بقلم: د. محمد شهاب الدين عملت بالصعيد حوالى 4 سنوات هى فترة تكليفى كطبيب ريف ,وكنت فى أقصى الصعيد المسمى ( الصعيد الجوانى) بل وفى جبله فى عزبة (حاجر أبو دغار )التابعة لمدينة أرمنت الحيط -مركز أرمنت -جنوبى الأقصر -مباشرة وقد منحت لى هذه الفترة الطويلة فرصة الأقتراب الشديد من أهل أرمنت البسطاء طيبى القلب سريعى الغضب والأنفعال كعادة الصعايدة دائما .فالصعيدى حين يحبك قد يموت فى سبيل الدفاع عنك ,وعندما يكرهك فاحذره فقد تموت على يديه ..عشت معهم كواحد منهم ودخلت بيوتهم وأكلت من طعامهم حتى( العيش الشمسى والويكة) ..كنت صديقا حميما للمسلمين منهم والنصارى ,الكل يقصد مقر الوحدة الصحية فى بطن الجبل ليسهر مع الطبيب( يتونس )كما يقولون ..._x000D_
كنت أزور الأخوة المسيحيين فى أعيادهم وأبادلهم التهانى فى (كنيسة العذراء) بأبودغار وفى دير (مارى جرجس بالرزيقات) ,وقضيت معظم أيام رمضان قبل زواجى أتناول وجبة الأفطار فى منازل القرية وأجوارها واحدا تلو آخر استجابة لكرم حاتمى وطبع عربى أصيل لايمكننى أن أرفض بعد الأيمان والتأكيد من جانب المضيفين ..استطعت أن أتفهم خلال تلك الفترة طبيعة المجتمع الجنوبى الفقير المحروم من الخدمات البعيد عن الكثير من المدنية ..فأجرة العامل لا تفى قوت يومه فضلا عن اطعام أولاده وكسوتهم .,حتى من يملك لا يجد كل مايريد الا حين يخرج الى حاضرة المحافظة ومدنها الكبيرة ..لدرجة أن هناك أنواع من الفاكهة لايعرفون عنها شيئا كالفراولة والتين البرشومى ,فهى لا تزرع لديهم وربما يصعب نقلها لتلك الأجواء الحارة .._x000D_
..كنت أدرك سهولة التأثير عليهم وكيفية مخاطبة الفقير الأمى الذى لايستطيع توجيه طاقته الدينية وحبه لدينه فى الطريق الأمثل ..وأدرك أن فطرتهم السليمة قد تؤدى بهم لكارثة حين يساء توجيههم ...وكم من فتاة بريئة ساذجة أعماها الحب فانساقت فيه لتضيع شرفها ببلاهة لا تقع فيعا القاهرية المحنكة التى تعرف ماذا تعطى وماذا تمنع ربما هى نتيجة تدريب المدنية وحنكتها ,,كان هناك مصرف شهير عرف عنه فى قديم الزمان أنه كان نهاية الضائعات من هذه المسكينات وقد شهدته بعينى وشهدت بحكم مهنتى مهازل أخرى يأبى ضميرى وشرفى المهنى البوح بها عن ضائعات أخريات .... كان الوازع الدينى عندهم كبيرا جدا يثقون ثقة مطلقة فى الأولياء وأصحاب الكرامات ,فمعظمهم مريدين (للشيخ الطيب) جد ..شيخ الأزهر الحالى.. وله مقام غرب النيل فى الأقصر قريبا من تمثالى (ممنون )وله ساحة يقصدها أتباعه , ومريدين يقصدون (الساحة الرضوانية )شرق النيل بجوار قرية (العزيزية) وهم أتباع الشيخ رضوان وأبناؤه وله مقام ومسجد فى تلك الساحة حين تدخلها يغمرك ضوء أخضر ويدخل فى نفسك شىء من الرهبة, ولكن لفت نظرى عدم امتلاء المساجد فى أوقات الجمع والتراويح بينما الكثير جالسون على الطرقات أو فى حقولهم .._x000D_
لذلك لم أتعجب من نتائج انتخابات واستفتاءات الصعيد ولم تثر دهشتى حين وجدتهم يعطون أصواتهم لتيار بعينه .......ولذلك ولأن أهلنا فى الجنوب قطعة منا محرومة من كل شىء وأى شىء ,وأن لديهم طاقة كبرى وتوجه دينى قوى مسلمين كانوا أو نصارى ,,لذا وجب على من يتقى الله فى مصر ويريد أن يتولى أمرها أن ينظر نظرة موضوعية جدية لأهلنا هناك ,أن يمد لهم يد العون ويفتح لهم بابا من المشروعات والعمران والأرزاق ,,وأن يكف السياسيين عن توجيههم لمصالحهم فقط فهم طاقة وأمل قد تبنى على أيديهم مصر الحديثة كما بنوها من قبل أيام الفراعين العظام وقد يكونون بركان غضب قادم وثورة كالسيل لايقف أمامها شىء أن تماديتم فى تجاهلها واستغلال أصواتها..._x000D_
اترك تعليق