أشاد خبراء الاجتماع والاقتصاد والدين بالمبادرة التي أطلقها مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف. بعنوان "لتسكنوا إليها". لخفض تكاليف الزواج.. مؤكدين أن المبادرة جاءت في وقتها. إذ تنادي بتخفيف أعباء الزواج والتيسير علي الطرفين في مختلف المراحل.
ففي مرحلة الخطوبة كان أهم ما نادت به المبادرة هو قصر مراسم الخطوبة علي قراءة الفاتحة وحضور درجات القرابة الأولي ودبلتين فقط وضبط اللقاء بين المخطوبين بحضور الأهل والتقليل من الهدايا المتبادلة. لتظل رمزاً للمودة. لا للمفاخرة. وحتي لا تمثل ضغطاً علي أحد الطرفين وفي مرحلة الإعداد للزواج حثت المبادرة علي الحصول علي دورة مكثفة للزوجين في التأهيل الأسري واختيار مسكن الزوجية علي حسب الاستطاعة دون تدخل الأسرتين. بالإضافة إلي الاتفاق علي الذهب بالقيمة وليس بالجرامات. والاقتصار علي الأجهزة الضرورية للبيت والاقتصاد فيما يسمي بـ "الكسوة" وأن يكون الكساء للعروسين بعدد منطقي من الملابس.
بالنسبة للمرحلة الثالثة. أثناء الزواج كان أهم ما جاء في المبادرة هو إقامة مراسم الأفراح بصورة بسيطة علي قدر الاستطاعة. وعدم التقيد بمظاهر ومغالاة مرهقة وأن يقتصر نقل جهاز العروسة علي سيارة واحدة فقط وكذلك إلغاء عادات تكاليف الضيافة الباهظة أثناء الفرح وإلغاء ما يسمي بـ "سيشن التصوير" وعدم اشتراط السفر لقضاء ما يسمي بـ "شهر العسل".
.jpg)
د.هالة منصور أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها
أكدت د.هالة منصور أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها أهمية هذه المبادرة في إرساء ثقافة الحكمة الحقيقية من الزواج والتخلص من العادات والتقاليد الدخيلة والسلبية التي تعرقل الزواج وتمثل عبئاً علي الطرفين. خاصة أن الشباب في مقتبل حياتهم وفي أول الطريق. وبالتالي قد تكون ظروفهم الاقتصادية غير ميسرة. لذا كان لابد من اطلاق مثل هذه المبادرة التي تعمل علي التوعية بالمفاهيم والثقافات الدينية والاجتماعية والأسس السليمة للزواج. ما يعكس ضرورة التحلي بالمودة والرحمة بين الطرفين وعدم التركيز علي الشبكة والمهر والمظاهر. علي حساب العوامل الأساسية اللازمة لاستقرار الأسرة. حيث ان السعادة الحقيقية لا تكمن في الأمور المادية فقط. وإنما تتركز بشكل أكبر في تشارك المسئولية وعدم الإثقال علي الآخر بتكاليف باهظة تفوق استطاعته. وكذلك ترسل هذه المبادرة رسالة للآباء بأن أبناءهم ليسوا سلعاً تباع وتشتري أو تقدر بالمال والمهر والشبكة. كما حثت المبادرة علي تلقي دورة مكثفة للزوجين في التأهيل الأسري لضمان عدم تعرض الأسرة للتفكك أو الانهيار في المستقبل. وهي أمور مهمة جدا. حيث يجب علي جميع الجهات والمؤسسات التكاتف لمساندة هذه المبادرة وإطلاق مبادرات مماثلة سواء تمثلت هذه الجهات في الاسرة أو المؤسسات التعليمية أو الأندية ومراكز الشباب ودور العبادة وغيرها لعزف منظومة متكاملة لبناء أسرة سليمة ووطن سليم.
أكدت د.سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس أهمية مضمون المبادرة وما جاء فيها.. مشيرة إلي أن مثل هذا المضمون المهم لابد أن يتم تقديمه للشباب بالصور والأساليب التي يتقبلونها وتكون لها تأثير علي أرض الواقع. فعلي سبيل المثال ينبغي التركيز في برامج التوك شو والأعمال الدرامية علي نشر ثقافة عدم المغالاة أو التفاخر بشكليات الزواج أو المهر والاثاث. فلابد من ظهور نماذج للأمهات والشباب علي الساحة الفنية تكون قدوة وتقدم أعمالاً لائقة بلغة شبابية راقية وأسلوب مبسط ولذيذ تؤكد أهمية الابتسامة والكلمة الحلوة والرضا والتعبير عن الشكر والامتنان حتي عن أبسط الاشياء وعدم الضغط علي الطرف الآخر والبُعد عن التقليد والمقارنات والتحلي بالتعقل والهدوء والوسطية وغيرها من المعنويات. خاصة أن هذه القيم تمثل الجوهر الحقيقي لبناء أسرة إيجابية بعيداً عن الماديات التي تسبب نشوب المشكلات وضياع المعني الحقيقي للسعادة والهدف من الزواج. مشيرة إلي أنها زارت العديد من دول العالم ولم تجد أياً منها يتمسك بتقاليد الشبكة والمهر وغيرها من الأمور الهشة.
أثني د.محمد عطا خبير الاقتصاد علي مبادرة "لتسكنوا إليها" لخفض تكاليف الزواج وتخفيف الأعباء والتخلي عن العادات الشكلية.. مؤكداً أن هذه المبادرة جاءت في وقتها وطال انتظارها في ظل الظروف الراهنة من جانب. وفي ظل كون الزواج السليم أحد أسس بناء المجتمع من جانب آخر. وفي ظل انتشار السوشيال ميديا والاعمال الدرامية السلبية والانفتاح علي العالم الذي أدي إلي زيادة التطلعات والمقارنات وعدم الرضا. وبالتالي فمن المتوقع أن تحقق هذه المبادرة نجاحاً كبيراً ويكون لها تأثير ملموس ومردود إيجابي وتمثل نواة لدليل تنشئة أسرة بطريقة واقعية وصحيحة.
أكد د.أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر أهمية الحث علي تيسير نفقات الزواج.. مؤكدا أنه أمر اسلامي ينبع من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. مشيرا إلي أن أهمية تخفيف نفقات الزواج ظهر لنا من خلال نماذج رائعة. فعلي سبيل المثال حينما طلب رجل من سيدنا موسي أن يتزوج إحدي ابنتيه كان المهر الذي طلبه من سيدنا موسي هو العمل لديه لمدة ثمان سنوات ولم يطلب منه مهراً أو شبكة باهظة الثمن. وكذلك فقد أكد لنا الرسول الكريم في حديث شريف: "أيسرهن مهراً أكثرهن بركة". كما أن رسولنا الكريم لم يطلب مهراً يزيد علي عشرة دراهم لأي من بناته. وحينما طلب سيدنا علي بن أبي طالب الزواج من السيدة فاطمة ابنه الرسول كان مهرها ثمن الدرع الذي غنمه سيدنا علي في موقعة بدر.. وكل هذه القصص الحقيقة تضرب لنا أروع الأمثلة في هذا الصدد. وبالتالي فإن مبادرة الأزهر رائعة لكنها تحتاج لقدوات تدعمها من عصرنا الحالي. فعلي سبيل المثال يجب علي قادة المجتمع في مختلف المجالات ورجال الأعمال أن يقدموا أمثلة حية لتزويج بناتهم بمهور بسيطة أو تكاليف يسيرة.
أكد د.عمرو يوسف خبير الاقتصاد والتشريعات المالية والضريبية أن مبادرة "لتسكنوا إليها" تمثل خطوة رائعة نظراً لما يشهده المجتمع من إخراج الزواج من صورة أكثر شكلية. ما يزيد من أعباء وتكاليف أي زيجة حديثة التي تدفع البعض للاستدانة لتظهر علي الأفق ظاهرة الغارمات بسبب المبالغة في مطالب الزواج. حيث يتجاوز عدد الغارامات وفقا للتقارير المدنية نحو 30 ألف غارمه. ما دفع الدولة لرصد مبالغ ضخمة لتكون مصر بلا غارمات قريباً. كما تدفع التكاليف الباهظة للزواج الكثير من الشباب إلي العزوف عن فكرة الزواج من الأساس.
أضاف أنه من الممكن أن نعدد فوائد المبادرة اقتصادياً سواء بالنسبة للفرد أو المجتمع.. فالحد من أعباء الزواج قد يعود علي الفرد أو المقبلين علي الزواج بعدم تحمل أعباء معيشية قد تفوق القدرات الحقيقة لهم. ما يجعلهم يضطرون لتحمل عبء الاستدانة أو التفكير في عمل إضافي. أما عن الاستغناء عن الاجهزة الكهربائية غير الضرورية في الزواج فقد يعود علي الفرد بعدم تحمل الفواتير باهظة التكلفة التي تمثل أيضا أعباء علي الزوجين. ما يجعل الحياة الزوجية في بدايتها صراعاً من أجل البقاء وليست حياة تعمها السكينة والمودة.
أكد فعالية تلك المبادرة في محاربة العنوسة وأحد أسبابها التكاليف الباهظة التي تشترطها الأسر. ما يجعل الأمر أشبه بالمستحيل. لذلك فالمبادرة لها أبعاد اجتماعية واقتصادية في بالغ الأهمية. ولكن الأمر يحتاج إلي تضافر مجتمعي من مؤسسات المجتمع المدني لإحياء تلك المبادرة ودعم أهدافها الطموحة لكي نبني أواصر الارتباط والزواج للمقبلين عليه تحت رباط مقدس مفهومه المودة والرحمة بعيدا عن الغلو والمظاهر غير المستحبة.
أكد د.رمزي الجرم خبير الاقتصاد أن القضية تعد من أهم القضايا في الوقت الحالي.. فعلي إثر الأزمات المالية التي أنهكت أقوي الاقتصادات العالمية. وكان لها ايضاً تداعيات علي الاقتصاد المصري. بل ان حالة الضبابية وعدم اليقين في المستقبل بات يفرض علي الجميع التكاتف لمواجهة تلك الأزمة. وجاءت مبادرة الأزهر الشريف لتهتم بالجانب المُتعلق بتخفيض النفقات وبشكل خاص نفقات الزواج. التي وصلت من المُبالغة حداً لا يمكن قبوله في ظل ان الطبقات الأكثر احتياجاً تُمثل الجانب الأكبر من هذا الهدر المالي المُبالغ فيه. حتي وصل الأمر إلي الاستدانة. بل ظهور طابور طويل من الغارمات التي هزت الرأي العام أكثر من مرة. وتدخلت الدولة لدفع مقابل المديونية بالتعاون مع الجمعيات الأهلية. تفادياً لاستمرار تنفيذ عقوبة الحبس أو السجن.
أوضح أن مُبادرة الأزهر الشريف لم تَتَعلق بالنُصح والإرشاد ومزيد من الكلمات التي تدعو إلي الحد من الإنفاق علي مراسم الزواج فحسب.. بل كانت مُبادرة كاملة مُتكاملة وشارحة لكل تفاصيل إجراءات الزواج منذ بدء مرحلة الخطوبة وحتي اتمام الزواج بالتفصيل المناسب الذي لا يحتمل نقصاً أو تزيداً عن المطلوب. فقد تعرضت المبادرة لكل كبيرة وصغيرة وبشكل لا يُخل بالغرض من إتمام مراسم الزواج علي الوجه المطلوب دون انتقاص.
أضاف أن الأزمات الحالية تَفرض علي الجميع الحد من الإنفاق غير الضروري. ليس فيما يتعلق بنفقات الزواج فحسب. بل بكل الأمور.. فيمكن لأي مواطن أن يجابه الضغوط التضخمية التي تَتَسارع حدتها يوماً تلو الآخر. من خلال تخفيض معدل إنفاقه. بما يعادل مُعدل التضخم أو أكثر. فالمشتريات التي كان يَتكبد الموطن في سبيل شرائها ألف جنيه مثلاً. يمكن تقليلها لتصل لنحو 850 جنيهاً فقط. وبذلك يكون قد سيطر علي معدل الزيادة في أسعار المستهلكين.
اترك تعليق