لم يتمكن «شاعر الكرنك» أحمد فتحي من أن يتحوّل إلى شاعر أغاني كما تحوّل أحمد رامي، الذي تغني له أم كلثوم، كما يغنّي له محمد عبدالوهاب، أغنيات كثيرة جعلت الباحثين في سيرة كل من المطربين الكبيرين يسمّون رامي شاعر أم كلثوم وشاعر عبدالوهاب.
فمع أن أم كلثوم غنّت لأحمد فتحي أغنية من أجمل أغانيها هي «قصة الأمس» ومطلعها:
أنا لن أعود إليك مهما استرحمت دقاتُ قلبي
أنت الذي بدأ الملالة والصدود وخان حبّي
وغنّى له محمد عبدالوهاب أيضا قصيدة «الكرنك»، التي يقول في مطلعها:
حلم لاح لعينِ الساهر
وهادى في خيالٍ عابر
كما غنّت له أسمهان قصيدة مطلعها:
يا لعينيك ويا لي
من تسابيح خيالي
ورياض السنباطي قصيدة «الفجر»:
كل شيء راقص البهجة حولي ها هنا
أيها الساقي بما شئت اسقنا ثم اسقنا!
إلا أن أحمد فتحي، الذي حسده شعراء كثيرون على وصوله إلى قمم الغناء العربي، الذي كان يحلم بأن ينافس رامي في مجال التأليف لكبار المطربين، مات حزينا مهموما، لأن عبدالوهاب لم يعُد الكرة معه، ولا أم كلثوم ولا أسمهان، ولا السنباطي، الذي كانت تربطه به صلة صداقة قوية!
أما لماذا اهتم أحمد فتحي اهتماما كبيرا بأن ينافس رامي على قلوب المطربين الكبار، فلعدّة أسباب، أولها الشهرة، وثانيها القضاء على «الفقر» الذي كان يعاني منه، وقد كان من حقه على المطربين أن يهتموا بشعره، لأنه كان من الشعر الذي يصلح للغناء، من نوع الشعر الذي كان يكتبه رامي، ولكن يبدو أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، ويشتهي الشعراء أيضا.
وكانت قصيدة «الكرنك»، التي غناها محمد عبدالوهاب سنة 1941 حدثا فنيا مشهودا، ولبثت الإذاعة المصرية (وكانت من فضائيات تلك الأيام) تبثها بلا انقطاع حتى أصبحت على كل شفة ولسان. وقد ظنّ أحمد فتحي بعد أن غنّى عبدالوهاب قصيدته هذه، أنه سيواصل غناء قصائده كما تفعل أم كلثوم مع رامي.
ولكن عبدالوهاب أقفل أبوابه في وجه الشاعر، وصدمه بانصرافه عنه، فانهارت أحلامه التي راودته، ونسب إخفاقه في هذا المضمار الى الزجال الغنائي حسين السيّد.
قال أحمد فتحي إن حسين السيد هو الذي أساء إليه عند عبدالوهاب وأغراه بالانصراف عنه، ولكن ما حظوة حسين السيد عند عبدالوهاب؟ قال أحمد فتحي إن حسين السيد ينظم الأغاني لعبدالوهاب مجانا، كما يقوم، ومجانا أيضا، بتزويد منزل عبدالوهاب في القاهرة بأقفاص الفواكه والطيور.. كان حسين السيد من تجار الطيور والفاكهة، وكانت أقفاصه المليئة بالمانغو والتفاح والكمثرى والحمام والدجاج لا تنقطع عن بيت عبدالوهاب!
هكذا قال أحمد فتحي يومها، وسيان كان ما قاله صحيحا أو غير صحيح، فقد امتلأ الشاعر غيظاً وحنقاً على المطرب الكبير، وضاع ذلك الأمل الذي بعثته فيه قصيدة «الكرنك»، التي نظمها وهو يتجوّل بين أطلال معبد الكرنك في مدينة الأقصر.
وكان أحمد فتحي قد أقام في الأقصر مدة، لا سائحا يتأمل الآثار ويستوحيها، بل موظفا مطرودا من القاهرة على أثر معركة بينه وبين رئيسه في العمل. ذلك أنه كان يتعاطى التدريس في مدرسة الفنون والصنائع بحي العباسية بالقاهرة. وقد انعمس في الحياة الليلية حتى أضناه السهر.
ويقول صديقه الشاعر صالح جودت: من وحي هذه الأحجار الجاثمة، والأطلال القائمة، نظم أحمد فتحي قصيدة «أنشودة الكرنك»، التي أصبحت أشهر أعماله في نظر الناس «ومن يدري، لعله لو لم يذهب إلى الأقصر، ولو لم يستوحِ هذه الأحجار الجاثمة والأطلال القائمة، ما عرف الناس شيئا من أمره، ولا سمعوا بيتا من شعره»!
فجأة يجد أحمد فتحي نفسه، وقد صار من أشهر مؤلفي الأغاني. وبدلا من أن يتلقى ثلاثة جنيهات ثمنا لقصيدته هذه، تلقى خمسين جنيها، لأن من غنّاها هو محمد عبدالوهاب وليس مطربا آخر من فئة الجنيهات الثلاثة!
لقد ظن أن أنشودة الكرنك ستفتح له ــ في ما ستفتح ــ أبواب الوظائف الدسمة، ولكنه لم يحصل إلا على وظيفة أمين متحف سكة الحديد.. ولكنها أفضل من وظيفة الأقصر.
وتنهار أحلامه في الثراء والمجد عن طريق تأليف الأغاني، ويدرك أنه لن يبلغ شهرة أحمد رامي، ولا شهرة صاحب «الجندول» علي محمود طه، ولن يستطيع مجاراة حسين السيد ومأمون الشناوي، فيتجه الى فريد الأطرش ويعطيه قصيدة تقول:
يا لعينيك ويالي
من تسابيح خيالي
فيهما ذكرى من الحب
ومن سهد الليالي
عبرات الأمل المسحور
في دنيا الجمالِ
وتمضي مدة من دون أن يعرف مصير القصيدة، الى أن يلتقي بصديقه رياض السنباطي ذات ليلة، فيقول له إن أسمهان أعطته «يا لعينيك ويالي» ليلحنها له، فيطير من الفرح، فها هو باب الأمل يُفتح له من جديد.
ولكن باب الأمل سرعان ما أُغلق من جديد، ليموت الشاعر بعد ذلك في غرفته بأحد فنادق القاهرة الرخيصة، وله من العمر 47 عاما
وما زالت في المأساة العديد من الفصول .. .
اترك تعليق