لا يزال الاحتلال الإسرائيلي يرتكب الجرائم والانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، ضاربا بعرض الحائط كافة القوانين والشرائع التي تحرم إطلاق النار علي المدنيين، ويمضي الاحتلال في قتل الفلسطينيين بدم بارد، فلا يفرق رصاصه بين طفل صغير أو شيخ كبير، إمرأة أو رجل، مدني أو عسكري.
استيقظ العالم صباح الأربعاء على نبأ صادم وهو استشهاد المراسلة الصحفية الفلسطينية "شيرين أبو عاقلة" بطلق ناري في الرأس من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال تغطيتها للأحداث في مخيم جنين، رغم ارتدائها سترة الصحافة التي تميزها عن غيرها.

كانت شيرين أبو عاقلة قد تحركت صباح الاربعاء الماضي، وانطلقت من القدس صوب مخيم جنين لتغطية المظاهرات هناك، بعد أن علمت باقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي للمخيم ووقع اشتباك، وهناك أرسلت بريدا إلكترونيا لمكتب قناة الجزيرة جهة عملها، لتخبر زملاءها أنها سترسل التفاصيل بعد إطلاعها على حقيقة ما يجري، لكن الغدر لم يمهلها فرصة العودة وسرد الحقيقة مثلما فعلت دائما.
استشهدت "أبو عاقلة" أثناء تغطيتها، ولم يمنعها الواقي من تلقي رصاصات الاحتلال في مشهد شبيه باستشهاد الطفل "محمد الدرة" في الانتفاضة الثانية عام 2000، في لحظات توقفت حياة حافلة بنقل الحقيقة من الأراضي المحتلة لكنها لم تنتهي.
وقال معهد الطب العدلي في جامعة النجاح الوطنية، خلال مؤتمر صحفي، إنه تم الانتهاء من المرحلة الأولي في تشريح جثمان الشهيدة، وهو الجزء الأهم الرأس، لافتا إلي أن نتيجة تشريح جثمان الصحفية الفلسطينية في جامعة النجاح يُشير إلي إصابتها برصاصة متفجرة اخترقت رأسها وأدت لارتقائها على الفور.
وأكد أن الرصاصة التي أصابت الشهيدة أبو عاقلة كانت قاتلة مباشرة.. حيث تسببت بتهتك واسع للدماغ والجمجمة، والسلاح المستخدم من نوع سريع جدا، مؤكدا انه تم التحفظ على مقذوف مشوه وتتم الآن دراسته مخبريا، لإيجاد أي أدلة يمكن ربطها بالجهة المسئولة عن استشهادها.

وأعلنت النيابة العامة الفلسطينية، أنها باشرت إجراءات التحقيق في قتل أبو عاقلة، موضحة في بيان أنها ستتابع القضية من خلال نيابة الجرائم الدولية المختصة بتوثيق الجرائم الداخلة في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، تمهيدا لإحالتها لمكتب المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية.
وفي حين انطلقت دعوات من جهات عدة إلي ضرورة تحويل ملف اغتيال أبو عاقلة إلي محكمة الجنايات الدولية، ومحاسبة الجناة، دعت الولايات المتحدة إلي إجراء تحقيق "شفاف" حول الجريمة، وأعرب السفير الأمريكي لدي إسرائيل توم نايدس عن أسفه لاستشهاد أبو عاقلة، داعيًا إلي فتح تحقيق شامل حول ظروف مقتلها.
كما ندد الاتحاد الأوروبي باغتيال الصحفية الفلسطينية، وطالب بتحقيق مستقل حول ملابسات ما جري، وقال بيتر ستانو المتحدث باسم وزير خارجية الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في بيان: "لا بد من أن يوضح تحقيق معمق ومستقل في أسرع وقت كل ظروف هذه الحوادث وأن يحال المسئولون عنها أمام القضاء.
وكذلك، فرنسا طالبت بفتح تحقيق في مقتل أبو عاقلة، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية في مؤتمر صحفي عبر الإنترنت، إن فرنسا تطالب بإجراء تحقيق شفاف في أسرع وقت ممكن لإلقاء الضوء الكامل علي ملابسات هذه المأساة.

ومن جنين، جري تشييع شيرين أبو عاقلة كأبطال المحاربين، وجال مشيعون حاملين جثمان أبو عاقلة الذي لف بالعلم الفلسطيني في شوارع مدينة جنين قبل نقلها إلي مركز الطب العدلي في مستشفي جامعة النجاح الجامعي في نابلس، ومن المقرر تشييع جثمانها الخميس في جنازة رسمية من مقر الرئاسة الفلسطينية (المقاطعة) في مدينة رام الله قبل نقله إلي القدس.
وأبو عاقلة "51 عاما" صحفية فلسطينية معروفة تحمل الجنسية الأمريكية، وتنحدر من عائلة من بيت لحم وتقيم في القدس الشرقية المحتلة، وقد التحقت بالجزيرة في عام 1997، أي بعد عام من انطلاق القناة. ومقرها العاصمة القطرية الدوحة.
وعملت أبو عاقلة قبل التحاقها بالجزيرة، في إذاعة فلسطين وقناة عمان الفضائية، وهي حاصلة علي درجة البكالوريوس في الصحافة والإعلام من جامعة اليرموك بالمملكة الأردنية الهاشمية.
عادت بعد التخرج إلي فلسطين وعملت في مواقع عدة مثل وكالة "أونروا"، وإذاعة صوت فلسطين، وقناة عمان الفضائية، ثم مؤسسة مفتاح، وإذاعة "مونت كارلو"، ولاحقًا انتقلت للعمل مع قناة الجزيرة الفضائية.

وتعد أبو عاقلة من الصحفيين المخضرمين عربيا، ومنذ التحاقها بالجزيرة، غطت أبو عاقلة معظم الأحداث البارزة في الأراضي الفلسطينية، وكانت من أشهر المراسلات الحربيات.
في لقاء لها قبل استشهادها، روت "أبو عاقلة" أن هناك الكثير من التقارير التي غيرت حياتها مثل تقريرها عن سجن عسقلان.. حيث كانت أول صحفية فلسطينية يسمح لها بزيارة السجن للاطلاع على أوضاع الأسري الفلسطينيون به، وملاحظتها لتلك الأوضاع جعلتها تكرس حياتها لقضية بلدها وتغطي ما يحدث خلال أحداث الانتفاضة، ومؤخرا، غطت ما حدث بحي الشيخ جراح واقتحام القوات للأقصي.
ووقفت "أبو عاقلة" في وجه مضايقات المستوطنين، لا تهتز ولا تتأثر ليكون ذلك موقفها طوال سنوات، ومن أبرز التقارير التي عملت عليها "أبو عاقلة" تقريراً عن نقل ملكيات المنازل بالقدس من ملاكها الفلسطينيون للمستوطنين وتكريس القضاء الاسرائيلي للفصل في تلك الجرائم لصالح الاحتلال.
كما تابعت أزمة حي الشيخ جراح، حينما شرعت قوات الاحتلال في هدم منازل الفلسطينيون لتخلق أزمة الحي التي مازالت قائمة حتي الآن.
وعلي سلالم المسجد الأقصي في رمضان، وقفت "أبو عاقلة" مع سكان القدس الذين يدافعون عن الهجمات واقتحام المسجد مثلما يحدث كل فترة من قبل قوات الاحتلال.
ولاقت جريمة اغتيال أبو عاقلة، على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية فى جنين، ردود أفعال واسعة دولية وعربية، على المستويين الرسمى والشعبى، مستنكرة ومنددة بالحادث.

كما أدانت جامعة الدول العربية مقتل أبو عاقلة، وحملت حكومة الاحتلال المسئولية الكاملة عن هذه الجريمة البشعة التي تستدعى المساءلة الدولية، وتحول موقع التواصل الاجتماعى "تويتر" إلى دفتر عزاء.. حيث عبر عدد كبير من المغردين عن حزنهم وصدمتهم لاغتيالها.
اترك تعليق