منذ تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى مقاليد الأمور قبل 10 سنوات ومعركته الأساسية هى البناء والتنمية.. لم يلتفت لمعارك جانبية لمناضلى السوشيال ميديا خلف الشاشات أو أمامها، ولم ينشغل يوما بصغائر الأمور فى معارك سياسية الهدف منها التلاعب بمشاعر جماهير الشعب المصرى.. البناء ثم البناء، فقط كان شغله الشاغل منذ أن تقلد المسئولية.. اتوشكى الخيرب كما أطلق عليه مؤخرا تم تدشينه خلال عهد سابق وواجه ما واجه من عثرات وتوقف وحملات تشكيك كانت كفيلة بدفنه ليصبح أثرا بعد عين.
كان من الممكن استغلال ذلك وتسويقه سياسيا للترويج لفشل نظام سابق دون الالتفات إليه نهائيا والاكتفاء بما تم تدشينه من مشروعات قومية فى مجال الزراعة تمتد بطول مصر وعرضها، لكن الرئيس السيسى دائما حريص على تعظيم قيمة المتاح ومعالجة الأخطاء وإحياء ما كنا نحسبه ميتا هو عند الشعوب عظيم.
هنا توشكى.. فى أقصى جنوب مصر.. هنا يخوض المصريون معركة جديدة من أجل البناء.. معركة هدفها الانتصار ولاشئ غيره.. لتضاف إلى قوائم معارك الشرف والمجد، وما أكثرها فى سجلاتنا.. هنا الملحمة.
كانت الرحلة الأكثر مشقة خلال الثلاث سنوات الماضية، لكن رغبة ما كانت هى الدافع الأكبر للسعى لها، وما أن بدأت خطوات مخاطبة الجهات المسئولة للحصول على التصاريح اللازمة لزيارتها، حتى فوجئت بدعوة الشئون المعنوية للقوات المسلحة لزيارة اتوشكىب أرض النبتة الطيبة بمعناها عند النوبيين أو أرض الأمل بمسماى أنا.
بدأ يومنا فجرا.. توجهنا إلى إحدى القواعد الجوية على أطراف العاصمة، لا يخلو أحدنا من حماسة ونشاط وكأننا فى رحلة لاستكشاف الحلم.
استغرقت رحلتنا إلى مطار ابوسمبل ساعتين أو يزيد.. بمجرد الخروج من باب الطائرة تستقبلك أشعة الشمس بترحاب يكاد يخترق ملابسك ليحتضن جسدك مباشرة.
تحركنا فور الوصول عبر اباصاتب متجهين إلى توشكى والتى تبعد عن المطار قرابة 100 كيلو متر استغرقت رحلتها نحو ساعة ونصف.
الطرق ممهدة بعضها قديم وأكثرها جديد ومنها مايعاد تمهيده وصيانته.
لا أحد ينام فى توشكى.. طوال المسافة كاملة لا يخلو كيلو متر واحد من العمل والبناء.. تمهيد أرض واستصلاح أراض مد طرق وبناء جسور حركة نقل متسارعة وشحن وتفريغ لمحاصيل وبضائع تعطيك إنطباعات أولية بأنه هناك مستقبلاً يبنى هنا.. وملحمة لاسترداد الحلم الذى كان منذ ربع قرن تقريبا.
والحديث عن توشكى قد يطول ولكنك عزيزى القارى لا تمل منه.. توشكى.. إن أردت أن تسمع قصصا لبطولات وانتصارات فى معارك تشبه معارك الدبابات والمدفعيات يكفيك إذن أن ترى جنود وفرسان شركات وطنية من عمال ومهندسين وفنيين وهم ينحتون الجبال لشق الصخور وحفر الترع وتشكيل شرايين مياه فى جسد الصحراء فى مشروعات زراعية جديدة.. آلاف منهم يواصلون الليل بالنهار يسابقون أنفسهم قبل سباق الزمن من أجل إنجاز مهمة أعظم هى تحويل الصحراء إلى أرض خضراء.
وإن أردت أن ترى بشائر الأمل فى غد أفضل فلك أن تنظر إلى مساحات شاسعة من الأرض الخضراء تمتد على مدى البصر قد لاترى لها نهاية من مزارع النخيل التى آن وقت طرحها السنوى لترى الأمل والخير بكل الألوان ومختلف الأنواع.
ترى عمال جنى ثمار البلح داخل أكبر مزرعة للنخيل فى الشرق الأوسط وما تحتويه من مختلف الأنواع منها االبرحى والمجدول والخلاص والرطبب وإلى أخره من أنواع أخرى أغلبها مستحدثة من تمور مصرية وعربية وأشهرها تمور مكة والمدينة.
فى توشكى لا يوجد بطالة.. ولا يوجد خمول أو كسل، لا يوجد غير العمل أينما تنظر تجد الكل يعمل من آلات وقبلها البشر يتحدون رمال الصحراء ومن قبلها الحجر.
فى توشكى تجد مصر بكل طوائفها وأقاليمها.. قابلت مصريين مسلمين وأقباطًا من الشمال ومن الجنوب ومن الغرب قابلت نماذج من المنصورة وكفر الشيخ والإسماعيلية وسوهاج وقنا والفيوم والاقصر وأسوان بطبيعة الحال لم يغب للوطن أبناء.. وكأنه إكليل متناسق الزهور رغم اختلافها ولكنها تسر العين.
فى توشكى شباب ورجال وأصحاب همم وذوو عزيمة يبحثون عن أمل نراه بعيدا ولكنهم يرونه قريبا.. نجدها على بعد سفر ولكنهم يرونها وطنًا.
فى توشكى لا مكان ولا معنى لليأس.. عجلة الأمل تدور ولا تتوقف ما أن تنبت شجرة أو تزهر ثمرة حتى يبحث الرجال عن جورة جديدة ليمهدوها ويستصلحها ويضعوا فيها بذرة أخرى ويرووها ليبعثوا فيها الحياة فى أمد قد يطول وربما يدركون أنهم فى أغلب الأحوال لن ينالوا ثمرتها، لكنهم يرعونها ثمرة للأجيال القادمة لأبناء وطنهم وأبنائهم، خير لهم يستزيدون منه كلما ذاقوا حلاوته.. وما أروعها حلاوة ثمرة الكفاح والجهد العرق.
كان فى استقبالنا فور الوصول إلى المزرعة رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية لزراعة واستصلاح الأراضى الصحراوية.. وهى المسئولة والمنوط بها المشروع ضمن أكثر من موقع لها جنوب مصر منها العوينات وعين دلة والفرافرة.
وأكد أن المستهدف من الزراعات فى توشكى هو زراعة القمح حيث تم زراعة 250 ألف فدان، فيما سيكون المستهدف خلال هذا العام زراعة 450 ألف فدان بزيادة 200 ألف فدان، كما أنه من المستهدف الوصول إلى 600 ألف فدان قمح مع نهاية عام 2024، بمنطقة توشكى، فضلا عن زراعة 230 الف فدان فى العوينات، و320 الف فدان فى الفرافرة وعين دالة.
وأوضح أن المستهدف من زراعة التمور فى توشكى هو زيادة حجم المساحة المنزرعة من 37 ألف فدان إلى 40 ألف فدان ، فضلا عن الزراعات الطبية والعطرية والذرة والليمون والعنب والمانجو وغيرها من المنتجات هذا بالاضافة الى المنشآت الصناعية فى المنطقة مثل مصنع لانتاج السكر ومصنع للاخشاب.
وأوضح أن انشطة الشركة تتنوع ما بين نشاط زراعى عبارة عن أشجار (فواكه - نخيل - قمح - ذرة - بطاطس - خضروات) ونشاط إنتاج حيوانى عبارة عن (تربية الأغنام / الماعز) ونشاط تكميلى يشمل (أبراج حمام - خلايا نحل - تربية بط) وتصنيع قائم على الأنشطة الزراعية.
وكشف أن حجم العمالة المباشرة فى الشركة يبلغ 4 آلاف عامل مدنى نصيب توشكى منهم ما يقرب من 2500 عامل بالاضافة الى العمالة الموسمية، والعمالة غير المباشرة.
الرجل قدم رؤية مختصرة لنشاط الشركة وحجم المشروعات بها وخططها المستقبلية، لكنه يرى أن العين أصدق حديثا من الكتب، فكان حريصا على أن يؤكد مرارا وتكرارا أن ما يقوله سوف نراه رأى العين خلال رفقته فى جولة تفقدية للمشروع.
وقد كان.. وبدأت جولتنا بزيارة مزرعة النخيل والتى تعتبر الأكبر فى الشرق الأوسط بل والعالم طبقا لتقرير وزارة الزراعة الذى أكد دخول المزرعة موسوعة جينيس للأرقام القياسية كأكبر مزرعة نخيل مزروعة فى مساحة واحدة فى العالم.
فى داخل المزرعة تجد منظومة كاملة للعمل بداية بإشراف مهندسين زراعيين عليها لرعاية النخيل وفق أساليب علمية ومدرسة ومرورا بفنيين يشرفون على آليات الرعاية والمتابعة للنخيل ورعاية ثمارها وطرق الحماية والتغليف وانتهاءا بالعمالة التى تقوم بجمع المحاصيل وفرزها وتعبئتها.
تحدثنا إليهم وأكد جميعهم أن إعادة إحياء المشروع واستئناف العمل به أحيا أملا كبيرا لهم فى مستقبل أفضل لهم وللأجيال القادمة مؤكدين أن العمل فى هذه الأجواء الحارة يزول برؤية ثمار النخيل وتحقيق الإنتاج المرجو منه.
استمرت جولة مزرعة النخيل قرابة ساعة كنت أتمنى أن تطول، لكن الوقت لم يتسع لرؤية المزرعة بالكامل، فقد يحتاج ذلك بضعة أيام، ورغم ذلك فما رأيته يكفى فهو عنوان لمعركة الارادة والتحدى التى يخوضها المصريون فى أقصى جنوب مصر.
مزرعة الليمون
كانت رحلتنا التالية فى مزرعة الليمون والتى تمتد لمساحات شاسعة يزينها طرح المحصول خلال هذه الفترة.
عدد كبير من العمال يقومون بجنى المحصول من أشواك شجره يقطفون ما أستوى منه وطاب للزراع.
مهندس المزرعة أكد أنها تحتوى على أكثر من نوع من الليمون أشهرها البنزهير مشيراً إلى أن المزرعة تتم متابعتها بشكل مستمر ورعاية أشجارها وفق خطط علمية مدروسة مؤكدا أن الأشجار مزروعة على مساحات متباعدة لزرع محاصيل موسمية فما بين الأشجار فى موسم الشتاء وأغلبها تكون من القمح مشيراً إلى أن العمالة التى تقوم برعاية أشجار الليمون مدربة وعلى دراية كاملة بطبيعته وفهم تحولات فى مختلف مراحل نموه أو حصاده.
من مزرعة الليمون انطلقنا إلى مزرعة العنب التى تمتد على مساحة آلاف الأفدنة تم جنى بعضها وطرحه فى الأسواق وعند وصولنا وجدنا عملية جنى لمحصول أحد أحواض المزرعة ولحسن حظنا أنى شاركت فى جنى المحصول رفقة العمال، الذين أكدوا أن عناقيد العنب ما هى إلا ثمرة جهودنا على مدار عام كامل من الرعاية لاشجار العنب وأن مكافأتهم هى نجاح الموسم وتحقيق المحصول الوفير.
رغم مشقة الجولة ألا أن متعة الاستكشاف كانت كفيلة بالقضاء على أى تعب أو مشقة، المسافة بين المزرعة والأخرى قد تصل إلى أكثر من 10 كيلو مترات كان علينا أن ننتقل كل هذه المسافات وسط المزارع والأشجار لنرى شبابًا وفرسانًا من أبناء هذا الوطن كل منهم يخوض ملحمة فى موقعه ، فى مزرعة المانجو شباب يسابقون الزمن لجنى المحصول لضخه إلى الأسواق تبدو الفرحة على وجوههم يعملون فى منظومة عمل متكاملة كل منهم يأخذ بيد الاخر لإنجاز العمل بسرعة أكبر للهروب من وطأة الحر الشديد.
فى نهاية جولتنا لمشروع اتوشكى الخيرب توجهنا إلى إحدى محطات الرفع التى تغذى فرع ترعة اتوشكى ٤ب والتقينا المهندس وائل عياد مدير مشروع المرحلة الثالثة لتنمية جنوب الوادى بمنطقة توشكى الذى قال إن تجهيز البنية التحتية لإيصال المياه إلى 100 الف فدان ومستهدف تسليمها فى شهر أكتوبر المقبل للدخول فى موسم الزراعة القادم.
وأشار إلى أن هناك مجموعة من الشركات الوطنية تعمل فى المشروع وعددهم ١١ شركة ويتم التنسيق مع وزارات الرى والزراعة والنقل والشركات للعمل مع أجهزة الرى المحورى موضحا انه تم التوسع بشكل كبير فى عدد من الصناعات أثناء استكمال المشروع تم استخدامها فى عملية الانشاء لتوفير الكثير من الوقت والجهد.
وقال عياد إن من أهم معوقات العمل فى المشروع هو ارتفاع وعلو المنطقة فتم انشاء ٥ محطات رفع للتغلب على فرق الارتفاع، مؤكدا أن العمل يجرى على قدم وساق على مدار اليوم من خلال ٣ ورديات فى ظل صعوبات الطقس.
كما أكد المهندس حسام حسن المدير التنفيذى لمشروع محطة رفع اتوشكى ٤ب أن نطاق عمل الشركة خدمة 23 الف فدان يغذيهم ٢٢٢ جهازا محوريا ومن المتوقع ان يصلوا إلى 40 الف فدان بعد توصيل الوصلات.
ومن جانبه قال المهندس يوسف محمود مدير مشروع إحدى الشركات العاملة فى المشروعات الهندسية ان المشروع يتكون من ٥ محطات فرعية و٣ خطوط شبكات رى، وفى الـ ٥ محطات الفرعية فيها قدرات مضخات تغذى 80 جهاز رش محورى تغطى مساحات ٨ الاف فدان، مضيفا ان نسبة التنفيذ وصلت إلى 95 فى المئة ومن المقرر ان ينتهى خلال 30 سبتمبر المقبل من هذا العام.
اترك تعليق