عامر بن ربيعة رضي الله عنه صحابي جليل من أهل بدر وهو من السابقين الأولين أسلم مبكراً قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم، لما سطع نور الإيمان في قلبه ونطق بالشهادتين نذر نفسه لخدمة الإسلام وأحب رسول الله وداوم على ذكر الله سبحانه وتعالى فكان من الذاكرين الذين عمروا البقاع والمساجد بذكر الله وله أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى عن أبى بكر وعمر. وحدث عنه: ولده عبد الله، وابن عمر، وابن الزبير، وأبو أمامه بن سهل، وغيرهم. وكان معه لواء عمر بن الخطاب لما قدم الجابية.
عامر بن ربيعة .. الزاهد في العطايا، هاجر الثلاث هجرات الحبشة الأولى والثانية ثم إلى المدينة المنورة مع زوجته ليلي بنت حثمة العدوية التي كانت أول امرأة مسلمة مهاجرة تدخل المدينة شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونجا رضوان الله عليه من الوقوع في الفتنة الكبرى وعاش كريماً ومضى سليماً. وتوفي سنة خمس وثلاثين بعد قتل ذي النورين الصحابي الجليل ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان رضي الله عنه بعدة أيام.
هو عامر بن ربيعة بن عامر بن مالك بن ربيعة بن حجير بن سلامان بن مالك بن رفيدة بن عنز بن وائل بن قاسط بن هتب بن أفصى بن ربيعة حليف عمر بن الخطاب وروي أن الخطاب كان قد تبناه، فكان يقال له: عامر بن الخطاب حتى نزل القرآن﴿ ادْعُوهُمْ لآَبَائِهِمْ﴾ الآية 5 سورة الأحزاب فرجع عامر إلى نسبه، فقيل: عامر بن ربيعة. ويُكنى أبا عبد الله نسبة إلى ابنه الذي بشر بقدومه رسول الله صلى الله عليه وسلم وروي انه كان لعامر بن أبي ربيعة ابن اسمه: عبد الله وأصابته رمية يوم الطائف فضمر منها – قال يحيى: يعني زمن – فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمه: ودخل عليها وهي بسوء فقال: أبشري بعبد الله خلفا من عبد الله فولدت غلاما فسمته عبد الله فهو أبو عبد الله بن عامر.
اتنظر عامر بن ربيعة رضي الله عنه ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم ليؤمن به ويتبعه تنفيذا لنصيحة زيد بن عمر بن نفيل عم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان من الحنفاء الموحدين في الجاهلية وروي عامر عن ذلك فقال: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَقُولُ: أَنَا أَنْتَظِرُ نَبِيًّا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَلا أراني أدركه. وأنا أؤمن بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَإِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ فَرَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ. وَسَأُخْبِرُكَ مَا نَعْتُهُ حَتَّى لا يَخْفَى عَلَيْكَ.
قُلْتُ: هَلُمَّ!
قَالَ: هُوَ رَجُلٌ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ وَلا بِكَثِيرِ الشَّعْرِ وَلا بِقَلِيلِهِ. وَلَيْسَتْ تُفَارِقُ عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ. وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَاسْمُهُ أَحْمَدُ. وَهَذَا الْبَلَدُ مَوْلِدُهُ وَمَبْعَثُهُ. ثُمَّ يُخْرِجُهُ قَوْمُهُ مِنْهُ وَيَكْرَهُونَ مَا جَاءَ بِهِ حَتَّى يُهَاجِرَ إِلَى يَثْرِبَ فَيَظْهَرَ أَمْرُهُ. فَإِيَّاكَ أَنْ تُخْدَعَ عَنْهُ فَإِنِّي طُفْتُ الْبِلادَ كُلَّهَا أَطْلُبُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ. فَكُلُّ مَنْ أَسْأَلُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ يَقُولُونَ هَذَا الدِّينُ وَرَاءَكَ. وَيَنْعَتُونَهُ مِثْلَ مَا نَعَتُّهُ لَكَ. وَيَقُولُونَ لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ غَيْرُهُ.
قَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: فلما أسلمت أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم قَوْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَأَقْرَأْتُهُ مِنْهُ السَّلامَ.
فَرَدَّ ع وَرَحَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْجَنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُولا.
ودخل عبد الله بن عامر الإسلام واتخذ الصحابي الجليل مصعب بن عمير أخا وصديقاً له فهاجرا سويا للحبشة ثم إلى المدينة حتى استشهد مصعب رضي الله عنه في يوم أحد. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "كَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ لِي خِدْنًا وَصَاحِبًا مُنْذُ يَوْمَ أَسْلَمَ إِلَى أَنْ قُتِلَ. رَحِمَهُ اللَّهُ. بِأُحُدٍ. خَرَجَ مَعَنَا إِلَى الْهِجْرَتَيْنِ جَمِيعًا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. وَكَانَ رَفِيقِي مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ فَلَمْ أَرَ رَجُلا قَطُّ كَانَ أَحْسَنَ خُلُقًا وَلا أَقَلَّ خِلافًا مِنْهُ".
هاجر عامر بن ربيعة رضي الله عنه إلى أرض الحبشة الهجرة الأولى والثانية ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة العدوية، وذلك استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم وفراراً بدينه واتقاءً للفتنة ونشراً للإسلام. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أُمِّهِ لَيْلَى، قَالَتْ: ” كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَيْنَا فِي إِسْلَامِنَا، فَلَمَّا تَهَيَّأْنَا لِلْخُرُوجِ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ جَاءَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَنَا عَلَى بَعِيرٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَوَجَّهَ، فَقَالَ: أَيْنَ يَا أُمَّ عَبْدِ اللهِ؟ فَقُلْتُ: آذَيْتُمُونَا فِي دِينِنَا، فَنَذْهَبُ فِي أَرْضِ اللهِ حَيْثُ لَا نُؤْذَى فِي عِبَادَةِ اللهِ، قَالَ: صَحِبَكُمُ اللهُ، ثُمَّ ذَهَبَ فَجَاءَنِي زَوْجِي عَامِرٌ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ مِنْ رِقَّةِ عُمَرَ، فَقَالَ: تُرَجِّينَ أَنْ يُسْلِمَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: وَاللهِ لَا يُسْلِمُ حَتَّى يُسْلِمَ حِمَارُ الْخَطَّابِ".
اشتد البلاء على المسلمين وضيق المشركون على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشتم والأذى فشكا صحابة الرسول من ذلك واستأذنوه عليه الصلاة والسلام في الهجرة "فَقَالَ: قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ. أُرِيتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ. وَهُمَا الْحَرَّتَانِ. وَلَوْ كَانَتِ السُّرَاةُ أَرْضَ نَخْلٍ وَسِبَاخٍ لَقُلْتُ هِيَ هِيَ. ثُمَّ مَكَثَ أَيَّامًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ مَسْرُورًا فَقَالَ: قَدْ أُخْبِرْتُ بِدَارِ هِجْرَتِكُمْ وَهِيَ يَثْرِبُ. فَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهَا". فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَجَهَّزُونَ وَيَتَوَافَقُونَ وَيَتَوَاسُونَ وَيَخْرُجُونَ وَيُخْفُونَ ذَلِكَ.
وكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ. فَهِيَ أَوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا قَدِمَ أَحَدٌ الْمَدِينَةَ لِلْهِجْرَةِ قَبْلِي إِلا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ. ومَا قَدِمَتْ ظَعِينَةٌ الْمَدِينَةَ أَوَّلَ مِنْ لَيْلَى بِنْتِ أَبِي حَثْمَةَ. يَعْنِي زَوْجَتَهُ. وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عامر بن ربيعة ويزيد بن المنذر بن سرح الأنصاري. يزيد بن المنذر بن سرح بن خناس بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري
وتمتع عامر بن ربيعة رضي الله عنه بمكانة رفيعة لدى النبي صلى الله عليه وسلم الذي شرفه بزيارة لمنزله فقد روي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة. قال: "جاء رسول الله ص إلى بيتنا وأنا صبي صغير. فخرجت ألعب.
فقالت أمي: يا عبد الله تعال أعطيك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أردت أن تعطينه؟
فقالت: أردت أن أعطيه تمرا.
فقال: أما إن لو لم تفعلي. كتبت عليك كذبة.
حرص عامر بن ربيعة رضي الله عنه على ملازمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سباقاً للجهاد في سبيل الله وشارك في أول سرية في الإسلام وهي سرية نخلة وهو بستان ابن عامر، قرب مكة وكان أمير السرية الصحابي الجليل عبد الله بن جحش الأسدي رضي الله عنه، وكانت في رجب على رأس سبعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةِ نَخْلَةٍ، وَمَعَنَا عَمْرُو بْنُ سُرَاقَةَ، وَكَانَ رَجُلًا لَطِيفَ الْبَطْنِ طَوِيلًا، فَجَاعَ فَانْثَنَى صُلْبُهُ، فَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْشِيَ، فَسَقَطَ عَلَيْنَا، فَأَخَذْنَا صَفِيحَةً مِنْ حِجَارَةٍ فَرَبَطْنَا عَلَى بَطْنِهِ، ثُمَّ شَدَدْنَاهَا عَلَى صُلْبِهِ، فَمَشَى مَعَنَا، فَجِئْنَا حَيًّا مِنَ الْعَرَبِ فَضَيَّفُونَا، فَمَشَى مَعَنَا، ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْتُ أَحْسَبُ الرِّجْلَيْنِ يَحْمِلَانِ الْبَطْنَ، فَإِذَا الْبَطْنُ يَحْمِلُ الرِّجْلَيْنِ".
شهد أبو عبدالله عامر بن بي ربيعة بدراً فهو من اهل بدر أصحاب الفضل والسبق في الإسلام والهجرة والجهاد. كما شهد المشاهد وروي انه عقب غزوة حنين بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من بلي وقضاعة قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله فدعا عمرو بن العاص فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء وبعثه في سراة المهاجرين والأنصار في ثلاثمائة منهم عامر بن ربيعة وصهيب بن سنان وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وسعد بن أبي وقاص ومن الأنصار أسيد بن حضير وعبادة بن بشر وسلمة بن سلامة وسعد بن عبادة وأمره أن يستعين بمن مر به من العرب. ثم طلب المدد فأرسل له النبي صلى الله عليه وسلم مدداً بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ولما التقى الجمعان أصيب عامر بن ربيعة بسهم في ذراعه.
وكان رضي الله عنه زاهداً في الدنيا رافضاً للعطايا حريصاً على المشاركة في كافة المواقع والسرايا فعن عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب فأكرم عامر مثواه وكلم فيه رسول الله صلِّ الله عليه وسلم فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت رسول الله صلِّ الله عليه وسلم وادياً ما في العرب واد أفضل منه، وقد أردت أن أقطع لك منه قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، قال عامر: لا حاجة لي في قطيعتك نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ اية 1 سورة الأنبياء
وعقب انتقال رسول الله صلى الله علية وسلم إلى الرفيق الأعلى واصل عامر بن ربيعة جهاده مع أبو بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم ففي سنة عشرة سار الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الجابية وعقد لواءه يوم الخميس للنصف من صفر ودفعه إلى عامر بن ربيعة رضي الله عنه. كما استخلفه ذو النورين الصحابي الجليل عثمان بن عفان على المدينة المنورة، حين ذهب إلى الحج.
ونجا عامر بن ربيعة رضي الله عنه من الوقوع في الفتنة الكبرى، فمجرد ان بدأ بعض الناس في الطعن على سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه لزم بيته حتى مات عقب وفاة عثمان بأيام. وعن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال لما نشب الناس في الطعن على عثمان رضي الله عنه قام أبى يصلى من الليل وقال: اللهم قنى من الفتنة بما وقيت به الصالحين من عبادك قال: فما خرج إلا جنازة. وتوفى سنة اثنتين وثلاثين بعد قتل ذو النورين وثالث الراشدين واحد المبشرين العشرة بالجنة عثمان بن عفان بأيام قليلة رضي الله عن الصحابة أجمعين.
اترك تعليق