بعد الهزيمة التى تعرضت لها مصر فى الخامس من يونيو 67، أدركت القيادة السياسية ضرورة بناء مؤسسة عسكرية وفق أسس علمية حديثة ، لذلك بدأت عملية البناء ووضعت جميع إمكانات الدولة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من أجل استعادة الارض والكرامة ، بينما كان الهدف الاستراتيجى والذى يتواصل حتى كتابة تلك السطور بعد نحو 50 عامًا هو استمرار عمليات تطوير القوات المسلحة وتقويتها بأفضل العتاد والمعدات وأكفأ الرجال من ناحية اللياقة والكفاءة والمهارة القتالية.
بدأت مصر حربها ضد إسرائيل بمرحلة أطلق عليها اسم «مرحلة الصمود» وهى سرعة إعادة البناء، ووضع الهيكل الدفاعى عن الضفة الغربية لقناة السويس، أما مرحلة «الدفاع النشط»، فقد كان الغرض منها تنشيط الجبهة والاشتباك بالنيران مع القوات الإسرائيلية؛ بغرض تقييد حركة قواتها فى الخطوط الأمامية على الضفة الشرقية للقناة، وتكبيدها قدرًا من الخسائر فى الأفراد والمعدات، وتصاعد القتال إلى مرحلة جديدة أطلق عليها «الاستنزاف»، وذلك من خلال عبور بعض القوات، والإغارة على القوات الإسرائيلية، وكان الهدف منها تكبيد إسرائيل أكبر قدر من الخسائر فى الأفراد والمعدات.
رأس العش
وبعد أيام فقط من النكسة بدأت سلسلة من العمليات العسكرية الناجحة ففى الساعات الأولى من صباح 1 يوليو 67، وصلت القوات الإسرائيلية إلى منطقة رأس العش جنوب بورفؤاد، وجدت قوة مصرية محدودة من قوات الصاعقة المصرية قوامها 30 مقاتلاً مزودون بالأسلحة الخفيفة، وفى حين كانت القوة الإسرائيلية تتكون من عشر دبابات مدعمة بقوة مشاة ميكانيكية فى عربات نصف مجنزرة، وفوجئت القوة الإسرائيلية بالمقاومة العنيفة للقوات المصرية التى أنزلت بها خسائر كبيرة فى المعدات والأفراد أجبرتها على التراجع جنوبا، وعاود جيش الاحتلال الهجوم مرة أخري، إلا أنه فشل فى اقتحام الموقع بالمواجهة أو الالتفاف من الجنب، وكانت النتيجة تدمير بعض العربات نصف المجنزرة وزيادة خسائر الأفراد، وانسحبت القوات الإسرائيلية بعد صدمة الهزيمة غير المتوقعة بعد ثلاثة أسابيع من النكسة.
المدمرة إيلات
وقامت القوات البحرية بإغراق المدمرة البحرية الإسرائيلية إيلات، فى البحر الأبيض المتوسط، أمام مدينة بورسعيد فى 21 أكتوبر 67 بعد دخولها المياه الإقليمية المصرية فى تحد سافر وتمت عملية إغراق المدمرة الإسرائيلية إيلات بواسطة 4 صواريخ بحرية سطح/ سطح، كانت هى الأولى من نوعها فى تاريخ الحروب البحرية، وبداية مرحلة جديدة من مراحل تطوير الأسلحة البحرية و استراتيجيات القتال البحرى فى العالم، فقد تم فى هذه العملية تدمير مدمرة حربية كبيرة بلنش صواريخ للمرة الأولى فى التاريخ ، وهى عملية مختلفة عن الثلاث عمليات الأخرى بالهجوم على ميناء إيلات، والتى تم فيها إغراق 4 سفن نواقل وتفجير الرصيف الحربى للميناء.
الغواصة داكار
وبعد ان سلمت البحرية البريطانية الغواصة الحديثة داكار لإسرائيل، وعند مقربة من الحدود المصرية الغربية، صدرت أوامر، يوم 10 نوفمبر 67 لقائد الغواصة بالتجسس على أحواض لنشات الصواريخ المصرية بمقر قيادة القوات البحرية المصرية بالإسكندرية، وتلقت هيئة عمليات القوات البحرية من عدة قطع بحرية، تفيد بأن هناك صوتاً يبدو وكأنها غواصة تقترب من حدود مصر الإقليمية، وبسرعة اتخذ القرار بالهجوم ، وبدأت المدمرات بإلقاء القذائف واحدة تلو الأخرى وبأعداد كبيرة، حتى صدرت أوامر مباشر من قائد الغواصة الإسرائيلية بالنزول الى أقصى عمق ممكن لتفادى الصدمة الانفجارية التى يمكن وحدها أن تؤدى الى تدمير المعدات الإلكترونية داخل الغواصة، وبعد عدة ساعات شوهدت بقع زيتية ومخلفات تطفو على سطح المياه ما قطع الشك باليقين ان الغواصة قد قضى عليها.
بالوظة ورمانة
كان للقوات الإسرائيلية على الساحل الشمالى لسيناء موقعان، أحدهما لتجمعات إدارية فى منطقة رمانة، والثانى موقع صواريخ هوك فى بالوظة، وتجمعات شئون إدارية فى شرقى بورسعيد بحوالى 40 كيلومترًا، وصدرت التعليمات بتدميرهما، بواسطة المدمرتين الناصر ودمياط، بالتعاون مع لنشات الطوربيد والصواريخ.
ركزت فكرة العملية على أساس أن تغادر المدمرتان ميناء الإسكندرية، لكى تكونا أمام فنار البرلس عند الغروب، ثم يستكملان إبحارهما شرقًا حيث تلتقيان أمام بورسعيد بمجموعة من لنشات الطوربيد والصواريخ، التى ستقوم بواجب الحراسة، ثم يستكمل التشكيل إبحاره شرقًا للوصول إلى الموقع فى الساعة الحادية عشرة، مساءً يوم التنفيذ.
ثم يبدأ فوج المدفعية الساحلية المتمركزة فى قاعدة بورسعيد، فى ضرب الموقع الإسرائيلى شرق بور فؤاد، حتى يتيقن الإسرائيليون من أن الضرب يأتيهم من اتجاه بورسعيد، وفى ذلك الوقت تكون المدمرات قد وصلت موقع ضرب منطقتى رمانة وبالوظة، وكانت السّرية والخداع هما العاملان الرئيسيان لنجاح العملية ، وتمت العملية طبقًا للمخطط تمامًا، وبدأت رحلة العودة إلى الإسكندرية، ولكن بعد خمس دقائق ظهر هدف جوي، يحوم فوق المدمرات، تبين أنها طائرة استطلاع إسرائيلية، وكان ذلك يشير إلى توقع هجوم جوى على المدمرتين، وبعد حوالى ربع ساعة ظهرت الطائرات الإسرائيلية، من نوع فانتوم وسكاى هوك فوق المدمرتين، وتمكنت المدمرة «دمياط» من تفادى الهجوم الجوي، وكذلك لنشات الطوربيد والصواريخ بفضل صغر حجمها وسرعتها العالية، حيث تمكنت من دخول بورسعيد ، أما المدمرة «الناصر» فقد كانت هدفًا للهجوم الجوى المكثف للقاذفات المقاتلة الإسرائيلية من كل اتجاه، واشتبكت مدفعيتها مع الطائرات المغيرة، وعلى الرغم من استمرار محاولات الهجوم عليها، إلاّ أنها استطاعت أن تصل ميناء الإسكندرية سالمة أما المواقع الإسرائيلية فى رمانة وبالوظة، فقد ظلت مشتعلة لعدة ساعات متواصلة.
الحفار كينتنج
حاول الإسرائيليون عقب حرب 67 تحطيم الروح المعنوية للشعب المصرى فقرروا استخراج البترول من خليج السويس وذلك فى محاولة لإجبار مصرعلى قبول أحد الأمرين، إما أن تقوم إسرائيل باستنزاف البترول المصري، وإما أن يرفض المصريون ذلك ويهاجموا الحقول المصرية التى تستغلها إسرائيل وهو ما كانت إسرائيل تنتظره لتتخذه كذريعة لضرب حقل «مرجان» حقل البترول الوحيد الباقى فى يد مصر لتحرم الجيش المصرى من إمدادات البترول.
وبدأ الموقف بان هناك خطة إسرائيلية لاستدراج مصر فى مواجهة عسكرية لم تستعد مصر لها جيدا أو يضطر المصريون إلى التراجع والصمت، وعلى ذلك قرر جهاز المخابرات المصرى التقدم باقتراح إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر يقضى بضرب الحفار خارج حدود مصر بواسطة عملية سرية مع عدم ترك أى أدلة تثبت مسئولية المصريين عن هذه العملية.
وتم التخطيط لهذه العملية وبعد تأكد جهاز المخابرات من مصادر سرية أن الحفار سيتوقف فى داكار بالسنغال بجوار قاعدة بحرية فرنسية مما يصعب من عملية تفجيره وبعد وصول الضفادع فوجئ الجميع بالحفار يطلق صفارته معلنا مغادرته للميناء.
وفور وصوله إلى أبيدجان فى فجر 6 مارس 70 والذى تزامن مع مهرجان ضخم لاستقبال عدد من رواد الفضاء الأمريكيين الذين يزورون أفريقيا لأول مرة، قامت جماعات الضفادع البشرية باستثمار هذه الفرصة الذهبية لانشغال السلطات الوطنية بتأمين زيارة رواد الفضاء وحراستهم عن ملاحظة دخول المجموعات وتوجيه الضربة للحفار الذى وقف على بعد أمتار من قصر الرئيس العاجي.
وتجمعت الدفعة الأولى من الضفادع مكونة من 3 أفراد بالإضافة إلى قائدهم وبقى أن يصل باقى المجموعة حيث كان مخططا أن يقوم بالعملية 8 أفراد، وتم تنفيذ العملية دون انتظار وصول باقى الرجال، ونزلت الضفادع المصرية من منطقة الغابات وقاموا بتلغيم الحفار وسمع دوى الإنفجار بينما كان أبطال الضفادع فى طريق عودتهم إلى القاهرة.
الدفاع الوطني
انشأ الزعيم الراحل جمال عبد الناصر مجلس الدفاع الوطنى عام 68 وكان يتكون من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء و5 وزارات أساسية هى الدفاع، والداخلية، والخارجية، والإعلام، والمالية، بالإضافة إلى باقى الوزارات وعدد من الجهات السيادية، وكان الهدف من إنشاء هذا المجلس هو وجود تنسيق فعلى بين مؤسسات الدولة لتذليل العقبات فى سبيل اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة والابتعاد عن الإجراءات الحكومية الروتينية المعروفة، وتسهيل كل العقبات التى تواجه أى خطوة فى الحرب.
الإعداد الاقتصادي
وتحول الاقتصاد المصرى قبل حرب السادس من أكتوبر 73 إلى «اقتصاد الحرب»، وذلك بمعنى تعبئة جميع المصانع ومنتجاتها لاستيفاء احتياجات القوات المسلحة أولا، كما لجأت مصر ضمن خطتها فى خداع العدو إلى توقيع تعاقدات دولية لتوريد السلع الإستراتيجية مثل القمح على مدد زمنية غير منتظمة حتى لا تلفت انتباه العدو إلى أن الدولة تقوم بتخزينها، وقد تم تحقيق الاحتياطى اللازم من هذه السلع ليكفى احتياجات الدولة لمدة 6 أشهر قبل الحرب مباشرة.
الإعداد العسكري
استطاعت مصر أن تعيد بناء القوات المسلحة بتجنيد حملة المؤهلات العليا وتكوين قيادات ميدانية جديدة، وإعداد القيادات التعبوية الجديدة، وإعادة تشكيل القيادات فى السلاح الجوي، وإدخال نظم تدريب على كل ما هو أساسى للحرب، وكذلك التدريب على مسارح مشابهة لمسرح عمليات الحرب.
وتم إنشاء سواتر ترابية مماثلة لخط بارليف على ضفة النيل وتدريب القوات على عبورها، كما احتفظت القوات المسلحة بالقوة الرئيسية من المجندين دون تسريحهم بعد انتهاء فترة تجنيدهم حتى أن بعض المجندين استمروا فى تجنيدهم لمدة 7 سنوات.
وكما استعدت القوات المسلحة للحرب بكل ما هو حديث فى تكنولوجيا التسليح وقامت بتطوير أسلحة المشاة واستبدلت الدبابات القديمة بالجديدة وتم إحلال المدفعية القديمة بأخرى متطورة وتم الدفع بطائرات حديثة وإدخال طرازات جديدة من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدي، إلى جانب الصواريخ طويلة المدى وكذلك تطوير معدات المهندسين العسكريين وأجهزة الكشف عن الألغام وإدخال أسلحة غير تقليدية ابتكرها مهندسون مصريون مثل قاذفات اللهب المحمولة على الأكتاف ومسدسات المياه التى استخدمت فى هدم خط بارليف..وكما أصدرت القيادة العامة توجيهاتها قبل الحرب للتدريب على العمليات بدأ من إعداد الجندى للقتال حتى إعداد الوحدة والوحدة الفرعية للتشكيل للحرب، والتدريب على أسلوب اقتحام الموانع المائية والنقاط القوية المشرفة على حمايتها، وأسلوب الدفاع عن مناطق التمركز والوحدات والمعسكرات لمواجهة العناصر المتمركزة خلف خطوط الدفاع الإسرائيلي.
حائط الصواريخ
ولم تشعر مصر بالاطمئنان لقدرتها على اتخاذ قرار الحرب الشاملة إلا بعد أن نجحت فى انشاء «حائط الصواريخ» المضاد للطائرات على طول خط المواجهة مع إسرائيل وفى العمق المصري، وتم بناؤه فى عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وحمى الجيش أثناء حرب أكتوبر 73.
واستغرق بناء حائط الصواريخ 40 يوما، وكان يضم مجموعات منفصلة من قوات الدفاع الجوى المدفعية المضادة للطائرات، ووحدات الصواريخ، وأجهزة الرادار والإنذار، إضافة إلى مراكز القيادة المشتركة التى أنشأتها مصر عام 70 بهدف صد الهجمات الجوية الإسرائيلية، وكان لهذا الحائط دور كبير فى تحييد القوات الجوية الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر 73، مما سهل عملية العبور واجتياز خط بارليف وإتاحة رءوس الكبارى على الضفة الشرقية لقناة السويس.
الصدمة والرعب
ومع تصاعد الصدمة والرعب فى الجانب الإسرائيلى من خسائر حرب الاستنزاف، اقترحت أمريكا تسوية سلمية عرفت بمبادرة روجرز فى 3 خطط، وأعلنت مصر موافقتها على المبادرة الأمريكية لكسب الوقت لتجهيز الجيش واستكمال حائط الصواريخ، والاستعداد للعبور وفق الخطة العسكرية التى تم إعدادها ، وحققت انتصار أكتوبر 73.
المشهد الأخير
فى الثانية من ظهر يوم السادس من أكتوبر 73، بدأ أكثر من ألفى مدفع ثقيل قصفه لمواقع العدو فى نفس اللحظة التى عبرت فيها سماء القناة مائتان وثمانى طائرات تشكل القوة الجوية المكلفة بالضربة الجوية الأولى التى أصابت مراكز القيادة والسيطرة الإسرائيلية بالشلل التام.
وفى نفس الوقت كان آلاف المقاتلين بدأوا النزول إلى مياه القناة واعتلاء القوارب المطاطية والتحرك تحت لهيب النيران نحو الشاطئ الشرقى للقناة، بعد ذلك بدأت عمليات نصب الكبارى بواسطة سلاح المهندسين، وتحطيم أسطورة الجيش الذى لا يقهر.
اترك تعليق