هل رأيتم اللوحة الكبيرة التي يضعها المحققون، وأولئك الذين يسعون للانتقام في غرفهم؟ تلك اللوحة التي يضعون فيها صور لكل شخص له علاقة بالقضية، ويكتبون عليها المعلومات، ويربطون الخيوط معًا من أجل العثور على شيء واحد يُفسر الأسباب ويُظهر النتائج.
تلك اللوحة لا تُفارق مكتبي لأني أؤمن أن الصحفي كائن خارق يجب أن يحمل جينات المحققين ورجال السياسة ولو تطلب الأمر أكثر من ذلك سينقلون أدمغتهم لوضعية "العقل الإجرامي" والآن ستسألون ما علاقة رجال السياسة والمحققين والمجرمين بمقتل آبي؟ الإجابة بسيطة جدًا، وهي أن الثلاثة متورطين في الأمر.
دعوني أكتب لكم بعض رؤوس الأقلام، وحاولوا أن تجدوا معي شيء واحد مشترك بينهم... (حزب LDP- نوبو كيشي- نوبوسوكي كيشي- كنيسة التوحيد- ضابط في سلاح البحرية الياباني) هل وصلتم للخيط الذي يجمع بين كل ما سبق؟ هناك شخص واحد فقط له علاقة بكل ما سبق –سواء بشكل مباشر أو غير مباشر- وهو "شينزو آبي" ولنبدأ بحزب "LDP" وهو الحزب الليبرالي الديمقراطي، ويُشكل مع حليفه كوميتو الائتلاف الحاكم في اليابان حاليًا، لاحظوا أن آبي كان من قادة الحزب، ومنذ ثلاثة أيام بالضبط فاز حزبه بالانتخابات باكتساح، وحينها وصف الحزب المُنافس هذا الفوز بأنه تعاطف جماهيري مع اغتيال آبي، ولكن دعونا ننتظر ماذا ستُخبرنا باقي أوراق اللعبة.
الورقة الثانية هي نوبو كيشي، ونوبوسوكي كيشي، الأول هو وزير الدفاع الحالي لليابان وشقيق آبي، والأخر هو جد كلاهما... الآن أخبروني هل يستطيع أيّ شخص عادي بدون سلطة أو نفوذ أن يقتل رئيس الوزراء الأسبق، وزعيم الحزب الحاكم، وشقيق وزير الدفاع الحالي بسهولة وفي ميدان عام؟ أه نسيت إخباركم أن الجد "نوبوسوكي كيشي" شغل منصب رئيس الوزراء الياباني مرتين، وبالنسبة لكنيسة التوحيد فهي جماعة دينية في كوريا الجنوبية واليابان وأمريكا، وكان الجد كيشي من أحد المساهمين في توسيع نشاطها إلا أن على مر السنيين الماضية تورطت تلك الجماعة في فضائح مختلفة، وهنا يأتي دور الورقة الأخيرة ضابط سلاح البحرية الياباني السابق، تيتسويا ياماغامي، والذي اعترف بقتل آبي بسلاح قام بتجميعه في المنزل بهدف الانتقام منه لأنه كان يعتقد أن آبي كان مُساهمًا في تلك الكنيسة التي بسببها عانت عائلته من أزمات مالية بعدما تبرعت والدة ياماغامي بمبالغ طائلة إليها، ولكن الكنيسة أقرت بالفعل بعضوية والدته، ولكنها نفت عضوية آبي فيها أو تلقي أيّ مساعدة أو مساهمة منه بأي شكل من الأشكال.
أخيرًا جئنا لأكثر لحظة حماسية في المقالة، وهي "لماذا"... لماذا قتل ياماغامي آبي ولم يقتل أخيه نوبو كيشي؛ فكلاهما يحملان دماء نفس الجد الذي ساهم في توسيع نفوذ كنيسة التوحيد؟ أو لماذا اختار ياماغامي هذا التوقيت بالتحديد لقتل آبي؟ يعني قبل الانتخابات بأيام قليلة، أليس واضحًا بما فيه الكفاية أن حادثة الاغتيال كانت لها أغراض سياسية أكثر من كونها مجرد مسلسل انتقامي فاشل؟ حقًا من هذا المؤلف الغبي الذي وضع هذا السيناريو العقيم والدافع السخيف الأحمق كمُبرر لاغتيال شخصية من أعظم الشخصيات في تاريخ اليابان؟
عزيزي القارئ من الأفضل أن نُركز في علامة استفهام سحرية ستُجيب على أيّ سؤال في مجال السياسة، أنها ليست من أو لِمَ أو حتى كيف بل هي "متى" فالوقت قرائي الأعزاء أهم عنصر في الحياة السياسية، في الاستخبارات، في المحاماة وحتى على طاولة العمليات -حفظنا الله وإياكم- لهذا السبب علينا أن نسأل أنفسنا لماذا اختاروا قتل آبي في هذا التوقيت بالتحديد وقتها سنجد الإجابة الصحيحة بدلًا من إضاعة وقتنا في البحث عن الكومبارس الذي نفذ المهمة بالنيابة عن أولئك الذين يُحركون العالم بأصابعهم خلف الكواليس.
وبما أننا عرفنا متى قُتل آبي، قبل انتخابات الحزب الحاكم بأيام قليلة، إذن القاتل قوى سياسية إما أعداء أو حلفاء، ويا له من عالم حقير هذا الذي يُقتل فيه شخص من أجل شيء أفنى عمره بأكمله في تحقيقه؛ للأسف عاش آبي من أجل السياسة وبلاده، واغتيل أيضًا بسبب بلاده والسياسة، هل عرفتم الآن من قتل آبي؟
بقلم - هبه مرجان:
اترك تعليق