بقلم: الأديبة فاطمة مندي في رابعة الفجر يعود الى البيت, لا يطرق الباب, كان يتسلق سياج الحديقة بجسمه الثقيل, بحذر شديد, وعلى اطراف اصابعه العشر, يمشي بهدوء, وبهدوء يندس بلحاف القطن, كهر ارغمه برد الشتاء القارص. كنت اتحسس برودة قدميه عندما كانت تلامس قدمي الطريتين, يتظاهر كما لو انه نائم منذ البارحة, فعندما أسأله متى جئت, ينتابه الصمت, او في بعض الاحيان يقول لي في الساعة العاشرة. لا ابكي لأنني اكتشف كذبة كل ليلة, لكنني ابكي لأنني لم اجده يوما من الايام كان صادقا معي, وكأي ام, قبل ان تشرق الشمس اضع ابريق الشاي على نار هادئة, ثم احظر الفطار للأولاد, ملابسهم حقائبهم, كل ما يحتاجونه. في ليلة ظلماء وبينما كان القلق ينتابني من الصواعق والرعد ، سمعت صوت طفلة تبكي في الشارع, فتحت النافذة المطلة على الشارع الرئيس, وقد اخذني صوتها الى مكان جلوسها على الرصيف, لبست معطفي ورحت عابرة الشارع وضعتها تحت المعطف وحملتها الى البيت, اوقدت لها ناراً في المدفأة, ورحت اجفف شعرها بمنشف صوفي, حاولت ان اعمل لها شيئاً يدفئ جسمها لكنني لم أجد سوى خبز وشاي. لم أسألها فقد غلب عليها النعاس وقد اسبلت جفنيها, كانت عيناها العسليتان وحاجباها الاصفران يذكرانني بلوحة ملفييتش الروسي. لم اكن اهتم كما هي العادة عندما يتأخر زوجي عن سهراته الطويلة, اخذت الطفلة الصغيرة ووضعتها على سريري عسى ان اعرف لها طريقا لكي اجد اهلها في الصباح, وما ان سمعت صوت المؤذن لصلاة الفجر حتى سمعت خطوات زوجي وهو يدفع الباب بهدوء كما لو انه لص قادم بحذر . كانت المرة الاولى التي اسأله عن مجيئه في ساعة متأخرة من الليل, لكنه هذه المرة اجابني بحقيقة لم اكن اتوقعها انها ليست هي الحقيقة عندما قال لي ان ابنة صديقي تائهة وكنا نبحث عنها تحت المطر. سمعت صوت الطفلة وهي تبكي فذهبت اليها واجلستها في حجري, لحقني إلى الغرفة وهو يتساءل بذهول.. إنها هي سبحان الله, وأين لك أن وجدتها ؟ . ركضت الطفلة باتجاه الرجل وهي تصيح ..بابا بابا. حملها على كتفه وقد اخذها, خارج البيت, اشبكت يديها على رقبته بقوة, وراح هو يلثمها بالقبل, ما أن هم بالخروج من البيت حتى دخلت تلك المرأة وفي كتفها حقيبة سوداء. وقف الرجل كما لو أنه تمثال صخري ينظر إليها تارة ولي تارة أخرى. لم تقل المرأة سوى هذه الجملة.. قل .. فالحق ان تقول الحقيقة._x000D_
_x000D_
تمت _x000D_
_x000D_
اترك تعليق