بقلم د.هند الحفناوي
دكتورة علم النفس تخصص الصحة النفسية
المشكلات النفسية والسلوكية تصيب العالم أجمع لا تفرق بين رجل أو إمرأة ولا تحدد مرحلة عمرية معينة ولا تفرق بين غني أو فقير، ولكن تختلف نظرة الناس للمرض النفسي من ثقافة لأخري،
فأكثر من نصف المصابين بالمرض النفسي لا يتلقون المساعدة في علاج إضطراباتهم، وهذا لأنه في كثير من الأحيان يتجنب المرضي العلاج أو يتأخرون في البحث عنه بسبب تخوفهم من معاملتهم بشكل مختلف أو بسبب تخوفهم من فقدان وظائفهم وسبل عيشهم، وذلك لأن وصمة العار والرفض الإجتماعي للأشخاص المصابين بمرض نفسي لا تزال تمثل مشكلة كبيرة.
ويرجع هذا الرفض الإجتماعي تجاه المريض النفسي لعدم الوعي والخوف من المرض النفسي، أو بسبب المفاهيم الخاطئة حول المخاطر التي قد يتعرض لها من يختلط بالمرضي النفسيين، وأيضاً بسبب الإعتقاد الدائم بأن الأشخاص المصابين بأمراض نفسية سوف يؤذون أنفسهم أو الآخرين.
ويساهم التمثيل الإعلامي للمرض النفسي الغير دقيق في نفور الناس من المريض النفسي وبالتالي نفور المريض نفسه من البحث عن متخصص لعلاجه حتي لا يوصم بهذا العار، حيث تهتم وسائل الإعلام في الأغلب بالحبكة الدرامية أكثر من إهتمامها بعرض المرض وعلاجه بصوره دقيقة.
فكثيراً ما يعاني الأشخاص المصابين بأمراض نفسية من الشعور بالخزي الناجم عن وصمة العار في المجتمع مما يؤدي إلى التهميش والإقصاء وإنعدام فرص الإختلاط الإجتماعي، فيشعر المرضي أنهم يتم معاقبتهم بالرفض الإجتماعي بسبب طلبهم للمساعدة، فيبدأ المريض في البحث الغير موجه علي الإنترنت فيصل إلي تشخيص غير صحيح وعلاج غير صحيح فتسوء حالته، ومنهم من يتجنب البحث عن العلاج مما يتسبب في تفاقم المرض أو تحوله إلي مرض نفسجسمي (مرض جسدي يسببه المرض النفسي).
جدير بالذكر إقتراب الإحتفال باليوم العالمي للصحة النفسية والذي يشكل مناسبة لرصد وضع الصحة النفسية والوقوف على أعراض وتداعيات التوتر النفسي، وذلك في أفق الإرتقاء بمختلف خدمات التكفل بالأشخاص المصابين بأمراض نفسية وعقلية.
وكان الإتحاد العالمي للصحة النفسية قد أقر في سنة 1992 بتخصيص يوم 10 أكتوبر من كل سنة للتوعية بالصحة النفسية، وإبراز وتثمين الجهود الرامية إلى التقليل من إنتشار الإضطرابات النفسية، وذلك من خلال فتح النقاش العام حول هذا المرض، والحث على ضخ إستثمارات أوسع في خدمات الوقاية والعلاج وتقليص دائرة الوصم والتهميش الذي يمس المصابين بهذه الأمراض.
وفي ضوء إقتراب هذا الإحتفال العالمي نرجو من الدولة التكفل الجيد بالمرضى النفسيين والعقليين ويستوجب مقاربة شمولية تبدأ من الأسرة التي تلجأ في كثير من الأحيان بسبب الجهل وضيق ذات اليد إلى المشعوذين عوض التوجه إلى المختصين، علاوة على الرفع من درجة وعي المجتمع بشأن طبيعة المرض النفسي والعقلي، وتحفيز انخراط الجمعيات غيرالحكومية، وتجويد تدخلات القطاعات الوزارية المعنية، وتعزيز فعالية القيادة في مجال الصحة النفسية، وتنفيذ استراتيجيات لتعزيز الصحة والوقاية في مجال الصحة النفسية، وتدعيم نظم المعلومات والبيّنات والبحوث في مجال الصحة النفسية، وإستخدام وسائل الإعلام لصالح نشر الوعي بشأن الأمراض النفسية والعقلية، وأخيراً تفعيل دور الأخصائي النفسي والإجتماعي بالمدارس حتي لا ينتهي المطاف بالعديد من شباب مجتمعنا خلف أسوار السجون.
نخلص إلي أن نظرة المجتمع وتقبله لفكرة أن المرض النفسي ما هو إلا مرض يحتاج للعلاج والدعم من الأخرين هي المحرك الأساسي لسير الحياة علي نهج سليم، ولن تتغير النظرة السلبية للمرض النفسي إلا بالتوعية والتوجية التعليمي الصحيح...وللأسف في معظم أنحاء العالم لا تمنح الصحة النفسية والإضطرابات العقلية نفس القدر من الأهمية التي تمنح للصحة البدنية...نأمل تغيير ذلك.
لك عزيزي المريض:
اطلب العلاج؛ قد تكون مترددًا في الإعتراف بأنك بحاجة إلى علاج..أرجوك لا تدع الخوف من وصفك بمريض نفسي يمنعك من طلب المساعدة...المرض ليس بعار ولا يوجد بينك وبين المريض الجسدي فرق إلا في نوع المرض، فقد يوفر لك العلاج الراحة من خلال تحديد المشكلة وتقليل الأعراض التي قد تكون عائق بينك وبين تأدية عملك ومواصلة حياتك الشخصية...لا تدع خوفك من حكم الناس عليك يقلل من ثقتك بنفسك أو يمنعك من البحث عن العلاج.
لا تعزل نفسك؛ إذا كنت تعاني من مرض نفسي فقد تكون مترددًا في إخبار أي شخص عنه في حين أن تواصلك مع الأشخاص الذين تثق بهم قد يوفر لك الدعم والتفهم الذي تحتاجه...واعلم أن الوحدة قاتلة.
اترك تعليق