مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار 3 – 30

عثمان بن مظعون احبه الرسول ووصف بـ "الحيي الستير" وبكى عند وفاته

صحابة الرسول رضوان الله عليهم .. حبهم دين يدين به كل مسلم موحد. وقربى يتقرب بها المسلم إلى الله عز وجل. وأكد علماء السنة بالإجماع في كتب العقائد على مكانة الصحابة في الأمة، ويذكرون فضائلهم ومناقبهم، ووجوب محبتهم وحرمة سَبِّهم أو الطعن فيهم. ويجب على المسلم أن يذكرهم دائمًا بالخير، وأن يترضَّى عنهم، ويدعوَ لهم بالنعيم المقيم وفاءً لهم وإقرارًا بفضلهم على من جاء بعدهم، ويُحسِن الظن بهم في كل الأحداث التي رويت عنهم

الجمهورية اونلاين تنشر خلال شهر رمضان المبارك سلسلة عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم السابقون الأولون من المهاجرين والانصار من غير المشهورين.


  •  أراد التبتل وقرر اخصاء نفسه فنهاه النبي وقال له لا رهبانية في الإسلام  
  • من أوائل المهاجرين إلى الحبشة أول المهاجرين وفاة بالمدينة وأول مسلم يُدفن بالبقيع
  • حرم على نفسه الخمر قبل الإسلام وقال: لا أشرب شرابًا يذهب عقلي ويحملني على أن أنكح كريمتي
  • قال الرسول عند وفاته: "رحمك الله يا أبا السائب خرجت من الدنيا وما أصبت منها ولا أصابت منك"

 

 عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن كعب الجمحي الصحابي الجليل أحد سادة المهاجرين راهب الليل فارس النهار وكانت رهبانيته عملا دائبا في سبيل الحق، وتفانيا مثابرا في سبيل الخير والصلاح، انه الصحابي الذي فضل جوار ربه ففاز في الدارين الدنيا والآخرة. واحد من السابقين الأولين حيث يأتي تريبه الرابع عشر بين من أسلموا. كان أوائل المهاجرين إلى الحبشة، كما كان أول المهاجرين وفاة بالمدينة، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم لحظة وفاته واحتضنه ونزلت دموعه عليه الصلاة والسلام على خد عثمان بن مظعون الذي كان أول المسلمين دفنا بالبقيع بالمدينة المنورة.

 

كان أبو السائب عثمان بن مظعون - السائب هو ابنه الأكبر – من الرجال الذين يتسمون بالنقاء والفطرة السوية والحكمة، فقبل اسلامه حرم على نفسه الخمر وقال: لا أشرب شرابًا يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى مني ويحملني على أن أنكح كريمتي، فلمَّا حرمت الخمر. قيل له: يا عثمان. قد حرمت الخمر. فقال: تبًّا لها قد كان بصري فيها ثاقب. وفي هذا نظر لأنَّ تحريم الخمر عند أكثرهم بعد أُحد.

 

وعندما علم ببعثة النبي انطلق يرافقه كل من عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح، حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعَرَض عليهم الإسلام، وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا جميعًا في ساعةٍ واحدةٍ، وذلك قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وقبل أن يتخذها مركزا للدعوة الى الإسلام في سنواته الأولى.

 

ولأنه كان من السابقين الاولين الذي سارعوا الى الاستجابة لله ولرسوله فقد ناله الأذى والضر من قريش مثل جميع المؤمنين الصابرين الصامدين. فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يحمي هذه القلة المؤمنة المضطهدة فأمرهم بالهجرة الى الحبشة. وكان عثمان بن مظعون أمير الفوج الأول من المهاجرين، مصطحبا معه ابنه السائب، وكان ذلك في السنة الخامسة للبعثة.

 

قضى عثمان بن مظعون رحمه الله عدة سنوات في الحبشة عن النجاشي الملك العادل الذي لا يُظلم عنده أحد، حتى جاءت الأنباء بان قريش اسلمت وسجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم لله سبحانه وتعالى، فوقع الخبر السار في قلوب المؤمنين المغترين الحالمين بالعودة لمكة المكرمة فحزموا امتعتهم وطاروا يسبقهم شوقهم لأم القرى، وما كادوا يصلوا إلى مشارف مكة حتى يكتشفوا كذب الخبر الذي بلغهم عن اسلام قريش. فتفرقوا ورجع بعضهم إلى الحبشة ودخل البعض الآخر مكة مستخفيًا، وبينما دخل البعض في جوار بعض سادة المشركين

ودخل أبو السائب رضي الله عنه في جوار الوليد بن المغيرة، ولما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البلاء، وهو يتحرك في مكة في أمان بسبب جوار الوليد بن المغيرة قال: والله إن غدوي ورواحي آمنًا في جوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني، لنقص كثير في نفسي.

 

فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، قد رددت إليك جوارك.

قال الوليد: لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي؟!

قال عثمان: لا، ولكني أرضى بجوار الله عز وجل ولا أريد أن أستجير بغيره.

قال الوليد: فانطلق إلى المسجد، فاردد على جواري علانية كما أجرتك علانية

قال عثمان: فانطلق، فخرجا حتى أتيا المسجد

فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد جاء يرد على جواري.

قال عثمان بن مظعون: صدق قد وجدته وفيًّا كريم الجوار، ولكني قد أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره.

وجلس عثمان بن مظعون رضي الله عنه مع الشاعر ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر في مجلس من قريش ينشدهم فجلس معهم عثمان

فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. فقال عثمان: صدقت، فقال لبيد:

وكل نعيم لا محالة زائل

فقال عثمان: كذبت، نعيم الجنة لا يزول

فقال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم

فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا فلا تجدن في نفسك من قوله

فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل ولطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان.

فقال الوليد بن المغيرة: والله يا ابن أخي، إن كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد كنت في ذمة منيعة.

قال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس.

قال له الوليد: هلم يا ابن أخي إلى جوارك فعد.

قال عثمان بن مظعون: لا.

 

جاءت هذه الحادثة لتؤكد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربى أصحابه على الاهتمام بأمر المسلمين ومعايشة آلامهم ويروي ابن إسحاق هذا الحدث الذي يدل على عمق التربية لدى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

ومع صدور أمر النبي بالهجرة إلى المدينة يبادر عثمان بن مظعون رضى الله عنه للاستجابة لأمر النبي وينطلق الى المدينة مع الصحابة العظام الذين نجحوا بصمودهم وبثباتهم في تأسيس دولة الإسلام. وفي المدينة يظهر جوهر الصحابي الجليل عثمان بن مظعون ونتعرف على حقيقته العظيمة الفريدة، فاذا هو العابد، الزاهد، المتبتل، الأوّاب، وهو من القلائل الذين شهدوا بدر الكبرى الذين غفر الله عز وجل لهم  

وكان عثمان بن مظعون عنه رضي الله عنه عابدًا مجتهدًا من فضلاء الصحابة يقول أبو بردة: دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فرأينها سيئة الهيئة، فقلن لها: ما لك؟ فما في قريش أغنى من بعلك! قالت: أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أما لك بي أسوة". الحديث. قال: فأتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس.

وعن حماد بن زيد قال: حدثنا معاوية بن عياش، عن أبي قلابة أن عثمان بن مظعون قعد يتعبد، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "يا عثمان! إن الله لم يبعثني بالرهبانية وإن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة".

كما روي انه رضي الله عنه كان هو وعلي بن أبي طالب وأبو ذر رضي الله عنهم همّوا أن يختصوا ويتبتلوا، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. ونزلت فيهم: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93]. وعن ذلك قال سعد بن أبي وقاص: رد رسول الله صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون ولو أذن له لاختصينا.

 

ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون بنه الحيي الستير فقد رُوى انه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنّي لا أحبّ أن ترى امرأتي عورتي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولِمَ؟"، قال: أستحيي من ذلك وأكرهه، قال صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله جعلها لك لباسًا، وجعلك لها لباسًا، وأهلي يرون عورتي. وأنا أرى ذلك منهم"، قال: أنت تفعل ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم". قال: فمن بعدك. فلمّا أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ ابن مظعون لَحَييٌّ سِتّيرٌ".

 

وأحبّه الرسول صلوات الله وسلامه عليه حبّا عظيما. وحين كانت روحه الطاهرة تتهيأ للرحيل كان الرسول عليه الصلاة والسلام، الى جانبه، حيث طبع قبلة على جبينه ونزلت منه صلى الله عليه وسلم دمعة على وجه عثمان الذي بدا ساعة الموت في أبهى لحظات اشراقه وجلاله.

 

وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت، ودموعه تسيل على خد عثمان بن مظعون. وعن أبي النضر قال: لما مر بجنازة عثمان بن مظعون قال رسول الله: "ذهبت ولم تلبس منها بشيء". وروى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث عن سالم أبي النضر قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مظعون وهو يموت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب فسجي عليه، وكان عثمان نازلًا على امرأة من الأنصار يقال لها: أم معاذ، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئًا عليه طويلاً ثم تنحى فبكى، فبكى أهل البيت، فقال: "إلى رحمة الله أبا السائب". وكان السائب ابنه قد شهد معه بدرًا، فقالت أم معاذ: هنيئًا لك أبا السائب الجنة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك يا أم معاذ ما هو فقد جاءه اليقين ولا نعلم إلا خيرًا". قالت: لا والله لا أقولها لأحد بعده أبدًا.

 

وتوفي عثمان بن مظعون أبو السائب رضي الله عنه في شعبان سنة ثلاث وكان أول من دفن ببقيع الغرقد يقول عبيد الله بن أبي رافع قال: أول من دفن ببقيع الغرقد عثمان بن مظعون، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رأسه حجرًا، وقال: هذا قبر فرطنا.

 

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم يودّع صاحبه الحبيب: "رحمك الله يا أبا السائب خرجت من الدنيا وما أصبت منها، ولا أصابت منك". ولم ينس الرسول الودود صاحبه بعد موته، بل كان دائم الذكر له، والثناء عليه. حتى لقد كانت كلمات وداعه عليه السلام لابنته رقيّة، حين فاضت روحها: " الحقي بسلفنا الخيّر، عثمان بن مظعون".

 





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق