خبير الاقتصاد المصرى سامى سليمان :
لعلاج أزمة الدولار في مصر يجب أن نستفيد من تجاربنا وتجارب من سبقنا فقد سبق وأن شهدت العديد من دول العالم أزمات مشابهة لما يحدث حاليا والعاقل من اتعظ من غيره ولعل أبرزها أزمة العقد المفقود فهي تتشابه إلي حد كبير لما يحدث الأن ..
ولنرجع بالتاريخ قليلا حتي نلقي الضوء علي هذه الأزمة التي حدثت في الثمانينيات من القرن الماضي ورغم أن هذه الأزمة تفاقمت في الثمانينات إلا أن منشأ هذه الأزمة في السبعينيات نتيجة حرب أكتوبر 1973 والتي أدت إلي ارتفاع هائل في اسعار النفط و أدي ذلك إلي انخفاض اسعار المواد الخام وهو شبيه لما يحدث الأن بسبب الحرب الروسية الأوكرانية وكل ذلك تسبب في أزمة ديون لدول أمريكا اللاتينية حيث واجهت دول مثل المكسيك والبرازيل والارجنتين بعد اقتراض الأموال للتنمية والإنفاق علي برامج البنية التحتية ,والمشاريع القومية مما تسبب في زيادة كبيرة في الديون بلغت أربعة أضعاف في سبعة أعوام فلجأت المكسيك لأجراءات تقشفية وبرامج إصلاح قوية حتي تمكنت من العبور من تلك الأزمة والتي عرفت فيما بعد بإسم ازمة التيكيلا وكان أيضا من أسباب هذه الأزمة تغير السياسة الاقتصادية في المكسيك ورفع القيود علي العملة المحلة مما أدي إلي تخفيض العملة المكسيكية "البيزو" بشكل مفاجئ وأدي ذلك إلي حدوث أزمة في اسعار الفائدة وانهيار السندات وحدوث ضغوط هائلة علي الموارد المالية بالمكسيك وعلي العملة المحلية مما أدي إلي انخفاض قيمة البيزو بنسبة 50% في اسبوع واحد إلا أن الحكومة الأمريكية تدخلت في هذه الأزمة وقدمت خطة أنقاذ بـ50 مليار دولار أمريكي في صورة ضمانات وقروض مما أدي إلي استقرار الاقتصاد بل وتحقيق معدل نمو والمفاجأة أن المكسيك استطاعت رد جميع قروضها للخزانة الأمريكية في حين فشلت دول أخري مثل الأرجنتين ولعل السبب الرئيسي لتدخل أمريكا بهذا السخاء هو إدراك أمريكا بخطورة الموقف حيث أن هذا الوضع قد يتسبب في أنهيار بنوك أمريكية وأوربية ويابانية مما ينسحب علي النظام المالي العالمي حيث بلغت مجموع ديون دول أمريكا الاتينية في ذلك الوقت 29 مليار دولار في عام 1970 ووصلت إلي 159 مليار دولار عام 1979 ثم توالت القفزات لتصل إلي 327 مليار دولار عام 1982 وكان معدل الفائدة يتراوح ما بين 15-16% أما علي مستوي الدولة المصرية فلم تسلم من تلك الأزمة وكانت هناك مفاوضات بين الدولة المصرية وصندوق النقد الدولي وتم الاتفاق مع الصندوق في 30 يونيو عام 1991 بعد سلسلة مفاوضات علي مدار اعوام علي توحيد سعر الصرف حيث كان لدينا العديد من الاسعار للدولار تبدأ من 70 قرش في البنك المركزي وأخر 100 و110 في بعض البنوك التجارية واسعار أخري في السوق السوداء حيث وصل إلي 270 قرش وتضمن الاتفاق تحديد سعر الصرف بـ335 قرشا مقابل الدولار أي أن سعر الدولار قفز من 70 قرش إلي 335 قرش .
وعندما تقرر توحيد سعر الصرف فقد لزم معه اتخاذ بعض الاجراءات لايقاف ما يسمي بالدولرة (أي زيادة الاقبال علي بيع الجنيه المصري لشراء الدولار الامريكي ) وما رفع سعر الفائدة لتصل إلي 20% في ذلك الوقت إلا أن مع الغاء الديون العسكرية الامريكية لصالح مصر فقد انتعش الاقتصاد المصري خاصة في ظل تولي حكومة الدكتور الجنزوري وعمل اصلاحات ملموسة في مجال الاقتصاد .
نخلص من ذلك إلي أن علاج مشكلة الدولار في الأمكان شريطة أن يكون العلاج جذري بحيث يضمن ألا تتكرر مثل هذه الأزمات فمعظم الحلول السابقة كانت تعالج العرض وليس المرض فالسبب الأول والأخير لارتفاع الدولار هو الديون علي الدولة المصرية والتي تنشأ نتيجة العجز في ميزان المدفوعات والذي يحدث في المقام الأول نتيجة الفجوة بين التصدير والاستيراد أي ما بين الأنتاج والاستهلاك وطالما ظلت هذه الفجوة موجودة فإن العجز موجود و النتيجة محسومة والارتفاع في سعر الدولار أمر لا مفر منه لذا فإن الحل الوحيد هو الانتاج وتشجيع التصدير عن طريق توفير مناخ صحي لعملية التصدير وذلك بخطوات ملموسة
أولا) أن تكون للصناعة وزارة مستقلة وليس كما هو حاليا وزارة الصناعة و التجارة فالصناعة بأهيمتها القصوي ينبغي أن يكون لها وزارة مستقلة تناقش مشاكلها وطموحاتها
ثانيا) التعرف علي أسباب تعثر المصانع وإغلاق الكثير منها والتي كانت فيما قبل تحقق أرباح طائلة ووفرات في العملة الصعبة مثل مصانع الغزل والنسيج والحديد والصلب
ثالثا) دعم المصدر المصري بتذليل كافة العقبات أمامه ووضع حوافز للتصديركأن يكون له الأولوية في الحصول التراخيص مثلا وكذا أن يكون له الحصة الأوفر في الحصول علي العملات الصعبة لشراء مستلزمات الأنتاج
اترك تعليق