مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

مفارقة أبيلين

هل سمعتم من قبل عن مصطلح "Rock the Boat"؟؟ لا، لا أقصد أغنية آليا، قصدي هنا معني المصطلح بدون ترجمة حرفية، وهو البحث عن المتاعب أو إثارة الفوضى، هذا هو ما أريد التحدث عنه معكم اليوم، ولكن قبل أن نبدأ دعونا نتعرف على مفارقة أبيلين Abilene Paradox ، والتي تعني اتفاق مجموعة من الأشخاص على شيء معين قد يكون قرار أو إجراءات محددة في حين أن بعض أفراد المجموعة أو جميعهم معترضين على هذا الشيء، ولكنهم يخشون إبداء رأيهم المُعارض، ويفضلون العيش بمتلازمة القطيع. 
 


وأول من تحدث عن تلك الظاهرة كان الخبير الإداري "جيري هارفي"، والذي ذكرها في مقال له عام 1974 حيث أوضح أن مفارقة أبيلين تحدث نتيجة "التخيلات السلبية"، والتي تدفع أفراد المجموعة نحو اعتقادٍ خاطئ بأن باقي الأفراد قد يتخذوا مواقف عدائية من أيّ شخص مُعارض لقراراتهم، وسبب تسمية تلك الظاهرة بمفارقة أبيلين يعود للحكاية التي سردها هارفي في مقالته حينما أخبره والد زوجته برغبته في السفر لأبيلين (مدينة أمريكية بولاية تكساس) فوافق على اقتراحه رغمًا عن حرارة الجو وبُعد المسافة، وبعدما عادت العائلة من الرحلة قالت أم الزوجة أنا لم أرغب في الذهاب منذ البداية، كذلك قالت الزوجة أنها وافقت لجعلهم سعداء، والزوج أبدى رأيه بأنه وافق من أجلهم، والأغرب من كل هذا أن والد الزوجة (صاحب الفكرة) أعترف بأنه لم يرغب في تلك الرحلة المتعبة، ولكنه أقترح الذهاب لأنه توقع أن الآخرين قد يشعرون بالملل إذا ظلوا في المنزل.
أعلم أنكم حتى الآن تنتظرون بيت القصيد، والموضوع الرئيس لحديثي معكم اليوم؛ لذا دعوني أخبركم بدون مقدمات أن مقالة اليوم عن الأطباء، ولكن مهلًا.. أنا هنا لن أتحدث عن كل الأطباء، ولكن سأستثنى منهم بعض الأطباء الذين يستحقون حقًا لقب طبيب، وسأخبركم أن من ضمن عشرات الأطباء الذين تعاملت معهم حتى يومنا هذا لم أجد سوى ثلاثة أو أربعة فقط جديرين بالتحية والتقدير أما الآخرين فإما أطباء لا علاقة لهم بمهنة الطب-هم فقط أخذوا شهادتهم بناء على حفظ الخطوط العريضة في كتب الطب-أو من فئة الجبناء الذين إذا أفسدوا شيئًا هربوا واختبئوا في بيوتهم لحين تدارك الأمر من قِبل المستشفي، المُجبرة على إصلاح الوضع مع عائلة المريض-إذا لم يتوفاه الله-من أجل سمعة المستشفي.
أعلم أن البعض سيستاء من حديثي اليوم، ولكن أنا لم أقل شيء لم يحدث أو حتى سمعته من الآخرين.. ياليت هذا حصل ولم أعش كل تلك التجارب بنفسي إلا أن حظهم العاثر أوجدهم في طريقي وأوقعني معهم؛ لذا لا تستاءوا، خاصة لو كنت طبيب لأن وقوفك بجانبي لا يعني أبدًا التقليل من شأن زملائك، ولكنه سيساعدك ويساعدهم على إصلاح سمعة الأطباء التي أفسدها بعض الحمقى.
في الصين كان هناك رئيس أطباء يعمل معه أطباء في بداية حياتهم (حديثي التخرج)، وأعطى أحدهم كتاب سميك-ما يقرب من 500 صفحة أو ربما أكثر-لدراسته جيدًا، وحدد له موعد نهائي لمناقشة الكتاب، ولكن الطبيب الصغير أخبر رئيس الأطباء أن يضع له خطوط ملونة على أهم نقاط الكتاب نظرًا لضيق وقته بسبب المرضى ووجوده في المستشفى أغلب أيام الأسبوع.. هل تعلمون ماذا قال له رئيس الأطباء؟؟ أخبره أن حالات المرضى قد تتوقف على سطر واحد في هذا الكتاب، وأجبره على دراسته جيدًا من بدايته لنهايته.
والآن هل علمت ما علاقة مفارقة أبيلين، ومصطلح "روك ذا بوت" بحديثنا اليوم؟؟ كلاهما يتحدثان عن المرضى الذين عانوا من أخطاء الأطباء؛ فمفارقة أبيلين تناقش حال أولئك المرضى الذين تخلوا عن حقوقهم ولم يحذفوا أولئك الحمقى من نقابة الأطباء ظنًا منهم أن ما حدث معهم عبارة عن استثناء وأن أيّ محاولة لإثارة الفوضى " Rock the Boat" ستأتي بنتائج عكسية عليهم بدلًا من إلقاء اللوم على المخطئ. 
أتذكر الآن جملة كانت في تتر مسلسل تقول: "قالوا يا فرعون يا ظالم أيه فرعنك قال عبيدي"، مع الأسف المشكلة لا تكمن فيمن أخطأ ولكن تكمن في أولئك الذين رأوا الخطأ ولم يحركوا ساكنًا، أولئك الذين يسيرون بمبدأ "فوضت أمري لله، وربنا على الظالم والمفتري"، هؤلاء ليسوا متسامحين ومتوكلين على الله، ولا يجب أن نتعاطف معهم؛ لأنهم ببساطة لم يدافعوا عن حقوقهم، عن نعمة الصحة والحياة التي وهبها الله لهم.

بقلم - هبه مرجان:
 





تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي

تابع بوابة الجمهورية اون لاين علي جوجل نيوز جوجل نيوز

يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل

اترك تعليق