بقلم - وفاء أنور
تابعت مصادفة حلقة تليفزيونية عن جانب من حياة الكاتب والأديب الكبير الدكتور " يوسف إدريس" منحت سمعي وبصري لها ، وانفصلت عمن حولي لأستمع لسيرته الذاتية التي ترددت على ألسنة ضيوف حلقته الاجلاء ، قرأت في حديثهم الإعجاب به لأمرين اثنين لشخصه أولًا ثم لكتاباته ومواقفه ثانيًا ، عرفت مامر به من ظروف اجتماعية قاسية في بداية حياته منذ أن كان طفلًا يعيش في الريف حياة بؤس وشقاء ، وبأنه كما ذكر في إحدى مقالاته قد ولد في أسرة تنقب عن " الستر " .
كلمات وكلمات وأحلام وجدت طريقها إلى نفسي بين سطورها دفعتني لأتوجه نحو الأعماق في شخصيته خاصةً حين قال في بعض تسجيلاته الإذاعية التي تخللت هذه الحلقة أنه وبرغم عمله كطبيب إلا أنه وجد نفسه يكتب ووجد صدى عظيمًا لما يكتبه عند المتلقي ، فأعلن أنه كان محظوظًا يوم أن عثر على نفسه في طريق يبتعد به تمامًا عن طبيعة عمله ووظيفته، لهذا فقد أخذ أشجع قرار في حياته بأن يتفرغ ليعمل مايحب فيغترف من معين أفكاره ليظل يكتب ويكتب متأثرًا بما مر به من تجارب وأحداث جالت بخاطره ، واختار أن يقدم لنا من فيض تجاربه كتابات كالنهر الذي لايتوقف عن الفيضان في كل مرحلة من مراحل عمره.
قرأنا من قبل رواياته ومقالاته ، وأحببنا ماتحول منها إلى أعمال فنية سينمائية أو مسرحية لكنني أحببت أن أحدثكم بماعرفته عنه اليوم فهذا ماجعلني أصر على وضعه في إطار يناسب سيرته إطار جديد غير الذي وضعته فيه من قبل.
إنسان بسيط حالم ، ثائر ومشاكس ، يتحدث بما يحب ويكتب ما يشاء كأنه منح الحرية لنفسه لأول مرة يوم أن قرر التحليق بجناحيه نحو السماء في طريق سبدفع به نحو العلو والارتقاء ، بعد أن عانى كثيرا في طفولته وهذا ماجعله يقول : " طفولتي البائسة كانت وراء إبداعي " .
يختلف في أرائه مع الآخرين ، ويكاد يجهز على منافسيه بضربة قاضية لاحياة بعدها ، ثم تتحرك دوافع الإنسان الذي لا يقصد الإساءة لغيره بداخله فتدفعه للاعتذار بل وتقديم من هاجمهم من قبل على نفسه ، وضح هذا جليًا في حديثه عن جائزة نوبل التي حصل عليها الكاتب والأديب الكبير "نجيب محفوظ" والتي كان ينتظرها هو بعد أن تم ترشيحه للحصول عليها، وقرر بتمرده الدائم أن يكتب عن أحقيته فيها ثم عاد ليقول أن "نجيب محفوظ" هو الأولى بها .
لقد وضع " يوسف إدريس " نفسه بين كفي رحا حين قام بكتابة كتاب يحمل عنوان " البحث عن السادات " كإسقاط وتلميح منه في اتجاه يشير لكتاب الرئيس الراحل " محمد انور السادات " البحث عن الذات" بعد أن اختلف معه بشأن إتفاقية السلام .
وجدت نفسي كهذا الإنسان الذي يسير على أرض جبلية وعرة يصعد تارة ، ويهبط تارة أخرى فكلما تحدث بحديث بدت فيه ملامح الخشونة وسيطر عليه عناده فيه وجدت نفسي أنتقد فيه هذا بشدة وربما دفعني دفعًا للتحامل عليه ، ثم أهدأ بعد ذلك تمامًا وكأني أتمنى أن أربت على كتفه لأخفف عنه من حجم معاناته التي عاناها في طفولته .
شخصية تذوب معها تؤيدها وتعارضها في نفس الوقت ، تألفها ثم يتسرب شعور بالغربة ليسكن قلبك تجاهها ، وهذا تلخص في حديث ابنه عنه حين أخبره بأن الناس لن تعرف مدى معاناته وقيمة ماقدمه لهم من أعما إلا بعد موته .
التقطت من حديثه جملة آمنت بها كما آمن هو بها من قبل ، جملة تقول أن المعاناة قد تصنعنا وتضعنا في مكان ومكانة لم نكن نتخيلها أو نحلم بها ، وبأننا كنا سنخسر كثيرًا إذ لم نمنح أنفسنا فرصة البحث عنها من جديد وبأننا حين نعثر عليها لانتركها تفلت من أيدينا مهما كلفنا الأمر من تضحيات .
استطاع هذا الأديب الكبير أن يوجد بداخلي شعورين أرى في تجمعهما عبقرية باقية تشير إليه وتثير تساؤلًا في نفسي : كيف جمع هذا الإنسان بداخله هاتان الشخصيتان المتمردة ، والحالمة ، وكيف تقاربتا إلى هذا الحد ؟! .
اترك تعليق