الخبير الاقتصادى سامى سليمان يكتب :
لطالما كانت مقولة " السياسة والاقتصاد وجهان لعملة واحدة" حاضرة بقوة علي مدار التاريخ وفي حين كان من المتوقع أن يتراجع الاقتصاد الأمريكي في الفترة القادمة
لم تقبل أمريكا الرضوخ لسياسة الأمر الواقع فلجأت للإقتصاد ليكون السلاح الأقوي في يد الأمريكان بدلا من الحرب وهذا ما لاحظناه حيث خرجت أمريكا من العراق وافغانستان في حربين خاسرتين ولكنها أدارت وجهة الحرب في ميدان أخر ألا وهو ميدان الاقتصاد فقد شهد الدولار الأمريكي علي مدار الفترة الماضية موجة صعود ليس في مصر وحدها بل في العالم أجمع إذ ارتفع سعره نحو 11% مقارنة بسعر اليورو، ووصل إلى مستوى اليورو تقريبا .ولعل المتابع للوضع العالمي قد لاحظ انخفاض أسعار معظم العملات مقابل الدولار وهو مايلقي على بلدان العالم وخاصة الدول النامية أثارا وخيمة علي اقتصاديات تلك الدول (ذلك وفقا للبنك الدولي) .
بعض الدول مثل كوستاريكا والأكوادور والسلفادور وزمبابوي قامت بالغاء عملتها الوطنية لفترة معينة واستخدمت الدولار كعملة بديلة وفي عالمنا العربي فأن ذلك موجود في الحالة اللبنانية حيث يعتبر الدولار هناك هو العملة المثلي للتعامل المحلي .
هذا وقد أحدثت الحرب الروسية الأوكرانية مخاطر جيوسياسية وتقلبات في الأسواق علاوة علي العقوبات علي روسيا والتي أعقبها عقوبات مضادة من روسيا علي الاتحاد الأوربي مما تسبب في إضعاف كلا الفريقين .
كما أن تخارج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان بمثابة المسمار الأول في نعش الاتحاد الأوروبي وهو أمر له ما بعدة وله تداعياته الخطيرة
وفي الوقت الذي يعاني العالم منه من الحرب الروسية الأوكرانية تدخل الصين وتايوان في مواجهة جديدة ليشتعل صراع أشد وأبقي من الصراع الروسي الأوكراني .
إدت كل هذه العوامل إضافة إلي أزمة كورونا إلى الجنوح نحو الاستثمارات الآمنة، ليجد المستثمر الملاذ الأمن في بلاد العم سام مما أدي إلي تخارج المستثمرون من شتي بقاع العالم وأرتمو في أحضان الاقتصاد الأمريكي .
ولا تزال الأسواق تتوقع زيادات سريعة لأسعار الفائدة وهي ورقة أخري تلجأ إليها أمريكا مما يزيد الأمر تعقيدا في شتي بقاع المعمورة ويأتي بعواقب كارثية خاصة علي اقتصاديات الدول النامية وبالطبع منها مصر فحينما يرفع مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي) الأمريكي أسعار الفائدة،تلجأ البنوك المركزية للبلدان الأخرى إلى رفع أسعار فائدتها للحفاظ على قدرتها التنافسية والدفاع عن عملتها حيث تسعي تلك الدول إلي الحفاظ علي المستثمرين عبر إعطاء المستثمرين سبباً للبقاء في أسواق صاعدة عرضة أكبر للمخاطر وذلك عن طريق اعطائهم (عوائد مرتفعة) حتى يستثمروا في بلدٍ من بلدان الأسواق الصاعدة وتحمل عبء المخاطرة في ظل الأجواء العالمية الحالية بدلاً من استثمار أموالهم في أصول أمريكية أقل خطورة وهذا ما شاهدنها في عالمنا العربي في مصر ودول الخليج .
وأوردت صحيفة فاينانشال تايمز نقلا عن بيانات لمعهد التمويل الدولي في الآونة الأخيرة أن "المستثمرين الأجانب سحبوا أموالاً من الأسواق الصاعدة لمدة خمسة أشهر متتالية في أطول موجة سحب للاستثمارات على الإطلاق." وهذه استثمارات حيوية تتخارج من الأسواق الصاعدة بحثا عن ملاذ آمن وهو ما أدي إلي خروج ما يعرف بالأموال الساخنة من مصر في الفترة السابقة وخاصة في الأشهر القلائل الماضية حيث خرجت بمعدلات قياسية وغير مسبوقة وفقا لتصريحات محمد معيط وزير المالية المصري , مما ألجأ صانعو القرار في مصر إلي فرض قيود علي عمليات الاستيراد في الأونة الأخيرة .
ويبقي الأمل لدي بلدان العالم الثالث والدول النامية والدولة المصرية فبالرغم من أن الواردات تصبح أكثر تكلفة عند صعود الدولار، لكن الصادرات تكون أرخص نسبيا بالنسبة للمشترين الأجانب وهو ما يخلق فرصة للتصدير ففي الظروف العادية كانت بعض الدول تسعي لتخفيض قيمة عملاتها عن عمد حتي يستطيع المنتج المحلي الرخيص الثمن من المنافسة في الأسواق فمثلا قامت اليابان عام 2011 بتخفيض قيمة عملتها (الين الياباني) لكي تتمكن من المنافسة في سوق وذلك يؤدي إلي (1) أرتفاع إجمالي الناتج المحلي (2) أرتفاع احتياطيات النقد الأجنبي، ويؤدي إلي جانب ذلك إلي انتعاش بعض الأسواق الأخري مثل قطاع السياحة فتصبح بلد مثل مصر مثلا وجهة للسياحة حيث أن السائح الأمريكي يجد سوق سياحي رخيص جدا مقارنة ببلاده .
فهل تلجأ أمريكا عمدا إلي خلق أزمات عالمية حتي تحافظ علي زعامتها ؟؟
اترك تعليق