أدى أعضاء المنظمة العالمية لخريجي الأزهر بالمنيا خطبة الجمعة بمساجد محافظة المنيا حيث أدى كل من فضيلة أ.د داود لطفي حافظ_ بمسجد التنعيم بملوي ، فضيلة الشيخ مؤمن أمين علي _ بالمسجد الكبير بنزلة البدرمان، فضيلة الشيخ معدن فتحي علي _ بمسجد مجلس مدينة أبو قرقاص، فضيلة د. محمد عبدالمطلب _ المسجد الكبير بقرية أبوعزيز _ مركز مطاي وذلك بمتابعة وتنسيق احمد نوح الامين العام للمنظمة العالمية لخريجي الأزهر بالمنيا.
بعنوان الصدق في القول والعمل
حيث تحدثوا عن الصدق وقالوا لقد رغّبَ الإسلامُ في الصدقِ وحثَّ عليهِ في مجالاتِ الحياةِ كلِّهَا واهتَمَّ بهِ اهتمامًا كبيرًا، ولأهميةِ الصدقِ والعنايةِ بهِ في شئونِ الحياةِ كلِّهَا تضافرتْ نصوصُ القرآنِ والسنةِ في الحثِّ عليهِ والتحلِّي بهِ، فقد وردَ لفظُ (الصدقِ) في القرآنِ الكريمِ في ثلاثةٍ وخمسينَ ومائةِ (153) موضعًا.
والأنبياءُ عليهُم السلامُ كلُّهُم موصوفونَ بالصدقِ، قالَ تعالَى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا} [مريم: 41]. وقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا}[مريم: 56]. وَوُصِفَ يوسفُ عليهِ السلامُ بالصدقِ حينمَا جاءَهُ الرجلُ يستفتيهِ فقالَ: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ} [يوسف: 46]. وأمرَ اللهُ رسولَهُ ﷺ أنْ يسألَهُ أنْ يجعلَ مدخلَهُ ومخرجَهُ على الصدقِ: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء: 80]، وقد كان ﷺ مشهورًا بالصدقِ قبلَ البعثةِ وبعدَهَا، فكان يلقبُ قبلَ البعثةِ بالصادقِ الأمينِ، وبعدَ البعثةِ المباركةِ كان تصديقُ الوحيِ له مدعاةٌ لأنْ يطلقَ عليهِ أصحابُهُ «الصّادق المصدوق».
ولأهميةِ الصدقِ والحثِّ عليهِ أمرَ اللهُ المؤمنين أنْ يكونُوا دومًا في زمرةِ الصادقين، فقالَ: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}.[التوبة: 119] . فالصدقُ طمأنينةٌ للقلبِ، وفي ذلك يقولُ ﷺ:” دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ “.( النسائي والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح).
فالصدقُ طمأنينةٌ، أي: يطمئنُ إليهِ القلبُ ويسكنُ، والكذبُ ريبةٌ، أي: يَقْلَقُ القلبُ ويضطربُ.
وفي مقابلِ ترغيبِ الإسلامِ في الصدقِ، فقد رهَّبَ الإسلامُ مِن الكذبِ وشنّعَ القرآنُ على كلِّ مَن كذبَ وخلفَ وعدَهُ وخانَ، بل عدَّهُ الرسولُ ﷺ مِن خصالِ المنافقين، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ.”(متفق عليه).
بل إنَّ الكذبَ يُنافِي الإيمانَ؛ لأنَّ الكذبَ والإيمانَ لا يجتمعانِ في قلبِ رجلٍ واحدٍ، فَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سَلِيمٍ، أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: «نعم» . فَقيل: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قَالَ: «نَعَمْ» . فَقِيلَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: «لَا» . ثم تلا قولَهُ تعالَى: { إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ }. (النحل: 105).(مالك والبيهقي في الشعب).
إنَّ صلاحَ اللسانِ صلاحٌ لأعضاءِ الجسدِ كلِّهَا، وفسادَهُ فسادٌ لأعضاءِ الجسدِ كلِّهَا، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرفُوعًا قَالَ: ”إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا”[ الترمذي بسند حسن ]. وقد ضمنَ الرسولُ ﷺ الجنةَ لِمَن حفظَ لسانَهُ مِن خبيثِ الكلامِ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “ مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ؛ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ ” (البخاري). وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمْ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ؛ وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ؛ وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ؛ وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ؛ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ؛ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ “. (أحمد والبيهقي والحاكم وصححه).
وهكذا رغّبَ الإسلامُ في الصدقِ، ورهَّبَ مِن الكذبِ كما جاءَ في القرآنِ والسنةِ.
#ثانيًا__الصدقُ_في_القولِ:
وهو أشهرُ أنواعِ الصدقِ وأظهرُهَا، ومعناه: صدقُ اللسانِ في الإخبارِ، أي مطابقةُ الخبرِ للواقعِ، فحقٌّ على كلِّ عبدٍ أنْ يحفظَ ألفاظَهُ، فلا يتكلمُ إلَّا بالصدقِ، وقد عدَّ النبيُّ ﷺ الصمتَ – إذا كان الكلامُ يجلبُ شرًّا – شعبةً مِن شعبِ الإيمانِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي اللهُ عنهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»(متفق عليه) . يقولُ الإمامُ النوويُّ في رياضِ الصالحين:” اعلمْ أنَّه ينبغِي لكلِّ مكلفٍ أنْ يحفظَ لسانَهُ عن جميعِ الكلامِ إلّا كلامًا ظهرتْ فيهِ المصلحةُ، ومتى استوىَ الكلامُ وتركه في المصلحةِ، فالسنةُ الإمساكُ عنهُ؛ لأنَّه قد ينجرُّ الكلامُ المباحُ إلى حرامٍ أو مكروهٍ، وذلك كثيرٌ في العادةِ، والسلامةُ لا يعدلُهَا شيءٌ.”
فعلينَا أنْ نغرسَ فضيلةَ الصدقِ في نفوسِ الأطفالِ، حتى يشبُّوا عليهَا، ويألفُوهَا في أقوالِهِم وأحوالِهِم كلِّهَا.
فعن عبدِ اللهِ بنِ عامرٍ قال: دعتنِي أُمّي يومًا، ورسولُ اللهِ ﷺ قاعدٌ في بيتِنَا فقالتْ: تعالَ أُعطيكَ. فقالَ لها ﷺ: ” وما أردتْ أنْ تعطيهِ؟ ” قالتْ: أردتُ أنْ أعطيِه تمرًا. فقالَ لهَا: ” أمَا إنّكِ لو لم تعطهِ كتبتْ عليكِ كذبةٌ”.( أحمد وأبو داود والبيهقي بسند حسن).
#ثالثًا___الصدقُ_في_العملِ:
وهو مطابقةُ العملِ للقولِ، بحيثُ فعلّهُ يطابقُ قولَهُ، وبالمثالِ يتضحُ المقالُ: فالمسلمُ الذي تعلَّمَ العلمَ الشرعيَّ لابُدَّ أنْ يطبقَهُ عمليًّا، كأنْ يكونَ المسلمُ عالمًا بحرمةِ الغيبةِ وينهَى عنها، فهذا لا بُدَّ أنْ يصدقَ قولُهُ عملَهُ وينتهِي هو عن الغيبةِ قبل أن ينهَى عنها، فإنْ لم ينتهِ لا يكونُ صادقًا في عملهِ. قالَ تعالَى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} . (البقرة: 44). فكلُّ مَن يخالفُ فعلُهُ قولَهُ فهو غيرُ صادقٍ في فعلهِ.
أنَّ قوامَ المجتمعِ في التعاملِ بصدقٍ في القولِ والعملِ، فكيف يكونُ لمجتمعٍ ما كيانٌ متماسكٌ وأفرادُهُ لا يتعاملونَ فيمَا بينهُم بالصدقِ؟! وكيف يكونُ لهذا المجتمعِ حضارةٌ وأفرادُهُ يكذبونَ ويروجونَ للكذبِ؟! كيف يوثقُ بنقلِ المعارفِ والعلومِ إذا لم يكنْ الصدقُ أحدَ الأسسِ الحضاريةِ التي يقومُ عليها بناءُ المجتمعِ الإنسانِي؟! كيف يوثقُ بنقلِ الأخبارِ والتواريخِ إذا لم يكنْ الصدقُ أحدَ الأسسِ الحضاريةِ التي يقومُ عليهَا بناءُ المجتمعِ؟! كيف يوثقُ بالوعودِ والعهودِ ما لم يكنْ الصدقُ أحدَ أسسِ التعاملِ بينَ الناسِ؟!
فعليكُم بصدقِ القولِ والعملِ فإنَّهُ طريقٌ إلى الجنةِ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا”.( متفق عليه واللفظ لمسلم).
ألَا فلنعدْ إلى ما كان عليهِ سلفُنَا الصالحُ مِن صدقٍ في القولِ والعملِ؛ لنكونَ قدوةً ودعوةً للآخرين إلى الدخولِ في هذا الدينِ الحنيفِ، إنْ فعلنَا ذلك فزنَا في الدنيا بالسعادةِ والثقةِ فيمَا بينَنَا، وفي الآخرةِ بالجنةِ والثوابِ العظيمِ.
نسألُ اللهَ أن يجعلنَا مِن #الصادقين_في_أقوالِنَا_وأفعالِنَا، وأنُ يباركَ لنا في #رجبَ_وشعبانَ وأنْ يبلغَنَا #رمضانَ، وأنْ يحفظَ #مصرَنَا مِن كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.
اترك تعليق