بقلم الدكتورة / أسماء عبد الرحمن
تعد الحكاية الشعبية من أهم الفنون الشعبية الشفاهية، وأكثرها انتشارا وتداولا، حيث يستهوي الحكي منذ القدم المجتمعات العربية بصفة خاصة والإنسانية بصفة عامة، وكانت قصص القرآن الكريم من أكثر الوسائل التربوية و التعليمية تأثيرا وترسيخا في عقول وقلوب القراء والمستمعين.
لقد كانت الحكاية الشعبية _ومازالت_ وعاء يحفظ فلسفات الناس وأفكارهم ومعتقداتهم و أساطيرهم وغيبياتهم، إنها مخزن ثقافي كبير وعميق لا قرار له، ولا يزال مذاق الحكي اللذيذ الذي لا نشبع من النهل منه، والاستمتاع به عبر مختلف الأزمنة والأمكنة ؛ وعبقه الحكائي يفوح في أرجائنا، ويتصدى لطوفان التكنولوجيا الحديثة رغم ضراوتها.
لقد كانت الحكاية الشعبية انعكاسا لعدة أمواج تتلاطم وتتتابع في المخيلة البشرية ، أمواج تغدو وتروح بين الواقع والخيال ، الحرام والحلال، الظاهر والباطن ، الواقعي والافتراضي ، فكانت حقا مرآة للمجتمع وشهادة صادقة على رقي تلك المجتمعات ثقافيا وفنيا.
لقد كانت الحكاية الشعبية حلقة وصل لذلك المشترك الإنساني بين البشرية بعضها البعض، إنها نص متحرك غير صامت ، يعبر عن أحداثه صوتا وصورة و حركة ولونا ، ليشمل كل أشكال المؤثرات النصية بداخله، وإذا أمعنا النظر وحللنا حكاياتنا الشعبية ، فسندرك يقينا أنها حكايات تنم عن وحدة إنسانية عميقة، لا تعرف التمييز وتؤمن بالتعددية، وتحترم الاختلاف ، بل والتناقض في بعض الأحايين. فلا يستطيع متلقي الحكاية ( مستمعا كان أو قارئا) أن يميز ديانة راويها أو جنسه، أو لونه أو طائفته أو غيرها من تلك الفروق التي ابتدعها الإنسان المعاصر , فقالبها الاستهلالي يكاد يكون موحدا؛ كالبدء بالصلاة على النبي ( صلي علي النبي، صلي عليه، صلي عليه ،صلي على سيدك، صلي ع اللي هيشفع فيك ،...) أو بذكر الله دون الصلاة على نبيه ( اذكر الله ، وحد الله ، وحديه، وحدي الخالق ، ........) , بيد أن بعض الحكايات تجمع بينهما ( اذكري الله وصلي على نبيه ، وحدي الله وصلي عليه ، .....)، وتختتم بخواتيم متقاربة رغم اختلاف الثقافات والمعتقدات ؛(توتة توتة خلصت الحدوتة، وكنت عندكم وجيت وكلت الشوشية والديك، وحكيتكم وحجيت و.......................)، وتلك الجمل التي تعني النهاية واللانهاية، وفيها مشاركة بين الراوي والمتلقي حين يطرح سؤاله الإبداعي المتعارف عليه ( ننهي الحكاية أم لا ( توتة ولا ملتوتة) ، جملة عريقة تفوح بعبق فرعوني وأصالة تتوراثها الأجيال، وتحافظ عليها حفاظا تقديسيا، دون النظر إلى تلك الفوارق التي هي من صنع الإنسان الحضاري المعاصر، والتي لفظتها النفس البشرية ، لذا فلم تحافظ عليها ولم تتناقلها، فلم يرد إلينا نص شعبي حكائي يعبر عن عقيدة إسلامية أو مسيحية، أو غير ذلك من الثوابت العقائدية .
لقد كانت الحكاية الشعبية رمزا صادقا وواقعيا لذلك التكاتف الإنساني، ومرآة عاكسة لكل أوجه الانفتاح على الآخر، والتماهي معه، والتأثر الشديد بعقيدته أو بعاداته أو بسمة مميزة له، وهذا التماهي الإنساني لا يعد غريبا لأبناء حضارة واحدة متباينة التفاصيل والنمنمات، متشابهة البنية والأساس، يتسورون بدفء رقعة جغرافية واحدة، تتمدد جذوها عبر التاريخ والأزمان ..
الدكتورة / أسماء عبد الرحمن
أستاذ الأدب الشعبي المساعد بجامعة أسيوط
[email protected]
اترك تعليق