوا‭ ‬عليها‭ ‬كاملة‭ ‬وتم‭ ‬عرضها‭ ‬بالمجمعات‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬ومن‭ ‬أجل‭ ‬تقليل‭ ‬الانتباه‭ ‬العام‭ ‬دعا‭ ‬الفريق‭ ‬أول‭ ‬أحمد‭ ‬إسماعيل‭ ‬جميع‭ ‬وزراء‭ ‬الحكومة‭ ‬يوم‭ ‬27‭ ‬سبتمبر‭ ‬1973‭ ‬لزيارة‭ ‬هيئة‭ ‬الأركان‭ ‬العامة‭ ‬لإطلاعهم‭ ‬على‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الأجهزة‭ ‬المكتبية‭ ‬والحاسبات‭ ‬الآلية‭.‬
نقل‭ ‬المعدات‭ ‬للجبهة
المحور‭ ‬الثاني‭ ‬تضمن‭ ‬إجراءات‭ ‬تتعلق‭ ‬بنقل‭ ‬المعدات‭ ‬الثقيلة‭ ‬للجبهة‭ ‬كالدبابات،‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬نقل‭ ‬ورش‭ ‬التصليح‭ ‬إلى‭ ‬الخطوط‭ ‬الأمامية،‭ ‬ودفع‭ ‬الدبابات‭ ‬إلى‭ ‬هناك‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬بحجة‭ ‬إصابتها‭ ‬بأعطال،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬نقل‭ ‬معدات‭ ‬العبور‭ ‬والقوارب‭ ‬المطاطية‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تسريب‭ ‬المخابرات‭ ‬تقريراً‭ ‬يطلب‭ ‬فيه‭ ‬الخبراء‭ ‬استيراد‭ ‬كمية‭ ‬مضاعفة‭ ‬من‭ ‬معدات‭ ‬العبور‭ ‬مما‭ ‬أثار‭ ‬سخرية‭ ‬إسرائيل،‭ ‬وعندما‭ ‬وصلت‭ ‬الشحنة‭ ‬ميناء‭ ‬الإسكندرية،‭ ‬ظلّت‭ ‬ملقاة‭ ‬بإهمال‭ ‬على‭ ‬الرصيف‭ ‬حتى‭ ‬المساء‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬إجراءات‭ ‬أمنية‭ ‬توحى‭ ‬بالاستهتار‭ ‬واللامبالاة،‭ ‬وأتت‭ ‬سيارات‭ ‬الجيش‭ ‬فنقلت‭ ‬نصف‭ ‬الكمية‭ ‬إلى‭ ‬منطقة‭ ‬صحراوية‭ ‬بضاحية‭ ‬‮«‬حلوان‮»‬،‭ ‬وتمّ‭ ‬تكديسها‭ ‬وتغطيتها‭ ‬على‭ ‬مرمى‭ ‬البصر‭ ‬فوق‭ ‬مصاطب‭ ‬لتبدو‭ ‬ضعف‭ ‬حجمها‭ ‬الأصلي،‭ ‬فيما‭ ‬قامت‭ ‬سيارات‭ ‬مقاولات‭ ‬مدنية‭ ‬بنقل‭ ‬الكمية‭ ‬الباقية‭ ‬للجبهة‭ ‬مباشرة‭.‬
خداع‭ ‬ميداني
المحور‭ ‬الثالث،‭ ‬خداع‭ ‬ميداني،‭ ‬وضمن‭ ‬إجراءات‭ ‬منها‭ ‬توفير‭ ‬معلومات‭ ‬حيوية‭ ‬سمحت‭ ‬ببناء‭ ‬نماذج‭ ‬لقطاعات‭ ‬خط‭ ‬بارليف‭ ‬في‭ ‬الصحراء‭ ‬الغربية‭ ‬لتدريب‭ ‬الجنود‭ ‬عليها‭ ‬وخداع‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية‭ ‬لملء‭ ‬المعسكر‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬الخيام‭ ‬البالية‭ ‬والأكشاك‭ ‬الخشبية‭ ‬المتهالكة،‭ ‬ولافتات‭ ‬قديمة‭ ‬لشركات‭ ‬مدنية،‭ ‬وفي‭ ‬يوليو‭ ‬1972‭ ‬صدر‭ ‬قرار‭ ‬بتسريح‭ ‬30‭ ‬ألف‭ ‬من‭ ‬المجندين‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬وكان‭ ‬معظمهم‭ ‬خارج‭ ‬التشكيلات‭ ‬المقاتلة‭ ‬الفعلية،‭ ‬وفي‭ ‬مواقع‭ ‬خلفية‭. ‬
التمويه‭ ‬برفع‭ ‬درجة‭ ‬الاستعداد‭ ‬القصوى‭ ‬للجيش‭ ‬وإعلان‭ ‬حالة‭ ‬التأهب‭ ‬في‭ ‬المطارات‭ ‬والقواعد‭ ‬الجوية‭ ‬من‭ ‬22‭ ‬إلى‭ ‬25‭ ‬سبتمبر،‭ ‬مما‭ ‬يضطر‭ ‬إسرائيل‭ ‬لرفع‭ ‬درجة‭ ‬استعداد‭ ‬قواتها‭ ‬تحسباً‭ ‬لأي‭ ‬هجوم،‭ ‬ثم‭ ‬يعلن‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬مجرد‭ ‬تدريب‭ ‬روتيني‭ ‬حتى‭ ‬جاء‭ ‬يوم‭ ‬6‭ ‬أكتوبر‭ ‬فظنت‭ ‬المخابرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬أنه‭ ‬مجرد‭ ‬تدريب‭ ‬آخر‭ ‬وبدأ‭ ‬القتال‭ ‬تحت‭ ‬ستار‭ ‬المناورة‭ ‬العسكرية‭ ‬المشتركة‭ ‬‮«‬تحرير‭ ‬23‮»‬،‭ ‬ثم‭ ‬استبدلت‭ ‬خرائط‭ ‬التدريب‭ ‬بخرائط‭ ‬العملية‭ ‬‮«‬بدر‮»‬‭ ‬وكانت‭ ‬البرقيات‭ ‬والرسائل‭ ‬المصرية‭ ‬التي‭ ‬تعترضها‭ ‬المخابرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬تؤكد‭ ‬أنباء‭ ‬تلك‭ ‬المناورة‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬استبعاد‭ ‬إسرائيل‭ ‬لفكرة‭ ‬الحرب‭ .‬
‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬تم‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬رحلات‭ ‬العُمْرة‭ ‬لضباط‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬والجنود،‭ ‬وكذا‭ ‬تنظيم‭ ‬دورات‭ ‬رياضية‭ ‬عسكرية‭ ‬مما‭ ‬يتنافى‭ ‬وفكرة‭ ‬الاستعداد‭ ‬للحرب،‭ ‬كما‭ ‬شوهد‭ ‬الجنود‭ ‬المصريون‭ ‬على‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭ ‬للقناة‭ ‬صبيحة‭ ‬يوم‭ ‬الحرب‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استرخاء‭ ‬وخمول،‭ ‬ويتظاهر‭ ‬بعضهم‭ ‬بأكل‭ ‬القصب‭ ‬وأكل‭ ‬البرتقال،‭ ‬ولإخفاء‭ ‬نية‭ ‬القوات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬نشر‭ ‬خبر‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬سبتمبر‭ ‬عام‭ ‬1973،‭ ‬عن‭ ‬توجه‭ ‬3‭ ‬قطع‭ ‬بحرية‭ ‬مصرية‭ ‬إلي‭ ‬أحد‭ ‬الموانئ‭ ‬الباكستانية‭ ‬لإجراء‭ ‬العمرات‭ ‬وأعمال‭ ‬الصيانة‭ ‬الدورية‭ ‬لها،‭ ‬وبالفعل‭ ‬تحركت‭ ‬القطع‭ ‬الثلاث‭ ‬إلى‭ ‬ميناء‭ ‬عدن‭ ‬وهناك‭ ‬أمضت‭ ‬أسبوعاً‭ ‬ثم‭ ‬صدر‭ ‬لهم‭ ‬الأمر‭ ‬بالتوجه‭ ‬إلي‭ ‬أحد‭ ‬الموانئ‭ ‬الصومالية‭ ‬في‭ ‬زيارة‭ ‬رسمية‭ ‬استغرقت‭ ‬أسبوعاً‭ ‬آخر‭ ‬لزيارة‭ ‬بعض‭ ‬الموانئ‭ ‬الصومالية،‭ ‬ثم‭ ‬عادت‭ ‬القطع‭ ‬الثلاث‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬إلي‭ ‬عدن‭ ‬وهناك‭ ‬جاءتهم‭ ‬الإشارة‭ ‬الكودية‭ ‬في‭ ‬مساء‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭ ‬بالتوجه‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬محددة‭ ‬لها‭ ‬عند‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬في‭ ‬سرية‭ ‬تامة‭ ‬عند‭ ‬نقط‭ ‬تسمح‭ ‬لها‭ ‬بمتابعة‭ ‬حركة‭ ‬جميع‭ ‬السفن‭ ‬العابرة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬رادارياً‭ ‬وتفتيشها،‭ ‬ومنع‭ ‬السفن‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬من‭ ‬عبور‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬طوال‭ ‬الحصار‭.‬
خداع‭ ‬سياسى
أما‭ ‬عن‭ ‬الخداع‭ ‬السياسى‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬اختيار‭ ‬موعد‭ ‬هجوم‭ ‬تحتفل‭ ‬فيه‭ ‬إسرائيل‭ ‬بعيد‭ ‬الغفران‭ ‬اليهودي،‭ ‬وتغلق‭ ‬خلاله‭ ‬المصالح‭ ‬الحكومية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬الإذاعة‭ ‬والتليفزيون‭ ‬كما‭ ‬اختير‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬الظروف‭ ‬المناخية‭ ‬والسياسية‭ ‬المواتية،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬منشغلاً‭ ‬بالمعارك‭ ‬الانتخابية‭ ‬التشريعية،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬زيارة‭ ‬قائد‭ ‬القوات‭ ‬الجوية‭ ‬اللواء‭ ‬حسنى‭ ‬مبارك‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا‭ ‬يوم‭ ‬5‭ ‬أكتوبر،‭ ‬ثم‭ ‬تقرر‭ ‬تأجيلها‭ ‬لعصر‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬6‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973‭.‬
وجه‭ ‬المشير‭ ‬أحمد‭ ‬إسماعيل‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬وزير‭ ‬الدفاع‭ ‬الروماني‭ ‬لزيارة‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬الاثنين‭ ‬8‭ ‬أكتوبر‭ ‬وأعلن‭ ‬رسمياً‭ ‬أنه‭ ‬سيكون‭ ‬في‭ ‬استقباله‭ ‬شخصياً‭ ‬لدى‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬مطار‭ ‬القاهرة،‭ ‬كما‭ ‬أعلن‭ ‬رسمياً‭ ‬عن‭ ‬الاستعداد‭ ‬لاستقبال‭ ‬الأميرة‭ ‬مارجريت‭ ‬صباح‭ ‬الأحد‭ ‬7‭ ‬أكتوبر‭.‬
وعن‭ ‬استعدادات‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬فقد‭ ‬اشتملت‭ ‬الخطة‭ ‬على‭ ‬تحييد‭ ‬دور‭ ‬الملحقين‭ ‬العسكريين‭ ‬وضباط‭ ‬المخابرات‭ ‬بالسفارات‭ ‬بوضعهم‭ ‬تحت‭ ‬رقابة‭ ‬صارمة‭ ‬لمنع‭ ‬وصولهم‭ ‬إلى‭ ‬معلومات‭ ‬تمس‭ ‬سرية‭ ‬الاستعداد‭ ‬للحرب،‭ ‬حتى‭ ‬وصل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬ترحيل‭ ‬الملحق‭ ‬العسكري‭ ‬الإسباني‭ ‬مصاباً‭ ‬خلال‭ ‬معركة‭ ‬بالأيدي‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬طائرة‭ ‬إسعاف،‭ ‬لنقله‭ ‬تحركات‭ ‬سلاح‭ ‬الطيران‭ ‬المصري‭ ‬دقيقة‭ ‬بدقيقة‭.‬
تضليل‭ ‬العدو
أما‭ ‬عن‭ ‬إجراءات‭  ‬تضليل‭ ‬العدو‭ ‬فتم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬توفير‭ ‬المعلومات‭ ‬السرية‭ ‬عن‭ ‬العدو‭ ‬وتضليله‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬رجال‭ ‬جهاز‭ ‬المخابرات‭ ‬العامة‭ ‬ومنهم‭ ‬أشرف‭ ‬مروان،‭ ‬ورفعت‭ ‬الجمال‭ ‬‮«‬رأفت‭ ‬الهجان‮»‬،‭ ‬أحمد‭ ‬الهوان‭ ‬‮«‬جمعة‭ ‬الشوان‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬استخدمت‭ ‬اللهجة‭ ‬النوبية‭ ‬لتشفير‭ ‬الرسائل‭ ‬المهمة‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬أثناء‭ ‬المعركة‭ ‬لتضليل‭ ‬معترضي‭ ‬تلك‭ ‬الرسائل‭.‬

********


تهيئة‭ ‬الشعب‭.. ‬الاستعداد‭ ‬العسكرى‭.. ‬الإعداد‭ ‬السياسى‭.. ‬الاقتصاد‭ ‬الوطنى
تجهيز‭ ‬قوى‭ ‬الدولة‭ ‬الشاملة
تعبئة‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭.. ‬رفع‭ ‬الوعى‭ ‬والروح‭ ‬المعنوية‭.. ‬بث‭ ‬الوطنية‭.. ‬واقتصاد‭ ‬الحرب‭..  ‬كلمة‭ ‬السر


‭ ‬جسدت‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬المجيدة‭ ‬وإسقاط‭ ‬الأسطورة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬عبقرية‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬الحر‭ ‬الأبي‭ ‬وقواته‭ ‬المسلحة‭ ‬التي‭ ‬غيرت‭ ‬مفاهيم‭ ‬الفكر‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬معركة‭ ‬العبور‭ ‬مرجعًا‭ ‬يدرس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬جيوش‭ ‬العالم،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬معجزة‭ ‬عسكرية‭ ‬بكل‭ ‬المقاييس‭.‬
بعد‭ ‬67‭ ‬وحالة‭ ‬الانكسار‭ ‬التي‭ ‬خيمت‭ ‬على‭ ‬الشعب‭ ‬المصري‭ ‬قررت‭ ‬الدولة‭ ‬تجميع‭ ‬قوى‭ ‬الدولة‭ ‬الشاملة‭ ‬وتعبئة‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬والالتفاف‭ ‬حول‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭ ‬هو‭ ‬تحرير‭ ‬الأرض‭ ‬واسترداد‭ ‬الكرامة،‭ ‬وكان‭ ‬خطاب‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬جمال‭ ‬عبدالناصر،‭ ‬بداية‭ ‬تصحيح‭ ‬المسار‭ ‬حيث‭ ‬اعترف‭ ‬بالهزيمة‭ ‬وتحمله‭ ‬المسئولية‭ ‬معلنًا‭ ‬تنحيه‭ ‬عن‭ ‬الرئاسة‭ ‬ليخرج‭ ‬الملايين‭ ‬في‭ ‬مظاهرات‭ ‬شعبية‭ ‬حاشدة‭ ‬يرفضون‭ ‬التنحي‭ ‬يطالبون‭ ‬بالحرب‭ ‬واسترداد‭ ‬أرض‭ ‬الفيروز،‭ ‬لتبدأ‭ ‬مرحلة‭ ‬إعداد‭ ‬الدولة‭ ‬وتجهيزها‭ ‬للحرب‭ ‬والتي‭ ‬شملت‭  ‬عدة‭ ‬محاور‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تهيئة‭ ‬الشعب،‭ ‬وإعداد‭ ‬الأجهزة‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الإعداد‭ ‬السياسى،‭ ‬والإقتصاد‭ ‬الوطنى،‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬وتجهيز‭ ‬أرض‭ ‬الدولة‭ ‬كمسرح‭ ‬للعمليات،‭ ‬وجاء‭ ‬من‭ ‬بعدها‭ ‬مرحلة‭ ‬الصمود‭ ‬والاستنزاف‭.‬
الشعب
بدأ‭ ‬إعداد‭ ‬الشعب‭ ‬للحرب‭ ‬بإصدار‭ ‬القوانين‭ ‬المنظمة‭ ‬للعلاقة‭ ‬بين‭ ‬الشعب‭ ‬فى‭ ‬جميع‭ ‬فئاته‭ ‬والقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬والدولة،‭ ‬مثل‭ ‬إصدار‭ ‬قانون‭ ‬التجنيد‭ ‬وتعديل‭ ‬شروطه‭ ‬وقانون‭ ‬التعبئة‭ ‬العامة‭ ‬للأفراد‭ ‬والمعدات‭ ‬والمنشآت،‭ ‬وألزمت‭ ‬القوانين‭ ‬الأفراد‭ ‬الذين‭ ‬خرجوا‭ ‬من‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬ويخضعون‭ ‬لخطة‭ ‬التعبئة‭ ‬والتدريب‭ ‬تم‭ ‬استدعاؤهم‭ ‬للجيش‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬كما‭ ‬تمت‭ ‬تعبئة‭ ‬الجيش‭ ‬بأفراد‭ ‬مدنيين‭ ‬يمتهنون‭ ‬مهن‭ ‬معينة‭ ‬مثل‭ ‬الأطباء‭ ‬والممرضين‭ ‬والمهندسين‭ ‬فى‭ ‬بعض‭ ‬التخصصات،‭ ‬وكذلك‭ ‬فقد‭ ‬استدعت‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬النقل‭ ‬المدنية‭ ‬للحرب،‭ ‬حيث‭ ‬تمت‭ ‬تعبئة‭ ‬سيارات‭ ‬النقل‭ ‬والأتوبيسات‭ ‬العامة‭ ‬ووضعها‭ ‬ضمن‭ ‬خطة‭ ‬التعبئة‭ ‬الشعبية،‭ ‬وكذلك‭ ‬تم‭ ‬رفع‭ ‬الوعى‭ ‬الشعبى‭ ‬لدى‭ ‬المصريين‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مناهج‭ ‬التعليم‭ ‬فى‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات،‭ ‬ولعب‭ ‬الأزهر‭ ‬الشريف‭ ‬والكنيسة‭ ‬دورا‭ ‬وطنيا‭ ‬مهما‭ ‬فى‭ ‬تعبئة‭ ‬الشعب‭ ‬ورفع‭ ‬روحهم‭ ‬المعنوية،‭ ‬وأيضا‭ ‬استخدمت‭ ‬الدولة‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬والتليفزيون‭ ‬فى‭ ‬بث‭ ‬الروح‭ ‬الوطنية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأناشيد‭ ‬والأغانى‭ ‬الوطنية‭.‬
مكاسب‭ ‬دبلوماسية
فترة‭ ‬إعداد‭ ‬الدولة‭ ‬لحرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬بدأت‭ ‬عقب‭ ‬نكسة‭ ‬1967‭ ‬مباشرة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سعى‭ ‬مصر‭ ‬السياسى‭ ‬والدبلوماسى‭ ‬الى‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وقد‭ ‬حققت‭ ‬مكاسب‭ ‬دبلوماسية‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التحركات‭ ‬تمثلت‭ ‬فى‭ ‬إدانة‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلى‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬والأراضى‭ ‬العربية،‭ ‬وإصدار‭ ‬القرار‭ ‬رقم‭ ‬242‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الذى‭ ‬يطالب‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالانسحاب‭ ‬من‭ ‬الأراضى‭ ‬المحتلة،‭ ‬الا‭ ‬أن‭ ‬اسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تنفذ‭ ‬القرار‭ ‬واستمرت‭ ‬فى‭ ‬الاحتلال،‭ ‬كما‭ ‬استمر‭ ‬سعى‭ ‬مصر‭ ‬لقبول‭ ‬مبادرات‭ ‬السلام‭ ‬التى‭ ‬أعلنت‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬مثل‭ ‬مبادرتى‭ ‬‮«‬يارنج‮»‬‭ ‬و»روجرز‮»‬،‭ ‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬مبادرات‭ ‬مصرية‭ ‬عديدة‭ ‬للسلام،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬اسرائيل‭ ‬أعلنت‭ ‬من‭ ‬جانبها‭ ‬رفضها‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭.‬
كما‭ ‬بدأت‭ ‬مصر‭ ‬فى‭ ‬تجميع‭ ‬القوى‭ ‬العربية‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولى‭ ‬وتوصلت‭ ‬الى‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬ما‭ ‬أخذ‭ ‬بالقوة‭ ‬لا‭ ‬يسترد‭ ‬الا‭ ‬بالقوة‮»‬‭ ‬فى‭ ‬توصيات‭ ‬مؤتمر‭ ‬القمة‭ ‬العربية‭ ‬فى‭ ‬الخرطوم،‭ ‬الذى‭ ‬عقد‭ ‬فى‭ ‬29‭ ‬أغسطس‭ ‬1967،‭ ‬بمشاركة‭ ‬رؤساء‭ ‬11‭ ‬دولة‭ ‬عربية،‭ ‬وكان‭ ‬للرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬دور‭ ‬دبلوماسى‭ ‬كبير‭ ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬يوحد‭ ‬القوى‭ ‬العربية‭ ‬فى‭ ‬تحالف‭ ‬واحد‭ ‬قوى‭ ‬والتنسيق‭ ‬معه‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬الحرب‭ ‬واستعادة‭ ‬الأرض‭ ‬فى‭ ‬ظل‭ ‬تعنت‭ ‬إسرائيل‭ ‬ورفضها‭ ‬لكل‭ ‬سبل‭ ‬السلام،‭ ‬وتجلت‭ ‬تحركات‭ ‬السادات‭ ‬وعصمت‭ ‬عبدالمجيد‭ ‬فى‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وكواليسها‭ ‬للتغطية‭ ‬على‭ ‬استعدادات‭ ‬مصر‭ ‬للحرب‭.‬
واستطاعت‭ ‬مصر‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬بناء‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬وتكوين‭ ‬قيادات‭ ‬ميدانية‭ ‬جديدة،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬استحداث‭ ‬الجيشين‭ ‬الثانى‭ ‬والثالث‭ ‬الميدانيين،‭ ‬وإعداد‭ ‬القيادات‭ ‬التعبوية‭ ‬الجديدة،‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬القيادات‭ ‬فى‭ ‬السلاح‭ ‬الجوى،‭ ‬وإدخال‭ ‬نظم‭ ‬تدريب‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أساسى‭ ‬للحرب،‭ ‬والتدريب‭ ‬على‭ ‬مسارح‭ ‬مشابهة‭ ‬لمسرح‭ ‬عمليات‭ ‬الحرب،‭ ‬كما‭ ‬احتفظت‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬بالقوة‭ ‬الرئيسية‭ ‬من‭ ‬المجندين،‭ ‬واستعدت‭ ‬للحرب‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حديث‭ ‬فى‭ ‬تكنولوجيا‭ ‬التسليح‭ ‬وقامت‭ ‬بتطوير‭ ‬أسلحة‭ ‬المشاة‭ ‬واستبدلت‭ ‬الدبابات‭ ‬القديمة‭ ‬وتم‭ ‬إحلال‭ ‬المدفعية‭ ‬القديمة‭ ‬بأخرى‭ ‬متطورة‭ ‬وتم‭ ‬الدفع‭ ‬بطائرات‭ ‬حديثة‭ ‬فى‭ ‬سلاح‭ ‬الدفاع‭ ‬الجوى‭ ‬وإدخال‭ ‬طرازات‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬قصيرة‭ ‬ومتوسطة‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬الصواريخ‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬وكذلك‭ ‬تطوير‭ ‬معدات‭ ‬المهندسين‭ ‬العسكريين‭ ‬وأجهزة‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الألغام‭ ‬وإدخال‭ ‬أسلحة‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬ابتكرها‭ ‬مهندسون‭ ‬مصريون‭ ‬مثل‭ ‬قاذفات‭ ‬اللهب‭ ‬المحمولة‭ ‬على‭ ‬الأكتاف‭ ‬ومسدسات‭ ‬المياه‭ ‬التى‭ ‬استخدمت‭ ‬فى‭ ‬هدم‭ ‬خط‭ ‬برليف‭ ‬الرملى،‭ ‬وتم‭ ‬تدريب‭ ‬الجنود‭ ‬على‭ ‬أسلوب‭ ‬اقتحام‭ ‬الموانع‭ ‬المائية‭ ‬والنقاط‭ ‬القوية‭ ‬المشرفة‭ ‬على‭ ‬حمايتها،‭ ‬وأسلوب‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬مناطق‭ ‬التمركز‭ ‬والوحدات‭ ‬والمعسكرات‭ ‬لمواجهة‭ ‬العناصرالمتمركزة‭ ‬خلف‭ ‬خطوط‭ ‬الدفاع‭ ‬الإسرائيلى،‭ ‬وكذلك‭ ‬إجراء‭ ‬المشروعات‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬القيادة‭ ‬التعبوية‭ ‬والإستراتيجية،‭ ‬أو‭ ‬المشروعات‭ ‬التكتيكية‭ ‬للجنود‭ ‬على‭ ‬موضوعات‭ ‬الهجمة‭ ‬المنتظرة‭ ‬من‭ ‬العدو،‭ ‬واستمرار‭ ‬وتكرار‭ ‬هذه‭ ‬المشروعات‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬سمى‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬خطة‭ ‬الخداع‭ ‬الإستراتيجى‮»‬‭ ‬التى‭ ‬وضعها‭ ‬المشير‭ ‬محمد‭ ‬عبدالغنى‭ ‬الجمسى‭ ‬والتى‭ ‬أوحت‭ ‬للعدو‭ ‬وقتها‭ ‬بعدم‭ ‬جدية‭ ‬مصر‭ ‬فى‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬الحرب‭.‬
اقتصاد‭ ‬حرب
أما‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المصرى‭ ‬فقد‭ ‬تحول‭ ‬قبل‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬الى‭ ‬‮»‬اقتصاد‭ ‬الحرب‮«‬‭ ‬وهذا‭ ‬يعنى‭ ‬تعبئة‭ ‬جميع‭ ‬المصانع‭ ‬ومنتجاتها‭ ‬لاستيفاء‭ ‬احتياجات‭ ‬اللقوات‭ ‬المسلحة‭ ‬وكان‭ ‬للشعب‭ ‬المصرى‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬الفارقة‭ ‬من‭ ‬التاريخ‭ ‬حيث‭ ‬تحمل‭ ‬الكثير،‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬لتحويل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الى‭ ‬الحرب‭ ‬أثر‭ ‬مباشر‭ ‬على‭ ‬الصناعة‭ ‬المدنية،‭ ‬ولجأت‭ ‬الدولة‭ ‬ضمن‭ ‬خطتها‭ ‬فى‭ ‬خداع‭ ‬العدو‭ ‬الى‭ ‬توقيع‭ ‬تعاقدات‭ ‬دولية‭ ‬لتوريد‭ ‬السلع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مثل‭ ‬القمح‭ ‬على‭ ‬مدد‭ ‬زمنية‭ ‬غير‭ ‬منتظمة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬تلفت‭ ‬انتباه‭ ‬العدو‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تقوم‭ ‬بتخزينها‭ ‬وقد‭ ‬تم‭ ‬تحقيق‭ ‬الاحتياطى‭ ‬اللازم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬السلع‭ ‬ليكفى‭ ‬احتياجات‭ ‬الدولة‭ ‬لمدة‭ ‬6‭ ‬أشهر‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬مباشرة‭.‬
مسرح‭ ‬العمليات
وعن‭ ‬مسرح‭ ‬عمليات‭ ‬أكتوبر‭ ‬73‭ ‬فقد‭ ‬تم‭ ‬إعداد‭ ‬كل‭ ‬أراضى‭ ‬الدولة‭ ‬كمسرح‭ ‬حرب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬الطرق‭ ‬اللازمة‭ ‬لتحرك‭ ‬القوات‭ ‬وقد‭ ‬اشتركت‭ ‬كل‭ ‬قطاعات‭ ‬الدولة‭ ‬المدنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬فى‭ ‬إنشاء‭ ‬هذه‭ ‬الطرق،‭ ‬وكان‭ ‬يتم‭ ‬وقتها‭ ‬الاعلان‭ ‬عن‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكة‭ ‬الطرق‭ ‬طبقا‭ ‬للخطة‭ ‬الخمسية‭ ‬لوزارة‭ ‬النقل‭ ‬والمواصلات‭ ‬فتم‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكة‭ ‬طرق‭ ‬كبيرة‭ ‬ومدقات‭ ‬لخدمة‭ ‬المناطق‭ ‬الجبلية‭ ‬فى‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬إنشاء‭ ‬شبكات‭ ‬كبارى‭ ‬صنعت‭ ‬خصيصا‭ ‬لتتحمل‭ ‬عبور‭ ‬المعدات‭ ‬الثقيلة‭ ‬مثل‭ ‬الدبابات‭ ‬والمدرعات‭ ‬وناقلات‭ ‬المعدات‭ ‬الحربية،‭ ‬وكذلك‭ ‬كبارى‭ ‬حديدية‭ ‬مؤقتة‭ ‬لهذه‭ ‬المهمة‭ ‬وكذلك‭ ‬إنشاء‭ ‬التحصينات‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬المعركة‭ ‬وزرع‭ ‬الألغام‭ ‬اللازمة‭ ‬لتأمين‭ ‬مسرح‭ ‬العمليات‭ ‬من‭ ‬العدو‭.‬
كما‭ ‬استعدت‭ ‬الدولة‭ ‬بإنشاء‭ ‬مطارات‭ ‬عسكرية‭ ‬جديدة‭ ‬وقريبة‭ ‬من‭ ‬الضفة‭ ‬وتحصينها‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬الدشم‮»‬‭ ‬وإنشاء‭ ‬شبكات‭ ‬المواصلات‭ ‬السلكية‭ ‬واللاسلكية‭ ‬وخطوط‭ ‬الإمداد‭ ‬بالوقود‭ ‬والمياه‭ ‬فى‭ ‬مسرح‭ ‬العمليات‭ ‬لتسهيل‭ ‬عملية‭ ‬العبور‭ ‬الى‭ ‬الضفة‭ ‬الشرقية،‭ ‬وإنشاء‭ ‬الملاجئ‭ ‬للمدنيين‭ ‬فى‭ ‬المدن‭ ‬والقرى‭ ‬لحمايتهم‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬نيران‭ ‬العدو‭ ‬حول‭ ‬الأهداف‭ ‬الحيوية‭ ‬التى‭ ‬قد‭ ‬يستهدفها‭ ‬فى‭ ‬تلك‭ ‬المناطق‭.‬
أجهزة‭ ‬الدولة
دعا‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬جمال‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬مجلس‭ ‬الدفاع‭ ‬الوطنى‭ ‬عام‭ ‬1968‭ ‬والذى‭ ‬تكون‭  ‬من‭ ‬رئيس‭ ‬الجمهورية‭ ‬ورئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬و5‭ ‬وزارات‭ ‬أساسية‭ ‬هى‭ (‬الدفاع،‭ ‬والداخلية،‭ ‬والخارجية،‭ ‬والإعلام،‭ ‬والمالية‭) ‬بالإضافة‭ ‬الى‭ ‬باقى‭ ‬الوزارات‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬السيادية،‭ ‬وكان‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬إنشاء‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬هو‭ ‬وجود‭ ‬تنسيق‭ ‬فعلى‭ ‬بين‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬لتذليل‭ ‬العقبات‭ ‬فى‭ ‬سبيل‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬سريعة‭ ‬وحاسمة‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الاجراءات‭ ‬الحكومية‭ ‬الروتينية‭ ‬المعروفة،‭ ‬وتسهيل‭ ‬كل‭ ‬العقبات‭ ‬التى‭ ‬تواجه‭ ‬أى‭ ‬خطوة‭ ‬فى‭ ‬الحرب‭.‬


******

البطل‭ ‬‮«‬أحمد‭ ‬إدريس‮»‬‭ ‬صاحب‭ ‬الفكرة‭ ‬العبقرية‭:‬
‮«‬الشفرة‭ ‬النوبية‮»‬‭.. ‬لغة‭ ‬تنطق‭ ‬ولا‭ ‬تكتب‭.. ‬هزمت‭ ‬الغطرسة‭ ‬الإسرائيلية

المساعد‭ ‬أحمد‭ ‬محمد‭ ‬أحمد‭ ‬إدريس،‭ ‬الشهير‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬أحمد‭ ‬إدريس‮»‬،‭ ‬أحد‭ ‬أبطال‭ ‬حرب‭ ‬أكتوبر‭ ‬1973،‭ ‬ابن‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة،‭ ‬صاحب‭ ‬فكرة‭ ‬‮«‬الشفرة‭ ‬النوبية‮»‬‭ ‬أو‭ ‬اللغة‭ ‬النوبية‭ ‬التي‭ ‬استخدمت‭ ‬في‭ ‬الحرب،‭ ‬ووقف‭ ‬أمامها‭ ‬العدو‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬عاجزاً‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يمكنه‭ ‬من‭ ‬إمكانات‭. ‬
قصة‭ ‬المساعد‭ ‬أحمد‭ ‬إدريس،‭ ‬كما‭ ‬رواها‭ ‬قبل‭ ‬وفاته،‭ ‬بدأت‭ ‬عندما‭ ‬تطوع‭ ‬بالجيش‭ ‬المصري‭ ‬في‭ ‬سلاح‭ ‬حرس‭ ‬حدود‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1954‭ ‬وحتى‭ ‬عام‭ ‬1994،‭ ‬وأثناء‭ ‬فترة‭ ‬تولي‭ ‬الرئيس‭ ‬الراحل‭ ‬محمد‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬الرئاسة،‭ ‬كانت‭ ‬توجد‭ ‬هناك‭ ‬بعض‭ ‬المشاكل‭ ‬من‭ ‬أهمها‭ ‬عملية‭ ‬فك‭ ‬الشفرات،‭ ‬فأمر‭ ‬القادة‭ ‬العسكريين‭ ‬لإيجاد‭ ‬حلول‭ ‬جذرية‭ ‬لتلك‭ ‬المشكلة،‭ ‬ومن‭ ‬حسن‭ ‬الحظ‭ ‬كان‭ ‬منتدباً‭ ‬مع‭ ‬رئيس‭ ‬الأركان‭ ‬‮«‬أحمد‭ ‬محمد‭ ‬أحمد‭ ‬تحسين‭ ‬شنن‮»‬،‭ ‬وفي‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬سمع‭ ‬ما‭ ‬دار‭ ‬بينه‭ ‬وبين‭ ‬العقيد‭ ‬‮«‬عادل‭ ‬سوكة‮»‬‭ ‬بخصوص‭ ‬ذلك‭ ‬الموضوع،‭ ‬فاقترح‭ ‬عليه‭ ‬استخدام‭ ‬اللغة‭ ‬النوبية‭ ‬كشفرة‭ ‬غير‭ ‬معروفة،‭ ‬لكونها‭ ‬في‭ ‬الأساس‭ ‬لغة‭ ‬تنطق‭ ‬ولا‭ ‬تكتب،‭ ‬ولن‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬فك‭ ‬طلاسمها‭ ‬غير‭ ‬النوبيين‭ ‬فقط،‭ ‬فكان‭ ‬كلامه‭ ‬هذا‭ ‬أحد‭ ‬أسباب‭ ‬استدعائه‭ ‬إلي‭ ‬رئاسة‭ ‬الجمهورية‭ ‬لمقابلة‭ ‬الرئيس‭ ‬محمد‭ ‬أنور‭ ‬السادات،‭ ‬بعدما‭ ‬علم‭ ‬بمدي‭ ‬أهمية‭ ‬ما‭ ‬ذكره‭ ‬بطريقة‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬عفوية،‭ ‬وبالفعل‭ ‬توجه‭ ‬إلى‭ ‬قصر‭ ‬الرئاسة‭ ‬وقابل‭ ‬الرئيس‭ ‬وشرح‭ ‬له‭ ‬بالتفصيل‭ ‬قصة‭ ‬هذه‭ ‬اللغة‭ ‬وكيفية‭ ‬توظيفها‭ ‬واستخدامها‭ ‬لتصبح‭ ‬شفرة‭ ‬غير‭ ‬مفهومة،‭ ‬وذكر‭ ‬له‭ ‬أيضاً‭ ‬النوبيين‭ ‬الذين‭ ‬يتحدثونها‭ ‬بطلاقة‭ ‬تامة‭ ‬علي‭ ‬خلاف‭ ‬غيرهم‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬تهجيرهم‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1964،‭ ‬وقد‭ ‬أعجب‭ ‬بالفكرة‭ ‬الرئيس،‭ ‬وطلب‭ ‬منه‭ ‬عدم‭ ‬إخبار‭ ‬أي‭ ‬شخص‭ ‬بهذا‭ ‬السر‭ ‬مهما‭ ‬كان،‭ ‬وذلك‭ ‬نظراً‭ ‬لخطورته‭ ‬وأهميته‭ ‬القصوى‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬وبعدها‭ ‬حصل‭ ‬علي‭ ‬إجازة‭ ‬لمدة‭ ‬10‭ ‬أيام،‭ ‬عاد‭ ‬للوحدة‭ ‬وفوجئ‭ ‬بخطاب‭ ‬من‭ ‬قيادة‭ ‬الجيش‭ ‬يتضمن‭ ‬إحضار‭ ‬الرقيب‭ ‬أحمد‭ ‬محمد‭ ‬أحمد‭ ‬إدريس‭ ‬بكامل‭ ‬مهماته‭ ‬الي‭ ‬القيادة،‭ ‬وعندما‭ ‬ذهب‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬الجيش‭ ‬وجد‭ ‬بالفعل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬النوبيين،‭ ‬ثم‭ ‬تم‭ ‬وضعهم‭ ‬في‭ ‬معسكر‭ ‬مغلق،‭ ‬تدربوا‭ ‬خلاله‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬جهاز‭ ‬صغير‭ ‬مع‭ ‬معرفة‭ ‬كيفية‭ ‬إصلاحه،‭ ‬فكانت‭ ‬مهمتهم‭ ‬هي‭ ‬العبور‭ ‬خلف‭ ‬خطوط‭ ‬العدو‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬قوارب‭ ‬مطاطية‭ ‬والتمركز‭ ‬في‭ ‬أبيار‭ ‬‮«‬صهاريج‭ ‬المياه‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تتجمع‭ ‬فيها‭ ‬مياه‭ ‬السيول،‭ ‬وذلك‭ ‬لمتابعة‭ ‬تحركات‭ ‬العدو‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬أعدادهم‭ ‬وأماكن‭ ‬تنقلهم،‭ ‬وبدأوا‭ ‬العمل‭ ‬علي‭ ‬نقل‭ ‬أخبارهم،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬حصر‭ ‬عدد‭ ‬مركباتهم‭ ‬حيث‭ ‬كانوا‭ ‬لا‭ ‬يسيرون‭ ‬علي‭ ‬أقدامهم،‭ ‬بل‭ ‬كانوا‭ ‬يستخدمون‭ ‬المدرعات‭ ‬أو‭ ‬الدبابات‭ ‬في‭ ‬السير،‭ ‬وبناءً‭ ‬علي‭ ‬حصر‭ ‬أعدادها‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬معرفة‭ ‬أعداد‭ ‬هؤلاء‭ ‬الجنود‭ ‬الإسرائيليين‭ ‬الموجودين‭ ‬هناك‭. ‬
وفي‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬وقت‭ ‬الظهيرة،‭ ‬سمعوا‭ ‬تحركات‭ ‬شديدة‭ ‬وأصوات‭ ‬الدبابات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تسير‭ ‬فوق‭ ‬الأبيار‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬نمكث‭ ‬فيها،‭ ‬ثم‭ ‬شعرنا‭ ‬بالهدوء‭ ‬فجأةً،‭ ‬فتسللوا‭ ‬لمعرفة‭ ‬ذلك‭ ‬عند‭ ‬الغروب،‭ ‬فوجدوا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬200‭ ‬تريلا‭ ‬محملة‭ ‬بالكثير‭ ‬من‭ ‬الدبابات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الجديدة‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬طريقها‭ ‬إلي‭ ‬خط‭ ‬الأوسط،‭ ‬فقمنا‭ ‬علي‭ ‬الفور‭ ‬بإبلاغ‭ ‬هذه‭ ‬المعلومة،‭ ‬فقام‭ ‬قائد‭ ‬الطيران‭ ‬آنذاك‭ ‬بإرسال‭ ‬طائرات‭ ‬قامت‭ ‬بضرب‭ ‬هذه‭ ‬التريلا‭ ‬حتى‭ ‬تحولت‭ ‬إلي‭ ‬كتل‭ ‬متهالكة‭ ‬لا‭ ‬تصلح‭ ‬لأي‭ ‬شيء،‭ ‬ونجحت‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬تدميرها‭ ‬بالكامل،‭ ‬وفي‭ ‬مساء‭ ‬اليوم‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬تم‭ ‬سحب‭ ‬كل‭ ‬الجنود‭ ‬الموجودين‭ ‬خلف‭ ‬خطوط‭ ‬العدو،‭ ‬وانضموا‭ ‬إلي‭ ‬الوحدات،‭ ‬لتبدأ‭ ‬المعركة‭ ‬بين‭ ‬القوات‭ ‬المصرية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬والتي‭ ‬انتهت‭ ‬بالنصر‭ ‬المبين‭.‬





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق