لو لم يكن في البلاء إلا صونك عن التمادي في الغفلة بما في يدك عما بين يديك من الحقائق الكبرى، وقطعك عن الانشغال بالدنيا عن الآخرة، وصقلاً لروح إيمانك بالله وزيادة القرب منه، لكفى به رحمة ونعمة من الله عليك.
فكيف وفيه مع ذلك رفع الدرجات وتكفير السيئات وإعانتك على الرجوع من جديد كلما غيبتك مفاوز الغفلة والمعصية؟
فوالله ما ابتلاك إلا لأنه يحبك، يحب تضرعك، يحب أن تناجيه ويسمعك، يحب أن ترجع إليه، وتترك ما تعلقت به من متاع الدنيا وتذهب إليه.
ومسلك بعض الناس في الاعتراض على البلاء عجيب، جاءته الفرصة ليغسل ذنوبه ويصلح علاقته بربه فإذا هو يزداد تمرغًا في الوحل، مسكين والله، خرج من تحت قبة العبودية والتسليم ليسقط في شَرَك الطغيان والاعتراض، شأنه شأن إبليس مع آدم، كلاهما وقع منه الذنب وحل عليه بلاء الخروج مما هو فيه من العافية، فقال آدم عليه السلام وزوجه "ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"
وقال إبليس "فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم".
فالبلاء يكشف النفوس الإبليسية التي تسارع إلى الاعتراض وسؤال الجبار العليم الحكيم عن أقداره ونسبة الشر إليه، وهذه النفوس الآدمية الرقيقة التي تسارع إلى التوبة والأوبة تعلم أن ما أصابها إنما كان ببعض ذنوبها.
فمن مسه شيء من البلاء فقد حان وقت اختبار صدق عبوديته، وآن أوان أن يري الله من نفسه خيرًا، وحانت اللحظات الشداد التي تسبق الانتهاء من كل إنجاز عظيم، فما بالك بالفوز بالجنة؟ "ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين" "يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون" "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"
فالحمد لله على العافية والحمد لله على البلاء والحمد لله على كل حال ونعوذ بالله من حال أهل النار، يبتلون في الدنيا ثم يعاقبون في الآخرة على ذنوبهم التي لم يغسلها البلاء، وعلى ذنوبهم التي أفرزها البلاء، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.
بقلم.الشيخ احمد الششتاوي
كبير أئمة بأوقاف القليوبية
اترك تعليق